الرئيسية / كتاب الرآي / أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية

أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية

آخر تحديث :2017-04-04 18:02:37

Last updated on أبريل 5th, 2017 at 11:00 م

أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

يوم السبت الأول من شهر أبريل 2017 أيد المبعوث الخاص للكرملين إلى أفغانستان زامير كابولوف دعوة حركة طالبان الأفغانية إلى انسحاب كل القوات الأجنبية من أفغانستان من دون قيد أو شرط. وقال إن دعوة طالبان في هذا الشأن عادلة ومحقـة وأنه لا يوجد أي من دول الجوار الأفغاني يؤيد فكرة بقاء قوات أجنبية في أفغانستان. وأضاف أن بلاده تعارض الاتفاقيات التي تسمح لقوات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو” بالبقاء على المدى الطويل في البلاد التي مزقتها الحرب.

تزامن ذلك مع أنباء عن تقارب واتصالات بين الحكومة الروسية وحركة طالبان، إذ أشار وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إلى قلق بلاده من تنامي العلاقات بين موسكو والحركة وأكمل ماتيس أن واشنطن على علم بالعلاقات بين الجانبين، إلا أنه أحجم عن التعليق على ما يزعم عن قيام روسيا بتوريد الأسلحة لهذه الحركة المناهضة لتدخل حلف الناتو وللحكومة الأفغانية.

من جانبه اتهم قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل موسكو بأنها تدعم طالبان، وقال فوتيل في استجواب أمام لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأمريكي إنه “من العدل الافتراض بأن موسكو تقدم نوعا من الدعم لطالبان من قبيل السلاح والأمور الأخرى، وأعتقد أن روسيا تحاول التأثير على الأحداث وأن تكون لاعبا أساسيا في المنطقة”، فيما أعرب الجنرال جون نيكلسون قائد القوات الأمريكية في أفغانستان عن قلقه من تنامي الاتصالات بين موسكو وحركة طالبان. وذكر نيكلسون أن روسيا تعطي طالبان التشجيع والغطاء الدبلوماسي من اجل تقويض التأثير الأمريكي وهزيمة حلف شمال الاطلسي، الا انه لم يذكر ان روسيا تقدم الدعم المادي لمقاتلي طالبان.

بدوره، رأى الجنرال الأمريكي والقائد الأعلى لـحلف شمال الأطلسي في أوروبا، كيرتس سكاباروتي، أنه “منذ فترة، شاهدت النفوذ الروسي وهو يتزايد من ناحية الارتباط وربما حتى الإمدادات لطالبان.

وتخوض قوات حلف شمال الأطلسي حربا في أفغانستان منذ غزوها بقيادة الولايات المتحدة أواخر عام 2001 بعد هجمات 11 سبتمبر. ويوجد حوالى 13 ألف جندي معظمهم من الأمريكيين في افغانستان، في اطار ما يسمى مهمة “الدعم الحازم” لتدريب القوات المسلحة التابعة لحكومة كابل الافغانية.

يذكر أنه وخلال عقد الثمانينات، زودت الولايات المتحدة المقاتلين الذين ساهمت مجموعات منهم في تكوين طالبان بأسلحة متطورة خلال حربهم ضد الاتحاد السوفياتي، ولكن بعد إنسحاب القوات الروسية دخلت واشنطن في صراع ضد طالبان وإستغلت هجمات 11 سبتمبر 2001 لتبرير التدخل لإسقاط حكم طالبان في كابل.

ويقول الضباط الأمريكيون أنه بعد أكثر من خمسة عشر عاما من خوضهم الحرب هناك، بأن الأزمة الأفغانية في “مأزق”، بين استمرار طالبان في توسيع تأثيرها اقليمي وفشل القوات الأفغانية في تحقيق نصر على الحركة.

في المقابل تتحدث تقارير أمنية وعسكرية نشرت بعض محتوياتها في عدة عواصم أوروبية، عن قيام الناتو بزعامة الولايات المتحدة بمحاولات تجميد الأزمة الأفغانية وتحويلها إلى ورقة للمساومة والتهديد، وخاصة في ظل الأزمة الجديدة بين روسيا والغرب، ووجود أفغانستان بالقرب من روسيا، وأيضا من حدود طاجيكستان عضو منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم روسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرغيزستان وبيلاروس.

واستولى مقاتلو طالبان خلال شهر مارس 2017 على منطقة سانغين الاستراتيجية في محافظة هلمند، ما يعد نكسة اضافية للقوات الأفغانية قبل بدء فصل الربيع الذي يعد بمزيد من القتال.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

نفي روسي

 في مواجهة الاتهامات الغربية للكرملين، نفت الخارجية الروسية الأنباء عن دعم موسكو لطالبان بالسلاح ودافعت عن الاتصالات التي تجريها مع الحركة بالقول إنها تتعلق بمسألة الحفاظ على أمن المواطنين الروس العاملين في الأراضي الأفغانية.

وكانت الحكومة الروسية قد دعت وفدا من حركة طالبان لحضور مؤتمر للسلام تعقده الخارجية الروسية في موسكو يوم 14 أبريل 2017، ويضم المؤتمر كلا من الصين وباكستان ودول وسط آسيا وإيران والهند، واعتذرت الولايات المتحدة عن الحضور رغم توجيه دعوة رسمية لها، كما انتقدت الحكومة الأفغانية دعوة حركة طالبان للمؤتمر قبل موافقة الحركة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والحوار مع الحكومة الأفغانية. وكانت روسيا والصين وباكستان قد عقدت في ديسمبر 2016 مؤتمرا ثلاثيا في موسكو للبحث في سبل تحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان، ودعت الدول الثلاث إلى إشراك دول الجوار الأفغاني وحكومة كابل وطالبان في جلسات الحوار التي تستضيفها الحكومة الروسية.

وتخشى موسكو من تنامي تنظيم داعش في أفغانستان وامتداده إلى دول وسط آسيا التي كانت جزء من الإتحاد السوفيتي والتي تعود تدريجيا لتكوين تحالف جديد ونوع من الوحدة مع موسكو. وتخشى الصين من جانبها من عودة المسلحين الإيغور الذين كانوا يقاتلون مع داعش في العراق وسوريا إلى أفغانستان وبدء عمليات في المناطق الغربية من الصين في إقليم تركستان الشرقي المعروف بإسم شينغيانغ وذلك بتشجيع من الغرب لزعزعة إستقرار الصين.

وكان زامير كابولوف قد قال في تصريحات أخرى نقلتها وكالة انترفاكس الروسية للأنباء، بأن “مصالح طالبان تتقاطع بشكل موضوعي مع مصالحنا”، وأضاف “لقد قلت في السابق إن لدينا قنوات اتصال مع طالبان لتبادل المعلومات”.

وأشار إلى أن “حركتي طالبان أفغانستان وطالبان باكستان، قالتا إنهما لا تعترفان بتنظيم “داعش” ولا بزعيم التنظيم أبو بكر البغدادي كخليفة للمسلمين”، مؤكدا أن “ذلك مهم للغاية”.

وكان كابولوف، قد أجرى مفاوضات مع زعيم طالبان الملا عمر في منتصف التسعينات، عندما سيطرت الحركة على طائرة نقل روسية، واحتجزت 7 رهائن روس في مطار قندهار.

وعند اتصال وكالة “فرانس برس” بالمتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، أكدت صحة تصريحات كابولوف، وقالت: إن “الأمر يتعلق بمحاربة تنظيم داعش”.

ويقول مسؤولون روس، إن “تنظيم داعش يشكل تهديدا نظرا لأنه يحاول التسرب إلى المناطق التي تسيطر عليها طالبان في أفغانستان وتقع على حدود طاجيكستان، الجمهورية السوفياتية السابقة التي تعد حليفا لروسيا في آسيا الوسطى.

وعززت موسكو تواجدها العسكري في طاجيكستان، وقامت بتعزيز قاعدتها القريبة من دوشنبي بمروحيات. وأكد وزير الدفاع الروسي سيرجي شويغو، إن “وجود تنظيم داعش في أفغانستان يعتبر تهديدا آخر”. وأضاف شويغو، “توجد أسباب تجعلنا نقول إن جماعات داعش ظهرت هناك، وأمامنا تحديات إضافية تضاف إلى كل شيء آخر هناك”.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

صقور واشنطن

  في واشنطن حيث لا تزال نوايا الرئيس ترامب بشأن مستقبل التدخل الأمريكي في أفغانستان غير واضحة تتحرك عدة أوساط سياسية وجماعات ضغط لزيادة حجم التدخل الأمريكي ومنع التوصل إلى تسوية عبر تصوير الموقف الروسي من الحرب في أفغانستان على أنه جزء من مجهود من الكرملين لتقويض نفوذ الولايات المتحدة في أغلب مناطق العالم ذات الأهمية الإستراتيجية، وتؤكد هذه الأوساط أنه يبدو أن المساعي المستمرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاك حلف شمال الأطلنطي “ناتو”، لن تتوقف عند حد معين بالسيطرة على منطقة البلقان أو الوضع بسوريا والتوسع شرقا وغربا عبر تحالفات سلاح واقتصاد مهمة، بل امتدت لدولة أفغانستان.

 توماس جوسلين أحد كبار الباحثين بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الأمريكية كتب تقريرا في موقع “ذي ديلي بيست” الإخباري الأمريكي قال فيه إن الحكومة الروسية تدافع علنا عن طالبان، وأوضح أن روسيا والصين وباكستان دعت مؤخرا المجتمع الدولي إلى إبداء “مرونة” في تعامله مع حركة طالبان التي قال إنها تظل “العدو الأشد خطورة” على حكومة كابل، بل إن روسيا -يقول جوسلين- جادلت بأن طالبان تعتبر “درعا واقيا” وضروريا في الحرب ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية.

وأضاف جوسلين “لطالما استغلت طالبان مباحثات سلام مع الولايات المتحدة والقوى الغربية “ذريعة” لإبطال مفعول العقوبات الدولية التي تحد من قدرة كبار قادتها على السفر إلى الخارج لجمع التبرعات السخية ولتحقيق مآرب أخرى”. إن طالبان بطبيعة الحال غير مهتمة بالسلام والأمن، فالحركة التي يصفها بالجماعة الجهادية تريد الخروج ظافرة من الحرب الأفغانية ومن ثم فهي تستغل المفاوضات مع القوى الإقليمية والدولية لتحسين وضعها.

وخلص جوسلين إلى أن روسيا تعكف حاليا على تمكين دبلوماسية طالبان “المخادعة” بالتظاهر بأن تنظيم الدولة الإسلامية يشكل تهديدا “أكثر إثارة للقلق”، ورأى في ذلك حيلة ظل الروس يتبعونها لأكثر من عام.

واستطرد قائلا إن الحجة التي يدفع بها الروس تقوم على أساس أن تنظيم الدولة يمثل قوة “عالمية”، بينما طالبان ليست سوى حالة “محلية مزعجة”.

ودعا في ختام تقريره إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن حركة طالبان وتنظيم القاعدة سيظلان “عدونا في أفغانستان”.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

ترامب وحرب 15 عام

  خلال الحملة الإنتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة نهاية سنة 2016 وبعد حسمها في نوفمبر تجاهل ترامب الملف الأفغاني وركز على الصراع في سوريا بمناظراته، إلا أنه كان من الواضح أن على الساكن الجديد للبيت الأبيض البت فيما يخص الحرب الدائرة بأفغانستان التي تعد الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، فإما الإبقاء على القوات أو سحبها.

بعد فوزه وجه ترامب خطابا تعهد فيه “بمعالجة الجراح، وتقديم مصلحة أمريكا أولًا والاهتمام بالمحاربين القدامى”.

ولم تسقط حرب أفغانستان بشكل كامل من تصريحات ترامب إذ وصفها بأنها كانت “خطأ فادحا” ولكنه أكد على وجوب استمرار القوات الأمريكية “حتى لا ينهار الوضع فى ثانيتين بعد الخروج، مثلما قال أن العراق على وشك الانهيار بعد خروج أمريكا”، بحسب تصريحاته لشبكة “سي إن إن” في مطلع شهر أكتوبر 2016.

لكن ترامب عاد ونفى وصفه للحرب بالخطأ، معتبرا الوضع في أفغانستان مختلفا عن العراق لقربها الجغرافي من باكستان التي تمتلك سلاحا نوويا مما استوجب التدخل العسكري، على حد وصفه للشبكة.

  فى يوليو 2016، تراجع الرئيس السابق باراك أوباما عن قرار تخفيض عدد القوات الأمريكية المتواجدة فى أفغانستان إلى النصف، وفى المقابل أبقى على 8400 من القوات حتى يناير 2017 لما وجده من عدم استقرار لا يزال يخيم على الدولة، وبعد ثلاثة أشهر في السلطة لم يحسم ترامب في الأمر.

ويشكل الأمريكيون الجزء الأكبر من 12 ألف عنصر تابع لحلف شمال الأطلسي “الناتو” يساعد فى تأمين وتدريب القوات المسلحة الأفغانية، وذلك بعد أن قرر الحلف الذى أنهى رسميا مهمته القتالية في أفغانستان في 2014 تمديد التدريبات مدة عام.

التدخل الأمريكي في افغانستان كلفها أكثر من 800 مليار دولار كمخصصات مباشرة لوزارتي الخارجية ووزارة الدفاع، وفقا لدراسة بمعهد واتسون للدراسات الدولية أجريت في أغسطس 2016.

كما كشف تقرير لهيئة رقابية حكومية في الولايات المتحدة الأمريكية شهر أكتوبر 2016 أن الفساد وانعدام الأمن يعترضان جهود تمكين المرأة كما يضعفان الحرب ضد طالبان، حيث وصف التقرير أفغانستان بأنها “لازالت تعد واحدة من أسوأ الأماكن في العالم بالنسبة للمرأة”.

أما فيما يخص خطة إعادة إعمار أفغانستان التي تساهم فيها أمريكا، رسم ذات التقرير صورة قاتمة لحالة الطرق في أفغانستان بعد أن طال الدمار 95 في المئة منها، بما في ذلك التي تم تشييدها.

ولا تعتبر طالبان الخطر الوحيد الذى يواجه الولايات المتحدة في أفغانستان، حيث إن قواتها تلاحق مقاتلي تنظيم القاعدة في سبع مقاطعات أفغانية على الأقل، بينما اكتسب داعش موطئ قدم في شرق البلاد.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

طالبان لا تزال الأقوى

جاء في تقرير نشره الباحث لور الخوري من مركز دراسات كاتيخون:

 يحيط الغموض بالاستراتيجية التي قد يتبعها دونالد ترامب في أفغانستان، في ظل التجاهل العلني الذي تبديه إدارته تجاه هذا الملف الشائك، منذ تسلّمه السلطة، في 20 يناير. إلا أن صمت ترامب تقابله توصيات من سياسيين وعسكريين، يدعون فيها إلى زيادة عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان، فيما تواجه هذه التوصيات بتساؤلات عن مسار الحرب هناك، ونهايتها.

ورغم الاعتراف بإخفاق الرئيس السابق باراك أوباما، في مقاربته لهذه المسألة، لكن محاولات البحث عن توجه مختلف لا تعطي رؤية مغايرة عما انتهجه هذا الأخير، على مدى السنوات الثماني السابقة.

وإذا أصغى ترامب أو لم يصغ إلى دعوات السيناتور جون ماكين، وزميله في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، التي تطالب بزيادة عدد الجنود الأمريكيين في أفغانستان، يبدو أن الحلول المتوافرة حاليا، ستستنسخ فشل أوباما. انطلق ماكين وغراهام من كلام قائد القوات الأمريكية وقوات التحالف في أفغانستان الجنرال جون نيكلسون، ليقترحا توسيع الوجود الأمريكي هناك. وفي مقال في صحيفة “واشنطن بوست”، أشارا إلى أن نيكلسون أكد أن الحرب هناك وصلت أمام “طريق مسدود”. ووفق ما يرى السيناتوران، “يجب على ترامب مقاربة الحرب في أفغانستان” كما يقارب الحرب ضد “داعش”، مع إشارتهما إلى القوة الكبيرة التي باتت تتمتع بها حركة “طالبان”، بسيطرتها “على أكثر من 52 في المئة” من أراضي البلاد، في مقابل ضعف الحكومة المدعومة من واشنطن. وبرأيهما، فإن هذا الأمر ضرورة، لأن هناك ما يشكل “تهديداً حقيقيا” على “الأمن القومي الأمريكي”.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

واشنطن رهينة من؟

  لا يوجد ما هو جديد في اقتراح ماكين وغراهام، ذلك أن النمط عينه الذي يتحدثان عنه، كرّرته الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ سنوات في أفغانستان، أو على الأقل منذ عام 2007. وهذا ما دفع المقدم المتقاعد في الجيش الأمريكي، ديفيد إل دايفس، إلى القول إن من الضروري إعادة النظر في “أخطاء الماضي”، مشيراً في مقال في مجلة “ذي ناشيونال إنترست”، إلى أكثر من ألفي قتيل من الجيش الأمريكي وأكثر من 17 ألف جريح، ومليارات الدولارات التي أُنفقت في تلك الحرب، فضلا عن الضحايا المدنيين، فيما لم تنجح بلاده “من خلال زيادة عدد جنودها، منذ 15 سنة إلى اليوم، بالفوز أو بتغيير الواقع الميداني”.

وإذا لم يكن الحل في زيادة عدد الجنود، فقد يكون سياسيا، بنظر الباحث بارنيت روبين. بعبارة أخرى، فإن “أمريكا لا تستطيع تنقية أفغانستان من الإرهاب”، وفق ما يرى روبين، في مقال نُشر أيضاً في مجلة ذي “ناشيونال إنترست”. بل إن المزيد من الجنود قد يحرك “الحالة الجامدة” بشكل طفيف ولمدة أطول، وهذه الحالة قد تدوم “بقدر ما تنوي الولايات المتحدة أن تدفع أموالا”. ويشير روبين إلى أن “الاستراتيجية الحالية” تعني “التزاماً أبدياً من قبل الولايات المتحدة”، ذلك أنها لا تقوم “بشيء لتغيير الظروف الجيوسياسية التي خلقت بيئة محفزة للإرهاب العالمي في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان”.

الباحث في السياسة الأمريكية في أفغانستان بول ميلر، يضع الحرب في هذه البلاد في إطارها السياسي أيضا. وفي مقال في مجلة “ذي أميركان إنترست”، يشير إلى أن إدارة أوباما فشلت، حتى اللحظة الأخيرة، في “فهم شروط الانتصار في الحرب، والتي تتمحور حول خلق نظام سياسي بديل”. ويذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الحديث عن الأخطاء، متطرقا إلى نوع من “الحلول”، على اعتبار أنه “من دون نظام مستقر وشرعي في أفغانستان، لن يكون هناك نهاية للعنف السياسي”.

من ناحية أخرى، يمكن القول إن “التهديد” المباشر الذي تطرق إليه ماكين وغراهام ليس حقيقيا، بالنظر إلى أن هدف «”طالبان” هو تسلم “السلطة في أفغانستان، وليس شن حرب ضد الولايات المتحدة”، على حد تعبير الباحث تشارلز بينيا، في تقرير على موقع “ذي أميركان كنسرفاتيف”. أكثر من ذلك، فإن “الوجود الأمريكي” لا يفعل شيئاً سوى “إضفاء المزيد من المعنى لجهود طالبان”، أي بمعنى آخر إعطاء سبب لتحركات “طالبان” المختلفة، وهو ما يشير إليه الباحثان مايكل سامبل وثيو فاريل، في دراسة أعداها في يناير 2017، واستندا فيها إلى مقابلات مع قادة ووزراء سابقين في “طالبان”.

الوسائل السياسية تعني عدم التعامل مع “طالبان” كـ”منظمة إرهابية”، وهذا ما آثر أوباما القيام به. فعندما ورث الحرب في أفغانستان عن سلفه جورج بوش الابن، عمد إلى تحديد مواعيد تبين لاحقا أنها وهمية لإخراج جيشه من هناك. لم يتمكن الرئيس السابق من الوفاء بوعوده، ليغادر السلطة تاركاً في أفغانستان 9800 جندي ومستشار أمريكي. اعتمد أوباما، منذ عام 2009، استراتيجية مبنية على تدريب القوات المحلية الأفغانية، لتخوض المعارك المباشرة مع “طالبان”، تاركا الباب مفتوحا أمام المفاوضات السياسية مع الحركة التي للإشارة لا ترد على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية. بالتزامن، اعتمدت نوعا من الازدواجية، منتهجة قتل قادة الحركة من خلال استهدافهم بطائرات من دون طيار، من دون أن يلعب جيشها سوى دور استشاري، وذلك مع إطلاق أوباما لقب “حرب الضرورة” على مغامرة بلاده في أفغانستان.

إدارة أوباما لم تغلق الباب كليا أمام التعامل مع “طالبان”، أو مع من اعتبرتهم غير ملتزمين إيديولوجيا في الحركة. ففي عام 2013، سمحت لـ«”طالبان” بتأسيس “سفارة في المنفى في العاصمة القطرية الدوحة” مع رفع العلم ومنح المميزات الدبلوماسية الأخرى. إضافة إلى ما تقدم، أطلقت الولايات المتحدة، عام 2014، سراح خمسة من كبار قادة “طالبان” من سجن غوانتانامو.

مع كل ذلك، لم تعط “طالبان” لأوباما، قبل نهاية ولايته، “النصر” الذي أراد أن يخرج به، وهو عبارة عن “صفقة سلام”. بل إن أوباما لم ينجح بالخروج من المستنقع الأفغاني، ولو بتحقيق واحد من وعوده. علاوة على ذلك، أخفقت الحكومة المدعومة من واشنطن، في تحقيق المطلوب منها، ما انعكس في سيطرتها الضعيفة على أجزاء من البلاد، في مواجهة “طالبان” التي رسخت حضورها في مناطق عدة، فيما تبدو قادرة على تهديد مناطق خارج دائرة نفوذها التقليدي.

لا يمكن القول إن الولايات المتحدة لم تستثمر الوقت الكافي في هذه الحرب، لكنها لم تحقق أهدافها المعلنة، بل “خلقت ظروفا ومشاعر لمصلحة من يجندون الشبان ويحولونهم إلى إرهابيين”، وأوجدت “فراغا في السلطة ليملأه إرهابيون وقادة حرب وميليشيات طائفية وإثنية… الحرب الأهلية والإرهاب استتبعا ذلك”، يقول الباحث راجين مانون، في “ناشيونال إنترست”، متحدثا عن وقوع عدد هائل من الأسلحة الأمريكية في أيد وصفها بالـ”خطأ”، وذلك بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة أرسلت، بالأساس، أعدادا كبيرة من هذه الأسلحة للجيش والميليشيات التي دربتها.

المزيد من التدخل الأمريكي سيبقي أفغانستان رهينة للولايات المتحدة، لكنه لن يكون قادرا على تغيير مسار الحرب بشكل دراماتيكي. فكما الملا أختر منصور من قبله، هكذا تعهد زعيم الحركة الجديد، الملا هبة الله أخند زاده، بمواصلة “الجهاد”. وإن كان ذلك يعني شيئا، فهو أن “طالبان”، وإن كانت ربما عاجزة عن حكم أفغانستان مرة أخرى، إلا أنها ستكون جزءا من مستقبلها السياسي، في السلم أو في الحرب. وقد تختصر هذه المعادلة في عبارة استخدمها تقرير نشر على موقع “ذي إنترسبت”، وهي: “كما أوباما من قبله، سيصعد ترامب تلك الحرب، وكما أوباما من قبله، سيخسر ترامب تلك الحرب”.

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

مهمة داعش فشلت

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين تشير أنه منذ منتصف سنة 2016 راهنت الإدارة الأمريكية على أن تمدد نشاط تنظيم داعش في أفغانستان سيساعد في شغل قوات حركة طالبان وسيضعفها إلى حد كبير مما سيسهل بدوره مهمة حلف الناتو ويقوى حكومة كابل المدعومة من طرف واشنطن. الأمر لم يكن كذلك، فخلال شهر مارس 2017 قال المتحدث باسم قوة أيساف التابعة لحلف شمال الأطلسي في أفغانستان جنرال تشارلز ان “تنظيم داعش كان لديه ما بين 2000 إلى 3000 مقاتل منتشرين في 11 منطقة في ولاية ننغرهار في أفغانستان عام 2016”، ولفت الى ان “هذا العدد تراجع إلى 700 فقط متمركزين في ثلاث مناطق في الولاية عام 2017”.

وشدد كليفاند على أن “داعش بالكاد يحظى بدعم في أفغانستان”، وحذر من أن “2017 سيكون عاما مليئا بالتحديات وأن القتال مع حركة طالبان سيتطور مع فصل الربيع”.

موقع “نيوزويك” الأمريكي تحدث عن أسباب إنهيار داعش السريع في أفغانستان وجاء في تقرير له:

 إن أفغانستان من أكثر الدول التي أثبتت أنها الأكثر صمودا، فقد تمكنت من الوقوف في مواجهة كافة الهجمات التي شنها هذا التنظيم. أن ما تشهده داعش في أفغانستان، يعد خسارة كبيرة بالنسبة له، فهو غير قادر أن يفرض سيطرته على واحدة من أهم المعاقل التي من الممكن أن تكون مخبئا جيدا له، والتي من الممكن أن يوجه من خلالها المزيد من الهجمات.

وقام الموقع الأمريكي، بما يشبه المقارنة بين “داعش وطالبان”، حيث أعتبر أن الأخيرة أكثر نجاحا، حيث تسيطر على 43 منطقة، وتمكنت من جعل سكان أكثر من 56 منطقة أخرى، يتأثرون بأفكارها ومعتقداتها.

وخلافا لطالبان، يقول حميد حكيمي، أحد باحثي مؤسسة “تشاثام هاوس في المملكة المتحدة”، إن “داعش” لا يقدم أي تنازلات للسكان المحليين، ويضيف إن هذه المجموعة مناهضة تماما للثقافة المحلية وتتجاهل قضايا أصيلة في المجتمع الأفغاني، والوضع في العشائر وشبكات الحكم، على حد قوله.

سراب الأوهام

  تبحث أوساط المحافظين الجدد في مراكز القرار بالولايات المتحدة بكل الطرق عن وسيلة لتجنب هزيمة مدوية في أفغانستان لأنها تدرك أن اسقاطاتها ستكون جد فادحة على وضع الولايات المتحدة العالمي ولهذا نجدها تضع تصورات متناقضة مبنية على مفاهيم مغلوطة بحثا عن مخرج.

موقع “ذا ناشونال إنترست” نشر يوم 20 يناير 2017 التقرير التالي:

“خمسة عشر عاما.. آلاف الأرواح أزهقت.. ومئات المليارات من الدولارات أنفقت.. وفي النهاية فشلت الولايات المتحدة في تحقيق معظم أهدافها الرئيسية في أفغانستان، وفشلت المهمة.

والآن ماذا نفعل؟، النهج الذي تتبعه أمريكا حاليا إذا سمح لنا بالاستمرار فيه، فهو يضمن مستقبل تسوده الفوضى في أفغانستان، ويفتح الباب للمتشددين في آسيا الوسطى.

وبهذه الحالة سنكون بشرنا بهزيمة استراتيجية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة، فالمتشددون يسعون في النهاية إلى السيطرة على كل من أفغانستان، وباكستان، ومن ثم التوسع في آسيا الوسطى.

والهزيمة في أفغانستان تعني أننا قد نواجه صراعا عالميا آخر، فقد تحولت تركيا إلى دولة إسلامية، ودول الخليج تمول “الجماعات الارهابية المتطرفة” التي تهدف إلى تطويق واحتواء الملالي في إيران، بما في ذلك المتطرفين في أفغانستان.

فهل سيحقق الإسلاميين أهدافهم؟ لا، ونحن لا نريد معرفة ذلك. إنهم بحاجة إلى أن يهزموا الآن، حيث لا يزال الوضع يمكن التحكم فيه، استراتيجية بديلة يمكنها تفادي كارثة استراتيجية في وقت لاحق.

جهودنا غير كفء في أفغانستان تعتمد على 3 محاور يجب إعادة النظر فيها:

صنع القرار السياسي شديد المركزية.

السيطرة القوية لمجموعة البشتون الأفغانية على الحكومة المركزية، والشرطة الوطنية والجيش الوطني الأفغاني.

الاحترام المفرط للمصالح مع باكستان وسياساتها في أفغانستان والمنطقة.

هذا المخطط المعيب له جذور في الأحداث الرئيسية في التاريخ الحديث الأفغاني: الغزو الأمريكي لأفغانستان (ردا على هجمات 9/11) واتفاقية بون ديسمبر 2001 لإعادة تشكيل بنية الدولة الأفغانية بعد الحرب.

ومع هزيمة طالبان، فرضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة أول رئيس لأفغانستان حامد كرزاي، وهو من البشتون على الشعب الأفغاني ضد إرادتهم، وفي وقت لاحق، خلال مؤتمر دستوري ديسمبر 2002 في كابول، أجبرت الولايات المتحدة و”المجتمع الدولي” الأفغان على قبول الحكم المركزي رغم من المقاومة الداخلية ضده.

وبعد رحيل كرزاي من المشهد السياسي في العام 2014، حاولت الولايات المتحدة تصحيح ملامح حكمه الفاسد من خلال فرض ترتيبات تقاسم سلطة غير عملي بين الرئيس أشرف غاني وعبدالله عبدالله في منصب أنشئ حديثا “الرئيس التنفيذي الوطني”، وفشل هذا الترتيب أيضا.

لقد حان الوقت للسماح للشعب الأفغاني بتحديد مستقبله، يجب أن تكون لديه الحرية لـ:

اختيار نظام سياسي على غرار الاتحادي.

قائد منتخب دون اختبار عرقي.

الاعتراف رسميا بالحدود مع باكستان.

إنشاء الميليشيات الإقليمية.

يجب على الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى أن تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف الإقليمية في أفغانستان، بما في ذلك الهند ودول آسيا الوسطى.

كما ينبغي أن يكون للأفغان القدرة على الوصول إلى مبيدات الأعشاب المضادة للخشخاش، محصول الخشخاش- ينمو في الغالب في مناطق البشتون- هو العمود الفقري لشبكات الإرهاب في باكستان التابعة لطالبان ويجعل الفساد المنظم قوة رئيسية في قطاع كبير من الاقتصاد الأفغاني.

لم يفت الأوان بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها لإجراء التعديلات اللازمة، ودفع الكونغرس للاهتمام بأفغانستان.

الفشل ليس ولا ينبغي أن يكون بين الخيارات المتاحة أمام أمريكا، فحكومة كابول المركزية تفقد السيطرة وطالبان تكتسب الأرض.

ولتفادي الفشل فالحل ليس في انفاق مزيد من الأموال أو إرسال مزيد من القوات، وإنما توفير زعماء لديهم رؤية لتغير النهج وحشد الإرادة السياسية للقيام بما يلزم للفوز.

للفوز، نحن بحاجة إلى نهج سياسي وعسكري واقتصادي مختلف، فعلى قادتنا العسكريين بذل قصارى جهدهم لبناء قوة قتالية أفغانية قادرة على الدفاع عن الأمة.

ويجب إعطاء أبناء الجالية الأفغانية ما يحتاجونه لتحقيق الحكم الذاتي، وكذلك الدعم الذي يحتاجونه للدفاع عن أنفسهم”.

 سراب الأوهام الذي أنتج هزيمة الولايات المتحدة في الفيتنام سنة 1975 يتكرر مرة أخرى هذه المرة في أفغانستان.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

ترامب أمام تحديات المحافظة على حدود القوة الأمريكية: أفغانستان ساحة مواجهة لإعادة رسم توازن القوي العالمية.. بقلم // عمر نجيب

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *