الرئيسية / كتاب الرآي / اسألوا “دومينيك ستروس كان” عن وسخ الدنيا!..

اسألوا “دومينيك ستروس كان” عن وسخ الدنيا!..

آخر تحديث :2016-10-20 13:52:30

أحيانا تمر أهم الأخبار، بل الأخبار المصيرية التي لا تؤثر في حياتنا فقط ولكن في حياة هذه الأرض وسكانها وعلى امتداد أجيال وأجيال، أمام أعيننا مرور للكرام. هذه الأخبار لا تتصدر العناوين ولا يعلق عليها المعلقون المحترفون والهواة أكثر من الأخبار الرياضية. ولا يأبه بها عامة الشعب ولا الخاصة مع أنها تمسهم عن قرب، وأقصى ما تحظى به هو بعض الهوامش ومرور في الشريط الإخباري على شاشتنا وفيديوهات أو مقالات من أنصار “نظرية المؤامرة”.

بما أنني من هواتها، لن أوفت فرصة التعليق على تصريح “خوسي مانويل باروسو” رئيس اللجنة الأوروبية سابقا الذي اتهم هذه الأخيرة “بالتمييز ضده” حين طلب منه رئيسها الحالي “جون كلود يونكر” توضيحات حول توظيفه من طرف البنك الأمريكي “غولدمان ساكس”. طبعاً، لم يتوانَ السيد “باروسو” في الدفاع عن نفسه قائلا في رسالته الجوابية بأن “هذه الإجراءات التمييزية لا تتماشى والقرارات المتخذة بشأن أعضاء سابقين آخرين للجنة المذكورة”.

قد تقولون وما شأننا نحن في تبادل الرسائل بين رئيسي اللجنة الأوروبية السابق والحالي؟

جوابي بسيط وهو في الحقيقة أمل في أن يتحقق المثل الشعبي “حين يتخاصم اللصوص يظهر المسروق”! فما أكده البرتغالي “باروسو” عن زملائه السابقين في اللجنة الأوروبية والحاليين في “غولدمان ساكس” حقيقي وقابل لإثبات بالرجوع إلى التاريخ القريب جداً للبنك العتيد وفضائحه وعواقبها الوخيمة، فضلاً عن لائحة أعضائه الذين تقلدوا مناصب سياسية واستراتيجية نافذة سواء قبل مرورهم من البنك أو بعده.

لا حاجة للعودة إلى ميلاد البنك سنة 1869 ولا إلى ضلوعه في انهيار 1929 عبر خلقه لشركة “غولدمان ساكس” القائمة على “سلسلة بونزي- Ponzi” (أي نموذج مالي يدفع للمستثمرين القدامى من ودائع المستثمرين الجدد وهكذا دواليك في إطار شبكة عملاقة للاحتيال)، ولا إلى سبعينات القرن الماضي. نستحضر فقط دور تلك الآلة المالية الجهنمية في أزمة 2008 وتداعياتها في أوروبا ومصيبة الدين العمومي لجل الدول (اليونان نموذجاً). لا يسمح المجال هنا بالدخول في تفاصيل يمكن الاطلاع عليها بمجرد إدخال اسم “غولدمان ساكس” في أي محرك بحث، يكفي القول بأن هذا البنك لُقِّب كذلك “بحكومة ساكس” لأنه يوفر القادة السياسيين والمستشارين الاقتصاديين والماليين على المستوى الشمولي وبسخاء، من أمثال “ماريو مونتي” الذي عين ولم ينتخب رئيساً للحكومة الإيطالية، “روبيرت زوليك” رئيس البنك الدولي سابقاً، “روبيرت روبين” و”هانك بولسون” اللذين قدما خدمات استشارية “قيِّمة” للرئاسة الأمريكية إضافة إلى تعيينهما ككاتبي دولة في المالية بالولايات المتحدة (الأول تحت بيل كلينتون والثاني في عهد جورج بوش الابن”)، “ماريو دراغي” رئيس البنك المركزي الأوروبي، “مارك كارني” حاكم بنك كندا، إضافة إلى مفوضَين ساميَين للمنافسة الأوروبية (بيتر سثرلاند وكاريل فان ميرت)، وعددا لا يستهان به من أعضاء مجلس الشيوخ وحكام ولايات بالولايات المتحدة الأمريكية ورؤساء البنوك المركزية/الوطنية في دول عديدة.

لا يقتصر البنك على توفير “صانعي السياسات”، بل يوفر حتى الأزواج والأصهار! (مارك ميزفيتشكي شريك تشلسي كلينتون وصهر رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية القادمة إن انتخبت). وإن تعمقنا في البحث، سنكتشف أنه يوفر حتى “قطع عيار” القادة والقائدات!

ما فائدة هذه اللائحة التي، حتى وإن كانت طويلة، لا تشكل سوى غيض من فيض؟ وما علاقتنا نحن بكل هذا؟

الجواب في ثلاث حيثيات فحسب. أولاً، بما أن المال يتحكم في العالم و”غولدمان ساكس” يتحكم في المال؛ ثانياً، بما أننا نخرج إلى هذه الدنيا وفي عنقنا دين عمومي يستغرق تسديده قرونا ولا نلمس أي قطعة نقدية دون أن ندفع ربا هذا الدين دون علمنا؛ ثالثا، بما أننا مرهونون مثل غيرنا من شعوب العالم رهنا طويل الأمد لدى أباطرة المال وكل ثروات بلداننا مجتمعة لن تكفي لعتق رقابنا من هذا الرهن القسري، حري بنا أن نتابع ما يحدث عندهم، فقد تنبؤنا فلتة في الزمان أو زلة لسان عما ينتظر أولادنا وأحفادنا…على يد هذا الأخطبوط الخفي.

ربما نفضل ألا نضع أصبعنا على مكمن الألم فنتابع أخبار السياسة والرياضة والفن الظاهرة معتقدين أنها تهمنا، بينما أحداث السياسة والرياضة والفن الحقيقية التي تعنينا فعلا تجري أمام أعيننا دون أن نراها كأنها ألعاب خفة خارقة.

الواقع يفوق الخيال في هذا المجال وكلما تمعنا فيه كلما تكشفت خيوط “المؤامرة”، لكن إذا فضحناها ولو افتراضيا وعلى نطاق ضيق، سنصبح نحن “المتآمرين”، لأن الحقيقة هي حقيقتهم، أي الحقيقة الرسمية للمال، ومن خالفها يعرض نفسه لانتقام “وسخ الدنيا”. واسألوا “دومينيك ستروس كان”!

عن بقلم: زكية حادوش

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *