الرئيسية / كتاب الرآي / أزمة وعي الأزمة لدى نخبنا الحاكمة..

أزمة وعي الأزمة لدى نخبنا الحاكمة..

آخر تحديث :2018-05-18 17:35:45

أزمة وعي الأزمة لدى نخبنا الحاكمة.. بقلم // أحمد الميداوي

الكاتب المغربي أحمد الميداوي
الكاتب المغربي أحمد الميداوي

منذ ما يزيد عن ستين عاما والمغرب يعيش على ثقافة الانعدام… انعدام الحرية وانعدام المساواة وانعدام العدالة وانعدام تكافؤ الفرص وانعدام القانون على أكثر من صعيد… وهي ثقافة تأسست وما تزال على منظومة من الأفكار والرؤى التي تقصي المتغيرات في بنيتنا الاجتماعية والسياسية، وتكرس الخواء والعجز الذي بات من سمات ما يمكن تسميته بأزمة وعي الأزمة.

وبكلمة أخرى، فإن المشهد السياسي المغربي بشقيه الحزبي والنقابي، ظل طوال عقود قابعا لدى معظم التنظيمات السياسية في متاهات الشعارات والخطابة الفارغة، عاجزا عن تجديد نفسه وآليات تفكيره بما يمكنه من تكسير ثقافة الأنا المتضخمة بمفهومها السلبي، ومعها أزمة الوعي بالأزمات التي تتخبط فيها البلاد وعلى رأسها أزمتان أساسيتان، اقتصادية مرتبطة بالنمو والتوزيع العادل للثروات، وسياسية ذات صلة بالحريات العامة.

ولابد في هذا السياق من التوقف عند نقطة في غاية الأهمية كونها تجليا لأزمة الوعي السائدة في أوساط التنظيمات السياسية والنخب الحاكمة. ويتعلق الأمر بالصورة التي تكونها معظم الأحزاب وخاصة تلك التي رأت النور في فترة السبعينات والثمانينات دون سند شعبي أو مرجعية سياسية، عن ممارسة الحريات العامة ومنها حرية التعبير. فهي من حيث الخطابة تبدو على وعي كبير بالأزمة وبحق المواطن في الإعلام، لكنها تتفوق من حيث التطبيق، على الأسلوب المخزني في تضييق الخناق على كل من سار في الاتجاه المعاكس. وللصحافة تجربة مريرة مع حرية القلم منذ نصف قرن أو يزيد وما تميزت به مرحلة الاستقلال إلى اليوم من تعسفات واعتقالات وتوقيفات.

مثل هذا الوعي “الشقي” لدى النخب الحاكمة حاليا يحيلنا على أزمة الوعي بالكثير من المشاكل التي غالبا ما تعالج، إما من خلال إدراك ضيق لعمقها، وهو ما يزيدها استفحالا، أو من خلال نسخ مرتجل للنماذج الأجنبية، كما هو الشأن في قطاعات عديدة ومنها التعليم الذي يسطو كل مرة على نمط بيداغوجي فرنسي في محاولة لتطبيقه حتى وإن اختلفت المسالك التربوية والمناهج التعليمية.

وبما انه وعي سطحي وممزق، فانه ينحل إلى تناقضات لا متناهية تعيد إنتاج الرؤية السياسية الأحادية المؤدية إلى تغييب الفرد واعتباره صفراً مهملا ضمن رؤية اجتماعية ساذجة تقوم على رفض الآخر ونفيه بالمفهوم الاجتماعي والسياسي.

وبهذا المعنى فإن أزمة الوعي عند نخبنا، ليست تعبيرا عن مجتمع عاجز عن إعادة إنتاج نفسه معرفيا، بقدر ما هو تعبير عن أزمة حقيقية في بنيتنا السياسية وما تتضمنه من مشاريع نظرية يقوم بتوظيفها بعض قادة التنظيمات السياسيةً بما يتناسب ومصالحهم السياسية. ومن هنا فإن أحد أهم السبل لمعالجة أزمة الوعي السائدة في أوساط بعض النخب السياسية، تكمن في تعميق الوعي بالذات وإدراك مواطن الضعف وتحليلها على أساس الرؤية النقدية المنفتحة، وتقوية المشاركة الاجتماعية في صناعة القرار وتكريس مبدأ المحاسبة والرقابة، وإلا سنعود إلى أحط مراحلنا التاريخية.

فمجتمعنا يعاني على المستوى السياسي من مجموعة من الإشكاليات يمكن اختصارها من جهة في توظيف أنماط إيديولوجية لا تتوافق مع المرحلة الراهنة ومقتضيات التطور العالمي، ومن جهة أخرى في غياب الديمقراطية من جراء ممارسة التهميش المنظم على المواطن، وتزايد ظاهرة المحسوبية والتمييز القائم على أسس مناطقية، وأيضا وهذه أم المعضلات، اعتماد الشعارات والخطابة الفارغة التي أصبحت واحدة من عادات أبناء الوطن العربي وبها يصنفنا الغربيون ب”الظاهرة الصوتية”.

فكلمة “كلب” لا تنبح ولا تعض، كما يقول الفرنسيون، لكنها تحيل على واقع عياني، إلى كائن معين، ينبح، ويعض، وهي لا تحتاج إلى خطابة لنتبين مدلولها. وكلمة عطر لا عطر فيها، وكلمة علم ليست عالمة، وكلمة شر ليست شريرة… ولكنها جميعا كلمات ومفاهيم تحيلنا على واقع معين، سياسي اجتماعي اقتصادي يستدعي منا التعامل معه من زاوية التأثير فيه وليس التأثر به.

 ثم إن الأساليب المتبعة من لدن نخبنا السياسية تعبر عن ممارسات اجتماعية وسياسية لا تتجاوب مع المتغيرات الراهنة وتحدياتها المستقبلية، معبرة بذلك عن الخواء والعجز الذي بات من علامات ثقافتنا الراهنة المتسمة بالانكفاء على الذات والتخلف عن مواكبة التطورات الحضارية المتسارعة.

وعي شقي آخر لدى النخب الحاكمة يتجلى في عدم إدراكهم بدور المنابر الإعلامية المكتوبة منها والسمعية البصرية من حيث هي الوسيلة الأولى للتربية والتثقيف والاطلاع. وربما أخطأت بقولي إنهم لا يدركون دور هذه المنابر، بل إنهم يصرون على أن يظل المواطن في حالة انحصار معرفي مستمر يعيش خارج الزمن الثقافي والإعلامي المغربي.

والسؤال المركزي الذي يجب طرحه وتكرار طرحه هو إلى متى سيتحول الوعي الشقي لدى هؤلاء إلى وعي حقيقي يسهم في التخلص من فخ الاستسهال، وفي إشاعة المعرفة والفهم بين المواطنين الذين فقدوا كل أمل في  التصالح مع نشأتهم الاجتماعية والانصهار في تفاصيلها ومكوناتها، وذلك من خلال سياسة قويمة تسهم في نقل التجارب وصنع التراث وتحريك عجلة التاريخ؟.

العلم: باريس أحمد الميداوي

عن فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

شاهد أيضاً

ازدواجية انعقاد جلسات المحاكم تطرح مدى قانونيتها..

               ازدواجية انعقاد جلسات المحاكم تطرح مدى قانونيتها.. بقلم // …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *