الرئيسية / كتاب الرآي / ابن تيمية وتهمة التكفير في المجتمعات الإسلامية..؟

ابن تيمية وتهمة التكفير في المجتمعات الإسلامية..؟

آخر تحديث :2017-02-17 20:59:13

ابن تيمية وتهمة التكفير في المجتمعات الإسلامية..؟

حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع 15

محمد السوسي

بقلم // ذ. محمد السوسي

منذ حوالي نصف قرن من الزمان استبشر المسلمون خيرا وذلك في خريف عام 1969 بتداعي المسؤولين في العالم الإسلامي واجتماعهم بمدينة الرباط بدافع التضامن الإسلامي من أجل حماية المقدسات الإسلامية في فلسطين وفي مدينة القدس خاصة وذلك عقب العملية الإجرامية التي أقدم عليها أحد الصهاينة بإحراق المسجد الأقصى وإشعال النار فيه التي أتت على أجزاء مهمة منه. وإنما استبشر المسلمون بهذه الخطوة لأنها تمثل الخطوة الأولى في مجال التضامن الإسلامي الذي كان أمل الأمة وسعت إليه الشعوب، ودعا إليه قادة الرأي و زعماء الإصلاح والتحرير في العالم الإسلامي منذ انطلقت فكرة (الجامعة الإسلامية) للرد على التآمر الاستعماري على ديار الإسلام، في القرن التاسع عشر، وكانت مقاومة (الجامعة الإسلامية) الهاجس الأكبر للثالوث المعادي للإسلام والمسلمين: الاستعمار والتنصير والصهيونية، وإذ فشلت الجامعة الإسلامية وقاوم الغرب الاستعماري الفكرة وحال بين القادة وبين التعاون بعضهم مع بعض حيث قام بتغذية الصراعات المذهبية كما فعل بين العثمانيين السنيين اغلبية. والفرس الشيعيين أغلبية، وقاوم بكل ما يمكنه من مقاومة الشعور بالوحدة والتضامن بين المسلمين وهو ما سجلته أدبيات الاستشراق، ودعاة الاستعمار وفلاسفته ومؤرخوه، مما لا يحتاج إلى كثير عناء لإدراكه والاطلاع عليه. وقامت الأمة ممثلة في قادة الرأي والعلماء برد الفعل وكان ابرز رد في مقاومة إلغاء (الخلافة) رغم أن هذه (الخلافة) لم تكن تشمل بظلها أجزاء مهمة من العالم الإسلامي، ولكنها كانت رمزا للتضامن والتعاون والأخوة بين المسلمين، وكان رد فعل الشباب في إنتاجه العلمي والفكري بله الشيوخ بكل ما في وسعهم لإبقاء شعور التضامن قائما، فكتب السنهوري رسالته الجامعية لنيل الدكتورة في باريس تحت عنوانفقه الخلافةالتي بشر فيها بشكل جديد من إقامة رابطة بين الشعوب الإسلامية تناسب العصر، وسعى شكيب ارسلان إلى تأسيس هذه الرابطة بالفعل في العشرينات من القرن الماضي، ولم يبخل قادة الحركة الإصلاحية في كل البلاد الإسلامية بجهودهم في هذا الصدد، وكان التضامن مع المغرب في مقاومة سياسة فرق تسد، من ابرز هذه المظاهر، وهو أمر لم يرق الاستعمار الغربي كما لم يرقه التضامن مع الجزائر وتونس واندونيسيا.

وكان من ابرز هذا التضامن كذلك رد الفعل ضد الصهيونية في فلسطين وضد سياسة التبشير التي طالت العالم الإسلامي حملة كبيرة منه في الثلاثينات من القرن الماضي وما بعد ذلك.

إن هذه الجهود التي كانت قوية وأعطت كثيرا من الأفعال التضامينة مثل تأسيس حركة تحرير الشعوب الإسلامية التي تأسست في القاهرة وكان أمينها العام علال الفاسي، هذه الجهود وغيرها التي لا نطيل بذكرها أثمرت في عام 1969 وتوجت ببعث حركة التضامن الإسلامي التي قادتها ثلة من الزعماء والقادة. فكان الأمل والاستبشار بالتئام أول قمة إسلامية في التاريخ واحتفل الغرب بوجود القادة المسلمين أو من يمثلهم، وأطلق اسم الدول المشاركة على أهم المساجد في المدن المغربية تخليدا لهذا الحدث الذي لعب فيه المرحوم الحسن الثاني طيب الله ثراه دورا لن ينسى.

واليوم وبعد هذه العقود كلها أين المسلمون من التضامن من أجل تحرير فلسطين؟ وأين هم من تقوية أواصر الإخوة والتضامن فيما بينهم؟

من المؤسف أن يكون الجواب عن هذا سلبا، ففلسطين اليوم تكاد قضيتها تنسى، والقدس يزداد التهويد بين أرجائها والمسجد الأقصى مهدد في كل لحظة بالزوال، وبالأمس يباهي الصهيوني الكبير نتنياهو بان هناك دولا إقليمية عربية وغيرها تتلاقى مع الكيان الصهيوني في الأهداف والمواقف، وهو أمر خطير للغاية وهذه المنظمة التي أصبحت تحمل اسم (منظمة التعاون الإسلامي) لا وجود لها في كل ما يحدث، والصراعات المحتدمة في العالم الإسلامي تقف منها هذه المنظمة موقفا لا مباليا أو غير مفهوم على الأقل، وعندما يقتل ويذبح المسلمون هنا أو هناك فهذه المنظمة لا وجود لها كما هو الحال بالنسبة للمسلمين فيبورماالذين تركوا لمصيرهم المخزي والمؤلم، حتى الاستنكار لا وجود له، وهكذا دواليك وإذا كانت وضعية هذه المنظمة على نحو ما نرى ونسمح فإن بعث الصراعات المذهبية والقبلية في العالم الإسلامي التي تقوم بعض الجهات في دول المنظمة لتغذيتها لا يمكن إلا أن تزيد الأمور تعقيدا، انه وضع مؤلم ومخزي ولكنه هو الواقع ويجب على ذوي الضمائر الحية من الأمة الإسلامية أن لا يستسلموا لهذا الوضع ويجب أن تعاد السيرة الأولى في التضامن وتغيير الواقع كما قال إقبال في احد قصائده شكوت إلى ربي هذا الواقع فقال لي إذا لم يعجبك فغيره «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». 

لقد كانت هذه الآية منطلق التغيير في العالم الإسلامي، منطلق التغيير في الذهنيات وفي الأفكار وفي الواقع الآسن، ويجب اليوم القيام بالتغيير الضروري الذي يبني ولا يهدم ويوحد ولا يفرق وينصف ولا يظلم ويعدل ولا يستبد. انه رهان الوجود أو لا وجود.

ونعالج في حديث الجمعة اليوم أهم قضية تبث الشقاق والفرقة بين المسلمين وهي بلوة التكفير.      

*************

قدرة الاستحضار

الحديث عن شيخ الإسلام ابن تيمية يلذ ويدعو إلى المزيد من الاطلاع على فكرة وتوجهات في معالجة قضايا الإسلام وعلاقة المسلمين بما جاء به من هدي وشريعة، وكيف فهم مختلف الأجيال إلى عصره هذه الشريعة من خلال الاعتماد على أصليها الأساسين وهما القرآن والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كانت مرافقتنا لهذا العالم المجد والمجتهد تترسم خطى ما كتبه الباحث المستشرق الفرنسي “هنري لاووست” فذلك لأنه بذل الجهد وسعى إلى الإلمام بما تضمنه فكره الذي ما ترك ابن تيمية شيئا منه غامضا ولا بعيدا عن الناس بما أتيح له من قدرة عجيبة في الكتابة والتأليف واستحضار النصوص والشواهد ولو في عزلة المعتقل والسجن، وان الإنسان الذي يكتب فتوى تستغرق عشرات الصفحات في ليلة واحدة من غير العودة إلى مراجع ومصادر لهو أقدر أن يبين عن فكره ومواقفه وأن يوصلها للناس مهما تناءت لديار، وبعدت الشقة.

قواعد وأصول

وإذا كنا في الحديثين الأخيرين من هذه الأحاديث تناولنا موقف ابن تيمية من مصطلح “أهل السنة والجماعة”، وبينا أن احتكار هذا المصطلح ولاسيما في الزمان الأخير وقصره على جماعة معينة التي تتناحر فيما بينها وتتخذ سلاح التكفير والقتل منهجا في التعامل فيما بينها وبين غيرها من جماعة المسلمين، ورجعنا إلى أصول تحديد المصطلح وان هناك قواعد وأصولا لابد من مراعاتها عند تحديد هذه الجماعة ومواصفاتها وهي على أي حال أسس يتبعها أغلب بل الأكثرية الساحقة من المسلمين في عالم اليوم.

المنهاج والأصول

وإذا كان من أخطر ما تواجه به هذه الجماعة خصومها هو سلاح التكفير، فإن الباحث تناول هذه القضية في فكر ابن تيمية ليوضح للناس ما هو الصائب وغير الصائب أو الخطأ في هذه المقولة في فكر ابن تيمية رحمه الله غير أن الباحث قبل أن يتناول موضوع التكفير استعرض مواقف ابن تيمية من قضايا كانت مدعاة لإثارة الخلاف بين الجماعة المسلمة منذ البداية فاستعرض موقف ابن تيمية من الصحابة ومن الخلافة الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم  ومن (معاوية ابن أبي سفيان) ليوضح موقف أهل السنة من الصحابة وتوقيرهم واحترامهم ولاشك أن أساس موقف ابن تيمية في هذا الصدد يرجع فيه أساسا إلى ما كتبه في منهاج السنة للرد على الروافض القدرية.

تعاطف وإنصاف

ويلاحظ “لاووست” تعاطف ابن تيمية مع “سيدنا معاوية” تعاطفا  واضحا في نظره وهو أمر لم يقره عليه مراجع الكتاب الذي علق على هذه الجملة بقوله: «لم يتعاطف معه بل ذكر ماله وما عليه وما له في نظر المعلق هو أن معاوية ممن حسن إسلامهم ولهذا ولاه عمر بن الخطاب (ر.ض) الشام بعد موت أخيه يزيد بن أبي سفيان». وعلى أي حال فإن المراجع لم يذكر لمعاوية إلا هذا القدر من الإشادة ونقده من لدن ابن تيمية لأنه لم يواخذ ويعاقب قتله عثمان بعد ما تولى أمر المسلمين وحده». هامش ص:97 المجلد الثاني، مع العلم أن معاوية بعد إسلامه لعب دورا مهما مع الرسول عليه السلام وقد توسع في تحليل هذا الدور كثير من الباحثين قديما و حديثا.

الاجتهاد والإتباع

وبعد هذا يستعرض الباحث بعد ذلك موقف ابن تيمية من أصول الفقه وهو أمر أساس في اتخاذ موقف واضح من الاجتهاد واستنباط الأحكام، والباحث يرى أن هذا يبدوا متناقضا في فكر ابن تيمية الذي بنى منهاجه على الإتباع وليس الابتداع وربما في نظر الباحث ان الاجتهاد يدفع إلى الابتداع والابتكار والصحيح ان الاجتهاد ليس كذلك، ويبني الباحث وجهة نظره على أساس أن كل مجتهد يجب أن يكون أصوليا بصفة أساسية، وان يبحث في صياغة الأدلة وفي ترتيبها ومما قد يثير الرهنة أن نجد مبادئ ابن تيمية أيضا ذات نزعة توفيقية» وهذا أمر لم يوافق عليه المراجع الذي علق تعليقا عن هذا القول بقوله لم يوفق المؤلف إلى فهم طريقة ابن تيمية في معالجة أسباب اختلاف الفقهاء ومحاولاته لتضييق شفة الخلاف بينهم مع افتراقه للمبادئ الأصولية». واتى بنصوص توضح منهاج ابن تيمية في هذا الصدد (هامش ص:108) مجلد2.

أصول الفقه

وفي سياق الحديث عن الأصول عقد فصلا للكلام عن “القرآن” ويعرج المؤلف على أمر الخلاف حول المسألة الكلامية حول القرآن كما يتحدث عن موقف ابن تيمية في قضية الحقيقة والمجاز في القرآن. ومعروف أن قضية امتحان الإمام ابن حنبل في موضوع مقولة خلق القرآن مما بنى عليه ابن تيمية مواقف معينة في محاكمة غيره.

لينتقل بعد ذلك للحديث عن السنة ويتحدث الباحث عن معنى السنة عند الأصوليين وان ابن تيمية في هذا الموضوع يوافق تعريف الغزالي في كتاب المستصفى لينتقل بعد ذلك للحديث عن الإجماع الذي يرى المؤلف أن ابن تيمية يجمع في هذا الموضوع بين رأي الشيعة والظاهرية وهو ما رفضه المراجع وعلق في هامشي صفحتي122 – 123 ليوضح موقف ابن تيمية من الإجماع.

الخلاصة والبيان

 والخلاصة أن الرسول بين جميع الأحكام والإجماع يرجع إلى دليل من تلك الأدلة التي بينها الرسول عليه السلام وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن القياس ورأي ابن تيمية في نظرة في القياس وابن تيمية تناول القياس في كثير من كتبه وفرق بين القياس الأصولي والقياس المنطقي أو الفلسفي، ومن هنا كانت الإشادة بموقفه في اللجوء إلى المنهج الاستقرائي لتقرير القواعد.

المصلحة

أما الأمر الآخر الذي تعرض له المؤلف في موقف ابن تيمية فهو المصلحة والمؤلف يرى أن ابن تيمية في باب المصلحة أو المصالح العامة إلى المالكية وفي نظره أوسع حتى من المقاصد الضرورية التي لم تتبلور بعد في عصر ابن تيمية كنظرية متكاملة لأن هذا لم يتم إلا مع مجيء الشاطبي رحمه الله الذي بلور هذه النظرية في كتابه “الموافقات” وكتابه “الاعتصام”. وهذا بالطبع تم بعد وفاة ابن تيمية والشاطبي في كتابه الاعتصام انتصر لمذهب السلف وهو ما جعل عبده ورضا يرجعون إلى كتاب الاعتصام.

حجر الزاوية

وهكذا يصل المؤلف إلى قضية نريد أن نخصص لها هذه الحلقة وربما أكثر وقد أدرجها في الفصل الأول من القسم الثاني إنها قضية التكفير، التي تعتبر كما أسلفنا حجر الزاوية في الأحداث التي يعرفها العالم الإسلامي منذ بدأ الخلاف يدب بين المسلمين في القرن الأول الهجري وهم يناقشون ترتيب الجزاء الدنيوي والأخروي على مرتكب الذنب الكبير أو (الكبيرة) كما كانت تسمى.

التكفير والموقف الوسط

 وستناول الحديث عن هذه القضية الشائكة التي تؤثر في وحدة المسلمين من خلال استعراض ما كتبه  الباحث في هذا الموضوع واعتبره موقف ابن تيمية على أن نستعرض كذلك بعض الآراء في الموضوع مع إيراد النص الذي يحدد فيه ابن تيمية قاعدة التكفير .

ونبدأ بالحديث عن الفصل الذي أورده الباحث في كتابه بعنوان التكفير ص:173 وما بعد من المجلد الثاني ونود الإشارة إلى أننا سنضع بعض العناوين الفرعية لنص الباحث عند تدخلنا بين فقرات النص وابن تيمية في نظر الباحث في موضوع التكفير يقف موقفا وسطا بين نظريتين متعارضتين وفي هذا يقول:

بين الذنب والتكفير

«يقف مبدأ التكفير عند ابن تيمية موقفا وسطا بين نظريتين متعارضتين ظهرنا عبر التاريخ لتحديد للوضع القانوني للمسلم الذي يرتكب إحدى الكبائر (فسوق) من غير البدع مثل القتل أو السرقة أو الزنا أو القذف …. الخ. قضي تشدد الخوارج باعتبار هذا المسلم كافرا، وألزم السلطات العامة بوجوب التدخل لاستتابته علانية، أما المعتزلة – وهنا على وجه الدقة النظرية المبدئية الاصلية – فيقولون إن المسلم يكون في هذه الحالة في منزلة وسط فهو ليس “بمؤمن” ولا “بكافر”، وإنما هو “فاسق” يخلد في النار (منزلة بين المنزلتين). وأما تسامح المرجعية فعلى العكس، كان يقضي بأن تكتفي بتوقيع العقوبات القانونية عليه لان تطبيق العقوبة على “الفاسق” فانه يحتفظ بصفة المؤمن، ويستمر في تمتعه بجميع الحقوق المترتبة على ذلك، فيستطيع أن يشغل الوظائف الاجتماعية وأن يشارك في العبادات وأن يتطلع الى النجاة في الآخرة.» (ص:173 مجلد2).

التسامح بين ابن تيمية وابن حنبل

يتحدث الباحث في الفقرة الموالية عن موقف الإمام احمد بن حنبل الذي يعمل في نظره إلى عدم التسامح مع نظرية ابن تيمية التي لها موقف خاص يقول:

«وأخذ أهل السنة بهذه النظرية الأخيرة. وبرغم أن ابن حنبل يميل الى عدم التسامح، وأنه لم يكفر سوى الجهنمية الذين ينكرون وجود صفات الله. ومع ان التكفير الذي حدده كان عقديا وعاما، فقد كان شديد الحذر والتأني في الحكم على أن هذا المسلم أو ذاك منهم. ويقول ابن تيمية إنه ( ترحم عليهم واستغفر لهم لعلمه بانهم لم يتبين لهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به).

مواقف الفرق

وبعد هذا يستعرض الباحث مواقف الفرق من التكفير على النحو المعروف في كتب الفرق.

 ولكن ابن حنبل لم يكفر المرجئة الذين لا يختلفون عن اهل السنة الا اختلافا طفيفا، ولا الخوارج ولا الذين كانوا يفضلون عليا على عثمان. وقد سئل يوما عما إذا كان يمكن تكفير القدرية (أنصار حرية الإنسان)، فأجاب أنه يجب ضرب عنق كل من ينكر منهم علم الله، وذلك لأنه كل من ينكر علم الله “جهمي”. ثم إن الشريعة تنص على وجوب قتل كل من بدعي يشهر مبادئ عقيدته على الناس، وذلك للحد من الضرر الذي قد ينشأ عنها أو لتلافيه، ونجد هذه السنة القديمة المتسامحة عند اغلب الحنابلة، وبعض الأشاعرة مثل الغزالي الذي كان ينكر تأثير تعاريف المدارس لجوهر الاسلام، برغم أن كثيرا من الاشاعرة قد بالغوا في عدم التسامح، مقتدين في ذلك بالمعتزلة إلى حد تكفير كل من لا يؤمن بالألوهية بنفس المفهوم الذي يؤمنون به». الباحث هنا ينسب إلى الاشاعرة مسألة التكفير والواقع أن الأشاعرة يحتاطون في باب التكفير على عكس ما يدعيه الباحث. ونستعرض في حلقة قديمة لهذا الموضوع.

ابن تيمية والتسامح

وينبغي أن ننسب ابن تيمية إذن الى هذا التسامح القديم. ويمكننا أن نفهم ورعه بسهولة، إذ قام ذاته ببيان أسبابه. فلا يمكن تكفير أي مسلم بالشهادة وأقام الصلاة إلا بالحذر الشديد. كما أن القرآن والسنة لم يحدد لنا على وجه الدقة الشروط الخاصة بالتكفير، وإن التضامن الاسلامي يفرض علينا قبول التفسيرات المتباينة للشريعة مع التوفيق بينها إذا كانت في ظاهرها مؤيدة بالدليل وليس من سلطة أي مذهب أن ينفرد ويشرع بنفسه في هذا الموضوع وبالتالي فان قرار التكفير يكاد يكون في أغلب الاحوال نتيجة اجتهاد فردي.»

الضمير القائد

لاشك أن الفقرة أعلاه توضح كيف كان ابن تيمية متسامحا ولم يكن يرسل أحكام تكفير الناس جزافا كما يدعيه بعض الناس الذين يعتمدون على فكر ابن تيمية.

أهل الأهواء

 وعلى هذا الاساس تكون شهادة (أهل الاهواء) مقبولة شرعا، كما ان كل فرقة تمثل مظهرا من مظاهر الحقيقة بعد تضخيمه. والنزعة الفردية الاسلامية تجعل قائد كل انسان هو ضميره الذاتي بعد ارشاده بالقران والسنة. وإنما ينبغي أن نفرق بين مسألة المبدأ ومسألة الواقع، إذ نستطيع أن نقول إن كل من ينطق بكذا يكون كافرا، ولكن لا يجوز أن نقول إن فلانا كافر طالما أن الدليل لم يقم بطريقة قاطعة على أنه نطق فعلا يمثل هذا القول. هذه هي القاعدة التي يجب اتباعها دائما في كل الاحكام الشرعية التي تتعلق (بالوعيد) الإلهي، ومعلوم من حيث المبدأ كل ما يتعلق بالوعيد الإلهي إذ من الصعب القول بأن هذا المسلم يقع تحت طائلة الوعيد، فقد لا يتوفر شرط من الشروط المطلوبة لتحقق لذلك (قد يجعل هذا المسلم وجود النواهي الواجب مراعاتها، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو سيئاته، أو يكون قد تعرض لآلام كفرت عنه ذنوبه، أو ينال شفاعة مقبولة عند الله).

معارضة ابن تيمية

 ويعارض ابن تيمية مذهب المعتزلة الذي يفرق بين المبادئ الجوهرية في العقيدة (الاصول) وبين التفاصيل النصية المذهبية(الفروع)، بالتميز بين (النوع) وبين الفرد (العين) ويغيب عن ابن تيمية أصل هذا التمييز الأرسطاطاليسي فيعرضه على أنه (التمييز الوحيد الذي يستند إلى عقيدة السلف الصحيحة).

دواعي التكفير

كيف اذن نعرف شروط التكفير النظرية على الأقل؟ لقد حددها موقف الدين بالعمدة في العبارات التالية: (يكفر كل من ينكر وجود الله، أو يعتقد أن له شريكا أو زوجة أو ولدا، وكل من يتهم الله بالكذب أو يسب الله أو يتهم رسوله بالكذب، وكل من ينكر أحد الانبياء أو أحد الكتب المنزلة أو بعض هذه الكتب، وأخيرا كل من ينكر احدى العقائد الجوهرية في الاسلام، أو يبيح النواهي المتفق عليها بالإجماع بشرط أن يعلم بهذه الأوامر وهذه النواهي).

الصارم المسلول

يعالج المؤلف في الفقرة الموالية موقف الشرع ممن يسب النبي ولابن تيمية كتاب خاص في هذا الشأن بعنوان: «الصارم المسلول على من سب الرسول» وهو موضوع فيه نقاش بينه وبين غيره من الفقهاء.

حرمة النبي

 واتخذ ابن تيمية هذا الموقف بعينه. الا أن تكفير من يسب النبي أو زوجاته أو أصحابه له خطورة كبيرة في مذهبه. فسب النبي عنه اكبر من الارتداد العادي، وكل من يسب النبي تضرب عنقه. ولما كانت هذه العقوبة حداً من حدود الله. فليس للإمام أن يخففها إلى الاسترقاق أو العفو، أو أن يطلق سراحه مقابل فدية. والتوبة تمحو السيئات، كما الردة تمحو الحسنات وهما لا يوقفان عقوبة الإعدام بأي حال. ولكن يبدو أنه لا ينبغي أن تخضع فكرة ابن تيمية عن هذه المسألة أو عن غيرا لمنهجيه أوضح مما يحددها بنفسه إن مذهبه يخضع في كثير من الاحيان لحاجات مجادلاته، كما أن ضرورة توافق الشريعة مع الظروف تجعل شروط التكفير النظرية متوقفة على الزمان والمكان.»

الجهمية

وهناك بعض الفرق الاسلامية التي وجه اليها ابن تيمية اللعنة بحزم لا يلين، فقد أبعد عن الامة الاسلامية –اقتداء ابن حنبل- فرقة الجهمية لأنهم ينكرون أسماء الله وصفاته، وبشدة اكبر كفر الروافض والإسماعيلية لأنهم يرفضون احكام الشريعة في العبادات، والمنافقون أيضا ليس لهم مكان داخل الأمة لأن المبدأ الاسلامي يطالب بالخضوع الكامل جسدا وروحا لأوامر الله».

مظاهر الشرك

في الفقرة التالية يستعرض المؤلف بعض المظاهر التي يبدعها ابن تيمية وقد لا تصل إلى التكفير وهي المعبر عنها بمظاهر الشرك.

«وعلم التنجيم يمكن ان يكون من أسباب التكفير لأنه (يحاول أن يطلع على مجرى الاحداث بالاعتماد على النجوم، وهو ينتمي الى السحر المتفق على تحريمه. ويكفر أيضا كل من يعبد الاولياء ويحيط محراب القبور بمظاهر العبادات البدعية. ولقد أكد ابن تيمية في مواضع كثيرة أنه لا يمكن تكفير المرجئة ولا المعتزلة ولا الخوارج ولا حتى الشيعة المعتدلة. فكل هذه الفرق تسير في طريق القرآن ولا تختلف إلا في تفسيره».

ويختم الباحث هذا الفصل الفرعي من الفصل الأول في القسم الثاني من المجلد الثاني بقوله:

«وإذا كان ابن تيمية يكره التكفير الصريح، فانه يحبذ شكلا مخففا للتكفير، لا يؤدي إلى الطرد العنيف من الأمة، وإنما يؤدي إلى الإبعاد المنهجي (تفسيق) لكل من كان رأيه موضع شك. وإنما يؤدي الى الإبعاد الداخلي الذي يبدأ بتحريم معاشرة كل من كانت عقيدته موضع شك، يتضاعف بمجرد أن يعلن البدعيون علانية عن إيمانهم (بدعوتهم)، وإذا لم يفلح معهم التوبيخ الشفوي، ينبغي اتخاذ إجراء أعنف تجاههم. ولما كان المؤمنون إخوة متراحمين متحدين في ظل أخلاقي واحد، وكان واجبا يمليه عليهم العدل أن يغرسوا في انفسهم البغض والكراهية لأهل البدع ولأهل الكفر. وهذا ما سنراه حين ننتقل بعد ذلك الى دراسة الاقليات الدينية.»

هذه مجمل الأفكار التي أوردها المؤلف في شأن التكفير ومواقف الفرق الإسلامية من هذه المقولة، وهي كما نرى لا تتيح لأي كان أن يتهم ابن تيمية بأنه يكفر الأمة ولمزيد من التوضيح نتعرض في الحديث المقبل لقواعد التكفير كما حددها ابن تيمية نصا.

عن محمد السوسي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *