الرئيسية / كتاب الرآي / ابن تيمية وتحديد مفهوم أهل السنة والجماعة..؟

ابن تيمية وتحديد مفهوم أهل السنة والجماعة..؟

آخر تحديث :2017-01-20 16:50:33

ابن تيمية وتحديد مفهوم أهل السنة والجماعة..؟

حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (13)

  • بقلم // ذ. محمد السوسي

مع استعداد المغرب للعودة إلى شغل مكانته ومقعده في الاتحاد الإفريقي الذي غادره منذ حوالي ثلاثين عاما، وفي هذه الفترة الطويلة لم يكن المغرب غائبا عن افريقية وإن كان غائبا عن الاجتماعات الرسمية لهذه المنظمة سواء في اسمها القديم أو الاسم الجديد (الاتحاد الإفريقي) الذي كان لبعض الرؤساء العرب دور في تغيير الاسم سربا مع بعض الطموحات لأولئك الرؤساء الذين ذهبت بهم وبسياستهم الخرقاء الأحداث الأخيرة التي عرفت باسم (الربيع العربي). ومن نافلة القول التذكير بالدور المخزي الذي لعبه هذا البعض للنيل من كثير من الأقطار العربية والإفريقية وما أحدثه من قلاقل وفوضى وبصفة خاصة في التشويش على قضية الوحدة الترابية للمغرب وعلى أي حال فهذا موضوع متروك للتاريخ وهو لا يرحم في كشف ادوار الناس والفاعلين سلبا وإيجابا.
واليوم والمغرب كله معبأ من أجل هذه العودة بما تحمله من استعادة المغرب لدوره الإشعاعي والتاريخي في إفريقيا، وقد كان هذا الدور طيلة قرون وأزمان متميزا بتميز الدولة المغربية ودوام استمرارها بملوكها العظام وأدوارها في نشر العلم والحضارة الإسلامية وهو دور أهل المغرب أن يكون دولة معروفة بحدودها التاريخية والجغرافية المتميزة والتي لم تنل منها ما عرفه المغرب من صراعات مع الدول الأوروبية ومع الدولة العثمانية، فالمغرب بحدوده وتاريخه ودوره لم يستطع الزمان أن ينال منه ولذلك كان بعيدا عن اثر اتفاقية “سايكس بيكو” في بداية القرن العشرين وبالضبط أثناء الحرب العالمية الثانية وتوزيع تركة الدولة العثمانية.
نالت من وحدة بالمغرب أطماع الدول الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر وهو ما تفطن إليه المغرب فسعى بكل الوسائل لدرء الخطر الذي يهدد وحدته الترابية واستوثق لذلك بمواثيق دولية وبقي في كل الأحوال والظروف متمسكا بهذه الوحدة ومن هنا كانت وثيقة المطالبة بالاستقلال متضمنة لهذا الطلب مقرونا بالوحدة الترابية للمملكة، وعندما استقل المغرب تابع مسألة استرداد حدوده التاريخية الحقة في المحادثات مع من يعنيهم الامر وفي المنتديات والمنظمات الدولية انتهاء بحكم محكمة العدل الدولية في 1975 وإعلان انطلاق المسيرة الخضراء من لدن المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه وإجماع الشعب المغربي حوله فكان بذلك استكمالا لوحدته الترابية ولتحرره الوطني والاستقلال الذي كان يطالب به لهذه المناطق منذ وطئتها إقدام الاستعمار.
كما كان يطالب باسترداد لبقية أجزائه الترابية شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، فالمغرب ليس حديث عهد بالاستقلال وبتأسيس دولة ليحدد لها الاستعمار أثناء الاستقلال حدودها.
فليس الاستعمار ولا غيره من المواثيق مهما كانت هي من يحدد لدولة المغرب حدودا تقف عندها، وواجب الغرب ودوره ماضيا وحاضرا ومستقبلا هو الدفاع عن وحدته الترابية أمام كل الأطماع مهما كانت الجهة التي ترعى هذه الأطماع أو تدافع عنها أو تتبناها، وهذا ما يقوم به المغرب منذ استقلاله تحت قيادة ملوكه المجاهدين محمد الخامس والحسن الثاني طيب الله ثراهما وجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
ولاشك أن خصوم وحدة الأراضي المغربية سيسعون مع الوضع الجديد الذي أحدثوه طيلة عقود من الدس والكيد وتخريب الذمم وشراء الضمائر لمحاولة استعمال بعض الكلمات أو المصطلحات المقحمة هنا أو هناك في هذا الميثاق أو المعاهدة من أجل المحاولة للوصول إلى أهدافهم، وهنا يكمن دور الدبلوماسية المغربية ودور الأحزاب الوطنية والمجتمع المدني وكل فئات الشعب المغربي للالتفاف حول قيادة جلالة الملك في الدفاع عن مكتسبات المغرب في استرجاع أقاليمه وتحقيق وحدته الترابية والسعي لاستعادة ما بقي من الأرض المغربية خارج سيادة الدولة المغربية.
من غير أن يؤثر في ذلك ما يصطنعه أعداء المغرب وخصوم وحدته الترابية ومن يشايعهم هنا وهناك.

أول خلاف
يبدأ مؤلفو تاريخ الفرق الإسلامية والفكر الإسلامي بصفة عامة قديما وحديثا بأول خلاف نشأ بين المسلمين بعد وفاة الرسول (ص) ويسردون ما حدث بدء بإعلان وفاته عليه السلام التي ظهر لبعض الصحابة أنه عليه السلام إنما رفع كما رفع موسى وما تلا ذلك حول البيعة وإيفاد الجيوش لمحاربة المرتدين وغير ذلك من الأحداث التي يسردها مؤرخوا الفرق في البداية ليؤسسوا بعد ذلك لهذا النزاع والخلاف الذي حدث بين الناس بحديث أم الأمة تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة وأن فرقة واحدة منها هي الناجية وباقي الفرق في النار، وأن الناجية هي ما عليه الرسول والصحابة.

سند الخلاف
وبقطع النظر عن موقف أهل الحديث من سند هذا الحديث فإن الناس اعتمدوه، وهكذا تفرق الناس واختلفوا وأصبح كل صاحب فكرة أو قول يخالف به غيره يعتبر فرقة ضمن الفرق الكبرى وهي أهل السنة والشيعة والمعتزلة- والخوارج والمرجئة ومن هنا كان الخلاف الأصلي في البداية يكاد يكون محصورا في هذه الفرق الكبرى التي تشعبت بعد ذلك إلى ثلاث وسبعين فرقة، ورغم أن هناك عناصر أخرى انشقت وأسست لتوجه معين فإن التقسيم القديم بقي هو هو، وكل ما يتم هو محاولة إلحاق هذه المجموعة بهذه الفئة أو تلك.

السياسة والفرقة
وعلى أي حال فإن أصل الخلاف الأساس بين الشيعة والسنة بداية كان سياسيا وحول الخلاف والإمامة وأن كان اختيار بعض المواقف الكلامية قد يدفع بهم إلى تبني موقف جماعة أخرى مثل المعتزلة وهي سياسيا تعتبر من السنة وليس من الشيعة والإشارة إلى الشيعة ينبغي ألا يفهم منه أن كل من مال إلى آل البيت أو تعاطف معهم هو شيعي، فهذا لم يكن واردا فكثير من الأئمة في الفقه وعلم الكلام يميلون ويتعاطفون مع علي (رض) ومع ذريته دون أن يكون ذلك تصنيفا لهم ضمن فرقة “الشيعة” بالمعنى الاصطلاحي، وبجانب هذه الفرق التي تعود في الأساس إلى المواقف السياسية أو الكلامية، هناك مدارس فقهية ولها زعماء وأئمة وأتباع وكانت متعددة في البداية ولكن بقي منها سائدا بين الناس اليوم أربعة مذاهب سنية وهي الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ومذهبان شيعيان هما المذهب الجعفري والمذهب الزيدي.

الإنتاج العلمي
وهكذا بدأ الناس حياة خصبة في الإنتاج الفكري والعلمي، وهو إنتاج توسع بقدر توسع الأمة الإسلامية وامتداد الأطراف التي انضوت تحت لواء الخلافة والإمارات والسلطانات التي شملها الحكم الإسلامي، وارتضت الإسلام دينا عقيدة وشريعة حسب المصطلح المتداول اليوم. مما جعل المدارس الفقهية والكلامية تتسع في صفوفها إلى روافد ثقافية أخرى من ثقافات وأعراف وتقاليد شعوب وأقوام أخرى وبقدر ما كان أكثرية هذه الشعوب مندفعا عن إيمان إلى الامتثال لأحكام الدين الجديد كانت هناك عناصر أخرى تحمل في دخيلتها نيات أخرى للحفاظ على ثقافتها وتقاليدها ضمن الأوضاع الجديدة التي أوجدها الانخراط في دين جديد وحكم جديد.

العناصر الدخيلة
ومن هنا كان رد كثير من الأمور إلى عناصر دخيلة دخلت الإسلام ظاهريا وأخفت العقيدة الأصلية ونية الإفساد كعبد الله بن سبأ بالنسبة للغلو الشيعي “وسوسن” النصراني من أهل العراق الذي أظهر الإسلام ونفث سمومه في صحبته مع معبد الجهني البصري بالنسبة للقضايا الكلامية الأولى، وهكذا دواليك حيث تناسل وتسلسل الفكر المنحرف والتوجهات المنحرفة بين الناس وأفضت إلى ما أفضت إليه، وغير هذين الرجلين يذكر مؤرخوا الفرق أسماء أخرى.

صد الغلو
ولاشك أن لهؤلاء تأثيرا في منحى التطور الفكري والفلسفي لدى الفرق الإسلامية ولكن درجة التأثير يختلف من فرقة لأخرى، ولذلك فإن الناس حاولوا من خلال مراحل التطور الفكري والسياسي أن يعزلوا هذا الانحراف أو الغلو، وكان الانحياز إلى الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح هو المخرج الذي لجأ إليه علماء الأمة من محدثين وفقهاء وكانوا يستنكفون عن مشاركة هؤلاء في انحرافهم والانسياق نحو الجدل في العقائد وفي الدين، غير أن ضرورة الرد ردا عقليا بجانب النص استدعى الخوض فيما يخوض فيه هؤلاء فكان المعتزلة وكان أهل الحديث وكان من جمع بين الأمرين حيث لا يرفض العقل، ولا يخالف النص أو الحديث إذا ثبت وصح.

بداية المصطلح
وهنا نشأ وضع جديد حول من يمثل السلف ويتبع السنة وولد مصطلح أهل السنة والجماعة، واختلف المؤرخون متى بدأ استعمال مصطلح أهل السنة والجماعة حيث يرى البعض أنه من خلال التتبع فإن هذا الاستعمال بدأ مع المامون العباسي في سنة 218 ه، عندما بدأ في عمل امتحان الناس في شأن قضية (خلق القرآن) ولكن الظاهر من خلال أحداث التاريخ إن الاستعمال ربما بدأ قبل ذلك وإن كان بشكل سياسي فالجماعة كلمة وردت كثيرا في أحاديث الرسول عليه السلام وكما وردت السنة والأمر بإتباعها والتأسي والاقتداء بالرسول عليه السلام وإن كان اللفظ المستعمل والدارج هو الحديث والمحدثون وأهل الحديث في مقابل أهل الفقه والقول فيه بالرأي وهو الأمر الذي طرح في القرن الأول الهجري حيث كان الفقهاء يتحرون استعمال الرأي وظهر الإمام أبو حنيفة كزعيم للمدرسة الرأي وفي مقابل مدرسة الأثر والحديث.
وعلى أي حال فإن استعمال لفظ الجماعة على أهل السنة في مقابل الشيعة سياسيا ورد في سنة 41هـ عندما تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما لمعاوية رضي الله عنه وبايعه وفي هذا الشأن أورد ابن كثير في كتاب (البداية والنهاية) نقلا عن ابن جرير الطبراني ما يلي:

عام الجماعة
«روى الطبراني عن ابن عباس أنه قال: مازلت موقنا أن معاوية يلي الملك… واستفحل أمر معاوية، ولم يزل أمر على في اختلاف مع أصحابه حتى قتله ابن ملجم كما تقدم، فعند ذلك بايع أهل العراق الحسن بن علي، وبايع أهل الشام لمعاوية بن أبي سفيان. ثم ركب الحسن في جنود العراق عن غير لإرادة منه، وركب معاوية في أهل الشام. فلما تواجه الجيشان وتقابل الفريقان سعى الناس بينهما في الصلح فانتهى الحال إلى أن خلع الحسن نفسه من الخلافة وسلم الملك إلى معاوية بن أبي سفيان، وكان ذلك في ربيع الأول من هذه السنة –أعني سنة إحدى وأربعين- ودخل معاوية إلى الكوفة فخطب الناس بها خطبة بليغة بعد ما بايعه الناس –واستوثقت له الممالك شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على أمير واحد بعد الفرقة، فولى معاوية قضاء الشام لفضالة بن عبيد، ثم بعده لأبي إدريس الخولاني، وكان على شرطته قيس بن حمزة، وكان كاتبه وصاحب أمره سرحون بن منصور الرومي، ويقال إنه أول من اتخذ الحرس وأول من حزم الكتب وختمها، وكان أول الأحداث في دولته صلى الله عليه وسلم.»

نشوء المذاهب والفرق
هكذا تولد اسم الجماعة ومن طبيعة الأحداث وتطورها فإن الذي أصبح يواجه معاوية هو الشيعة والخوارج وما تفرع عنهما ولكن داخل الجماعة الإسلامية ككل نشأت مدارس فقهية ومدارس كلامية ويميز الناس بين السنة وبين غيرها، إما بالاختيار السياسي والميولات التي تظهر في إنتاج الناس وسلوكهم فصرنا نلحظ لدى المؤرخين وهم يتحدثون عن الفقهاء أو المحدثين أو علماء الكلام عن ميولات سياسية دون أن يقدم ذلك في كونهم من الجماعة ومن أهل السنة والجماعة وأصبحت في المدارس الكلامية والفكرية اتجاهات فقهية متعددة ولم يكن هناك ما يمنع من ذلك مع أن جماعة من الناس حاولت أن تحتكر إتباع السلف ولم يكن يخصم اسم أهل السنة وإنما كان الاسم الغالب هو الأثريون أو المحدثون لأن أهل السنة أصبح بدء من ظهور أبي الحسن الاشعري يطلق على الفئة التي تتبع منهج أو منهج أبي منصور الماتريدي.

احتكار الاسم
إلا أنه مع مجيء الشيخ ابن تيمية في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن (661–728) حاول أن يحتكر هذا الاسم ويطلقه على من يتبع منهجه واستفحل الأمر في العقود الأخيرة حيث بدأ الغلو في استعمال هذا الاسم وظهر بشكل مغاير تماما، حتى لما كان يومن به ويدعو إليه ابن تيمية من التزام الجماعة وتجنب الفتنة وما ينشأ ويترتب عنها.
وقد أورد البغدادي رحمه الله في كتابه (الفرق بين الفرق) (ص:12-13-14) أقوالا في تحديد معنى الأمة الإسلامية ومن يعتبر من أهل السنة ومن لا يعتبر فقال:
تحديد المصطلح
اختلف المنتسبون إلى الإسلام في الذين يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام.
فزعم أبو القاسم الكعبي في مقالاته أن قول القائل «أمة الإسلام» تقع على كل مقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل ما جاء به حق، كائنا قوله بعد ذلك ما كان.
وبعد أن يورد تعاريف أخرى وينتقدها يخلص إلى القول:

مضمون المصطلح
والصحيح عندنا أن أمة الإسلام تجمع المقرين بحدوث العالم، وتوحيد صانعه وقدمه، وصفاته، وعدله، وحكمته، ونفى التشبيه عنه، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته إلى الكافة، وبتأييد شريعته، وبأن كل ما جاء به حق، وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة، وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها، فكل من أقر بذلك كله ولم يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو السني الموحد.
وإن ضم إلى الأقوال بما ذكرناه بدعة شنعاء نظر.
فإن كان على بدعة الباطنية، أو البيانية، أو المغيرية، أو الخطابية الذين يعتقدون إلهية الأئمة أو إلهية بعض الأئمة، أو كان على مذاهب الحلول، أو على بعض مذاهب أهل التناسخ، أو على مذهب الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين، أو على مذهب اليزيدية من الإباضية في قولها فإن شريعة الإسلام تنسخ في آخر الزمان، أو أباح ما نص القرآن على تحريمه، أو حرم ما أباحه القرآن نصا لا يحتمل التأويل، فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامته له.

كروزني
ولاشك أن التحديد أثير أخيرا في مؤتمر شهير في أواخر سنة 1437 في مدينة كرونني الشيشانية، وحدد أهل السنة والجماعة بالمذاهب الإسلامية المعروفة والتصوف السني ولاشك أن هذا التعريف والتحديد هو سياسي عقدي لأنه يميز فقط بين العالم السني والعالم الشيعي، وكلاهما يدخل في أمة الإسلام حسب تعريف البغدادي.
ولاووس في دراسته يحاول من خلال النص والعنوان أعلاه أن يسبر غور منشأ الاسم وتبنيه من طرف الشيخ ابن تيمية فيتساءل:

أهل السنة والجماعة
هل توجد في المذاهب التي تتقاسم الإسلام مجموعة من الناس يمكن اعتبارها أمينة على فكر النبي وكبار الصحابة، والتي تعبر مبادئها من الناحية التاريخية عن مبادئ الإسلام الأصيل». هذا سؤال طرحه لاووست وأجاب عنه:
«هذه المجموعة موجودة في نظر ابن تيمية هي أهل السنة والجماعة وتتضح مهمتها ومنزلتها بمجرد النظر إلى عبارات تسميتها. «أهل السنة» أي في مقابل أنصار آل النبي أو أي حزب يمكن أن يدعو إلى أي أسلوب آخر لفهم السنة. و «أهل الجماعة» في معارضة الخوارج والمذاهب المنشقة الأخرى.
ولاووست يرى أن:
وأهل السنة والجماعة نمثل مبادئ الاستمرار الثقافي والموقف الوسط، والسلوك الجماعي. ولقد أهلتها خصائص عديدة لتحتل مركزا ممتازا بين الثلاث والسبعين فرقة التي تتقاسم الإسلام. ومبادئها تمتاز بالتوحيد كما أن خلافات الرأي بينهم لا تتعدى بعض التفاصيل. لقد وعد الله ورسوله النصر لأهل السنة والجماعة وأنها ستحتل في الجنة أفضل المنازل المخصصة للصفوة المختارة, بينما المذاهب الأخرى جميعا سوف تكفر في بعض مبادئها.»

تفصيل الجماعة
وهم ليسوا وحدهم أهل الحديث، ولا أئمة المذاهب ولا قدامى أهل الصوفة، ولا كبار الفقهاء. فإن العبارة تشمل مجموعة مثالية تتميز مبادئها بأنها قابلة للتكوين أكثر مما هي قائمة بالفعل، وتعتبر وسطا بين مختلف الآراء، حتى أن ابن تيمية يشكو من أنه لم يجد في أية دراسة للفرق التي أطلع عليها، أي عرض مقنع لمبادئهم، ولم يوفق الأشعري ولا الغزالي ذاته برغم براعته في الرد على الفلاسفة وبالذات ابن رشد في تقديم عرض موضوعي لحقيقة أهل السنة، فهي مجموعة منتشرة في أوساط جد مختلفة ولاسيما بين الصوفية والفقهاء، ولا ينتسب إليهم بعد الخلفاء الراشدين سوى خليفة واحد هو عمر بن عبد العزيز، ومبادئهم هي مذهب «وسط بين الآراء المتناقضة المتعارضة كما أن الإسلام وسط بين الأديان المنزلة».

نقد ابن تيمية لغيره
إن الشيخ ابن تيمية تعرض لأرباب المذاهب والمدارس الفكرية بالنقد واللمز ولم يسلم أحد منه من آخره إلا قليل، وهذا ما جلب عليه النقمة والنقد لدى الكثيرين قديما وحديثا وهذا ما أوجب محاكمته وسجنه ومع الأسف فإن السالكين منهجه اتبعوه في هذه المدة في مواجهة الخصوم ولم يملكوا من علمه وإدراكه ما كان لديه فصار العوام وإنصاف المثقفين يدفعون باسمه ومنهجه إلى الصراعات والتقاتل.

أبو الحسن الأشعري
وإذا كان أبو الحسن الأشعري أمام أهل السنة في زمانه وبقي حملة مذهبه هم من يوصفون بالنسية فإن أبا الحسن لم يسلم من نقده وبالأحرى أعلام الاشاعرة وفي الجواب عن نقد ابن تيمية لأبي الحسن نورد الفقرة التالية من أحد العلماء والاشاعرة في القرن العشري الرابع عشر الهجري الشيخ محي الدين عبد الحميد في المقدمة التي كتبها في تحقيق كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» لأبي الحسن الاشعري وهي تبين كيف بدأ الاختلاف الحنابلة والاشعرية في القرن الرابع الهجري يقول (ص24-25):

الرد
ولكن قوما من أهل الحديث جاءوا من بعد فعرفوا لأبي الحسن منزلته، وقد روا له جميل مقصده، فكان من أثر ذلك ما يقول ابن تيمية في كتابه «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول» «وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم، بمنزلة ابن عقيل من أئمة السنة، من مثل ابن عقيل في كثير من أحواله وممن اتبع ابن عقيل كأبي الفرج بن الجوزي في كثير من كتبه، وكان القدماء من أصحاب أحمد –كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأمثالهما- يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر المواقف للسنة في الجملة، ويذكرون ما ذكره من تناقض المعتزلة» ويذكر ابن تيمية سبب انحراف أهل الحديث عن الأشعري بعد ذلك بقليل، وذلك قوله «وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا الاعتزال فيهم، وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم» وذكر بعد ذلك من يوافق الاشعري فيما ذهب إليه في هذه المسألة من أصحاب أحمد».

مسألة الخلاف
وإذن فالمسألة التي خالف الأشعري فيما ما نقل عن الإمام أحمد لم ينفرد فيها الأشعري بالخلاف، بل إن كثيرا من أتباع الإمام احمد كالقاضي أبي يعلي وأتباعه كابن عقيل وأبي الحسن الزاغوني وأمثالهم يذهبون فيها إلى مثل ما ذهب إليه أ[و الحسن الأشعري، فليس لتبدع إلى ما ذهب إليه في هذه المسألة هو رغبته الصادقة في التوفيق بين مذهب أهل السنة والعقل.

اختيار
هذا ما نراه نحن ومن سبقنا في هذه المسألة وأمثالها بعد مضي الحقب المتطاولة، وفي هدوء يمكن لنا من البحث ومعرفة الآراء المختلفة لمن ثار بينهم النزاع، ولكنا –مع الأسف- لا نجد هذا الهدوء وهذا التروي فيما تقصه علينا الأحداث عند ظهور مذهب الأشعري وبعده، فإنه ما كاد مذهب الاشعري يعلن عن نفسه حتى بدأت تظهر آثار الاضطهاد له، «وقد حاول الحنابلة أن يمنعوا الخطيب البغدادي (المتوفي عام463 من الهجرة) ووقع بسبب ذلك قتال في الشوارع واضطر القشيري إلى ترك بغداد ومن هذه الحادثة أرخ ابن عساكر مبدأ وقوع الانحراف بين الحنابلة والاشاعرة»، وكان شيخ الحنابلة في أخريات القرن الرابع الهجري «يعلن أبا الحسن الأشعري، وينال من الأشاعرة» ومن ناحية أخرى «كان الكرامية قد تحزبوا على الاشاعرة وهاجموهم مهاجمة عنيفة، ورفعوا أمرهم إلى السلطان محمود ابن سبكتكين مدعين أن الاشاعرة يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس نبيا اليوم، وأن رسالته قد انقطعت بموته، ولم يكن هذا معتقدا للاشاعرة يوما ما».

وسطية مذهب أهل السنة
ويتحدث لاووست عن وسطية مذهب أهل السنة وهو بالفعل كذلك ولكن ليس على طريق الشيخ ابن تيمية فالوسطية الحقيقية لا يمكن أن تتجاوز دور العقل في الفهم والإدراك، ومن تم توجيه النصوص بما لا يتعارض مع الفهم السليم للعقيدة يقول:
ويقول ابن تيمية: «فهم وسط في أصل الإسلام كما أن أهل الإسلام هم الوسط في أهل الملل، (وهم) في باب الصحابة بين الغلاة والجفاة فلا يغلون في على غلو الرافضة ويكفرونه تكفير الخوارج. وفي مسألة عثمان بين المروانية والزيدية. وفي قضية الصحابة في جملتها في موقف وسط بين الخوارج والمعتزلة من جهة، والمرجئة من جهة أخرى، وفي باب القدر بين القدرية المعتزلة وبين القدرية المجبرة والجهمية والفرق الأخرى المشابهة، وفي قضية الصفات في موقف وسط بين أنصار التجريد وأنصار التأويل. ولزيادة توضيح مبادئ أهل السنة اضطر ابن تيمية إلى أن يحدد موقف الإسلام في مواجهة اليهودية والنصرانية في نفس إطار علم الكلام الإسلامي.

التوحيد خاص بالإسلام
ففي التوحيد يقول ينعث اليهود الله بصفات النقص التي توصف بها المخلوقات. ويشبهون الخالق بالمخلوق. فيقولون مثلا إن الله بخيل وفقير وأنه بعد أن خلق السماء شعر بالتعب. والحقيقة أن الله كريم بحيث لا يعرف البخل وغنى بحيث لا يحتاج لأحد، وقوي بعيد عن أي ضعف. أما النصارى فهم يصفون الخلق بأوصاف لا تليق إلا بالله. وعلى هذا يشبهون الخلق بالخالق فيقولون إن الله هو المسيح بن مريم وأنه ثالث ثلاثة وأنه أيضا ابن الله».
ولقد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم. بينما المسلمون وحدهم هم الذين «يوحدون» الله توحيدا خالصا، وينعتون الله بصفات الكمال. ولقد نزهوه عن كل صفات النقص، وعن كل شبه بينه وبين أي من خلقه. فالله في نظرهم ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
وهنا ينقل لاووست ما ذهب إليه ابن تيمية لإبعاد الزهاد والمتصوفة من منهج أهل السنة والجماعة والأمر ليس كذلك وقد أسلفنا ما يخالف ما ذهب إليه في حصر أهل السنة في الفئة التي يريد ابن تيمية وهو أمر له دلالات انحرافية في الوقت الحاضر كما أسلفنا.
ولقد قصد الزهاد البدعيون التقرب إلى الله بالتجائهم إلى عبادات اصطنعوها من كل صوب. فلم يوفقوا إلا في البعد عن الله، فبمقدار ما يحاول البدعى أن يكون أصيلا، بمقدار ما يبتعد عن الله. والابتعاد عن رحمة الله هو التعرض للعنته، وهذه هي النهاية التي وصل إليها النصارى».
هذا التوجه لدى ابن تيمية رحمه الله ليس سليما فإذا كان بعض المتصوفة قد انحرفوا فإنه لا يمكن وصف الزهاد جميعا بهذا الوصف وابن تيمية نفسه يقوم في كتابه الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» بوضع حدود.
ونواصل بين الطائفتين فالزهاد والصوفية لا يمكن وصفهم جميعا بهذا الوصف وإلا كان ذلك تجنبا، فالصوفية معددون قديما من أهل السنة والجماعة هم وغيرهم من الفقهاء والأدباء وغيرهم إلا من أحدث بصفة شخصية حدث بتحمل وزره وحده.

عن محمد السوسي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *