الرئيسية / تقارير / استفتاء كردستان ومشروع تفتيت العراق ودول الجوار.. إسرائيل رأس حربة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد

استفتاء كردستان ومشروع تفتيت العراق ودول الجوار.. إسرائيل رأس حربة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد

آخر تحديث :2017-10-29 11:25:42

استفتاء كردستان ومشروع تفتيت العراق ودول الجوار

إسرائيل رأس حربة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد

عمر نجيب

  • بقلم// عمر نجيب

علنيا ورسميا كان الكيان الصهيوني “الدولة” الوحيدة في العالم التي أيدت الإستفتاء الذي نظم يوم 25 سبتمبر 2017 في مناطق في شمال شرقي العراق لدعم إنفصال المنطقة وتكوين دولة جديدة تحت إسم كردستان. في بقية دول العالم كانت المواقف متباينة فهناك من عارض بشدة كل محاولة لتفتيت وحدة أراضي العراق بل وذهب إلى حد التهديد بالتدخل عسكريا وإقتصاديا لمنع الإنفصال بينما قدرت عواصم أخرى أن الوقت غير مناسب لمثل هذا الإجراء وأن المفاوضات هي أفضل سبيل لحل مشاكل العراق.

بعيدا عن الأضواء عملت أطراف دولية عدة رغم مواقفها المعلنة والمعارضة على دعم عملية تفتيت وحدة العراق. مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين ذكرت أن الأجهزة الأمريكية ومنها وكالة الإستخبارات المركزية أقامت مقار عمليات وتواصل أحدها في تركيا وآخر في إسرائيل مع وحدة ربط في مدينة أربيل بشمال العراق لمتابعة التطورات وتحركات القوات العراقية والإيرانية والتركية مستخدمة في ذلك طائرات الإستطلاع والأقمار الصناعية وانظمة مراقبة كل أنواع الإتصالات، كما قدمت توجيهات لقوات البشمركة الكردية حول إجراءات التأمين والحماية خاصة للمراكز الحيوية والشخصيات النافذة في التنظيمات الكردية المؤيدة للإنفصال.

دعم إسرائيلي

 خلال شهر سبتمبر 2017 تم كشف النقاب عن دراسة إسرائيلية أعدها معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي تؤكد أن تل أبيب ستقدم دعما كبيرا للدولة الكردية بعد انفصالها عن العراق.

وأفادت الدراسة الممولة من قبل المركز الذى يديره عاموس يادلين رئيس شعبة الاستخبارات السابق بالجيش الإسرائيلي، إن الحكومة الإسرائيلية أبدت تأييدا كبيرا للانفصال، وجاء ذلك مجددا على لسان بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة خلال اجتماعه بوزرائه يوم 12 سبتمبر، حيث قال أن “من حق الأكراد أن تكون لهم دولة”.

وذكرت الدراسة التي حملت عنوان” تحيا دولة كردستان المستقلة” والتي أعدتها “جوليا لندن شتراوس” الباحثة في شئون الشرق الأوسط بالمعهد، إن تصريحات “نتنياهو” الداعمة للانفصال لم تكن الأولى ففي عام 2014 أكد نتنياهو أنه يؤيد دولة مستقلة للأكراد.

وترى الدراسة، إن دعم تل أبيب للانفصال هو نكاية في إيران التي ترفض إقامة دولة مستقلة للأكراد، وعلى جانب أخر يأتي ضمن استراتيجية في الشرق الأوسط تتبنها الحكومة الإسرائيلية تتمثل في دعم الأقليات وتقسيم الدول العربية.

ويكمن القلق الأكبر لدى السياسيين الإسرائيليين، في شن عملية عسكرية ضد الدولة الكردية، وتسألت الدراسة ما الدور الذى تلعبه إسرائيل في حال حدوث ذلك.

يذكر أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أشار في خطاب تلفزيوني يوم 30 سبتمبر 2017 إلى أن البعض رفع علم إسرائيل في التجمعات المؤيدة للاستقلال، “هذا يثبت أن لإدارة كردستان تاريخا مشتركا مع الموساد، إنهما يسيران يدا بيد، ويبدو أن إدارة شمال العراق تتعامل مع إسرائيل منذ زمن، وقد انكشف الأمر الآن”.

وكان الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، قد وصف الاستفتاء بأنه “مؤامرة إسرائيلية أمريكية لتقسيم المنطقة” قائلا إن :”الدعوة إلى الاستقلال تهدد استقرار المنطقة كلها وليس العراق والدول المجاورة فحسب. وهذا يعني جر المنطقة إلى حروب داخلية لا يعرف نهايتها أحد”.

عراب الخراب

 برنارد هنري ليفي الكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي الجزائري الأصل واليهودي الديانة والذي يوصف أحيانا بعراب الربيع العربي والذي أسس مع يهوديين آخرين معهد “لفيناس” الفلسفي في القدس المحتلة نهاية تسعينات القرن الماضي حضر عملية الإستفتاء في شمال العراق.

فلاسفة فرنسيون كبار، من أمثال جيل دولوز وأستاذه جاك دريدا والمؤرخ بيار فيدال ناكيه، أطلقوا على ليفي وصف “الخديعة الثقافية”، كما أسماه الفيلسوف كورنليوس كاستورياديس بـ”أمير الفراغ”.

ليفي صرح: “أنا صهيوني وقلبي يكون حيثما تكون إسرائيل”. “لقد شاركت في الثورة اللّيبية بدافع يهوديتي…مددت يد العون لحركات التحرر في بنغلاديش وجنوب السودان وأفغانستان والبوسنة وليبيا، وها أنا أمد يد العون مجددا للمعارضة السورية وللأكراد… لقد قمت بذلك رافعا راية وفائي لإسمي وللصهيونية ولإسرائيل”.

جدل في تل أبيب

 لم تؤيد العديد من الأوساط السياسية في الكيان الصهيوني أسلوب التأييد العلني لتفتيت العراق مشيرة أن ذلك مضر قبل أن يكون مفيدا. صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية كشفت عن تزايد الجدل داخل إسرائيل بهذا الشأن.

المستشرق مردخاي كيدار، هو أحد المؤيدين للدعم الإسرائيلي العلني لاستقلال الأكراد، إعتبر أن ذلك ينطوي على “مصلحة” إسرائيلية.

ويقول كيدار، إنه وبخلاف الاعتبارات الاقتصادية المرتبطة بالنفط، الذي تؤكد تقارير أجنبية وصوله لإسرائيل من كردستان عبر تركيا، فإن لدى إسرائيل اعتبارات أمنية استخبارية أكثر أهمية.

ويضيف موضحا “إذا كانت هناك بالفعل دولة كردية، وفعلت إسرائيل هناك ما تفعله وفقا للاتفاقات مع تلك الدولة، فسوف يكون هناك موقع قريب للغاية من إيران من الناحية الاستخبارية، تنصت، مراقبة، وذلك أمر مهم جدا بالنسبة لنا، لأننا نتحدث طوال الوقت عن المسافات الطويلة التي تفصلنا على إيران”.

ويتابع المستشرق الإسرائيلي “بالمناسبة، دول أخرى في المحيط مثل أذربيجان وهي دولة حدودية مع إيران وغيرها تمنح إسرائيل إمكانية هامة جدا من الناحية العسكرية، وهذا في رأيي أحد الأسباب في معارضة إيران إقامة دولة كردية. إنهم يخشون أن يكون لديهم هنا مستعمرة إسرائيلية”.

“كيدار” يسوق سببا آخر مهما كما يقول لاعتراض إيران على استقلال الإقليم الكردي “إيران تخشى من التفكك، ربما لا يعرف الناس، لكن عدد الفرس في إيران قد يصل إلى النصف. ونصف السكان أذاريون أي أتراك، وعرب، وبلوش، ولور وأكراد”.

ويواصل “الآن يخشى الإيرانيون أن يسعى الأكراد في إيران للسير على درب إخوانهم في العراق، وإقامة منطقة حكم ذاتي أو دولة أو ما شابه، وهذه نهاية إيران.

لكن الباحث الإسرائيلي “عيدان بارير” من “منتدى الفكر الإقليمي” التابع لجامعة تل أبيب له رأي آخر، بقوله “أعتقد أن هذا الأمر ينطوي على إشكاليات كثيرة”.

ويضيف “ما كان يتعين على إسرائيل أن تشارك أي أن تبدي تأييدها العلني لاستقلال الأكراد أو تتدخل في شئون دول أجنبية. لم يكن عليها الحديث عن حلول تتضمن تفكيك دول قومية بالشرق الأوسط، لاسيما وأن لديها سوابق في الأمر. من الحكمة أن تقف جانبا، أو على الأقل تحافظ على الحيادية”.

“ويؤكد “بارير” أن إسرائيل تقيم علاقات تاريخية مع الأكراد منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عندما عمل رجال مخابرات إسرائيليون في كردستان العراقية بالتعاون الكامل مع مصطفى بارزاني، والد مسعود، الزعيم الحالي لإقليم كردستان لشن حرب ضد الجيش العراقي.

“مفهوم أن إسرائيل معنية بأن يكون لها شراكة في المنطقة مع دول ليست بالضرورة عربية. هذه مصلحة إسرائيلية واضحة”، وأضاف الباحث الإسرائيلي، مستدركا أنه كان من الأفضل أن تواصل تل أبيب دعمها للأكراد “من بعيد” وبشكل سري.

واستبعد الباحث بجامعة تل أبيب، أن تقوم دولة كردية موالية لإسرائيل، ترتبط بعلاقات علنية مع تل أبيب، معتبرا أن الحديث عن ذلك تقديرات خاطئة.

وختم بالقول “لن يحدث ذلك إقامة دولة كردية، ليس في المحيط الذي يتواجدون به، محاصرين بين تركيا وإيران والعراق. ما حدث كان في الأساس محاولة إسرائيلية لدس إصبع في عين الرئيس التركي أردوغان، أكثر من إبداء دعم حقيقي للأكراد”.

الحقيقة المرة

  إذا كان من المسلم به هو أن القادة المتصرفين في الولايات المتحدة الأمريكية على إختلاف شخصياتهم واحزابهم متمسكون بأستراتيجية تفتيت المنطقة العربية وتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد القاضي بتقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية ودينية وطائفية ومناطقية مما يضمن الأمن لإسرائيل ولإستغلال واشنطن لثروات المنطقة وجعلها كذلك جزء من طوق الحصار حول روسيا، فإن كل ما يجري الحديث عنه بشأن معارضة البيت الأبيض لإستفتاء كردستان ليس سوى تغطية للنوايا الحقيقية وفي نفس الوقت نابع عن خلافات حول التكتيك المتبع لتفتيت العراق.

منذ فرض الحصار على العراق سنة 1991 ولمدة 12 سنة ثم بعد الغزو والإحتلال الأمريكي سنة 2003 كان الهدف الثابت لواشنطن هو تقسيم بلاد الرافدين إلى ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية ومحو موقع العراق كقوة مؤثرة في المنطقة، غير أن ذلك لم يمنع متابعة النقاش حول فرص نجاح هذه الإستراتيجية.

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، يوم الجمعة 29 سبتمبر مقالاً لكل من ماكس فيشر الصحفي الأمريكي المهتم بالشؤون الدولية، وأماندا تاوب وهي محامية حقوقية سابقة، وتكتب في الشؤون الدولية وحقوق الإنسان، وتحدث المقال عما وصفها بـ”الحقيقة المرة” للجماعات الراغبة بالانفصال وتشكيل دولة خاصة بها.

ويطرح المقال تساؤلا “متى يتعين على حركة انفصالية أن تشكل دولتها؟”، ويشير إلى أنه كان من المفترض أن تتوفر مجموعة من القواعد غير المعلنة لكن المعروفة جيدا، كي تجيب على هذا السؤال.

ويشير المقال إلى أن هذه القواعد تتضمن عددا من المتناقضات، وبالتالي تخلق تحديات تجعل من انفصال أية فئة أمرا في غاية الصعوبة، كما يحدث حاليا مع الكاتالونيين في إسبانيا، والأكراد في إقليم شمال العراق الراغبين في الانفصال وإقامة دولتهم الخاصة.

ويلفت كاتبا المقال إلى أن “الحقيقة المرة” للراغبين في الانفصال، تأتي من كونه لا يوجد في القانون الدولي وغالبا القانون الداخلي حق قانوني للانفصال.

ويشيران أيضا إلى ضرورة رضى القوى الكبرى وعلى الأقل الولايات المتحدة عن الانفصال، “من أجل إجبار أو إكراه أو رشوة الحكومة التي تحاولون الانفصال عنها منذ فترة طويلة. وإذا لم يكن الانفصال متبادلا، فمن المستحيل تقريبا أن يتم الحل بسلام، ولذا من الأفضل أن يتظاهر الطرفان بأنهما يرغبان به”.

وسيكون الراغبون في الانفصال أمام تحد أكبر إذا ما قرروا الانفصال عن حاكم أو حكومة يمتلكان عددا كبيرا من الأصدقاء، وما إذا السكان من بقية مناطق البلاد يرغبون في الحفاظ على أراضيهم وحدودها كما هي، وبرر الكاتبان رأيهما هذا بالقول: “لأن ذلك سيكشف أن أي استفتاء يستبعد الكثير من الناس المتأثرين بنتائجه”.

ويشير المقال إلى أن الشعارات والمبادئ السامية التي يرفعها الراغبون بالانفصال ليست كافية لتحقيق حلمهم، ويدلان على ذلك بقولهما أن “الكاتولونيين على سبيل المثال بنوا حركتهم على المثل السامية التي يفترض أن تقود عملية الانفصال. فنظموا أنفسهم دون عنف، ودعوا لاستفتاء شفاف، وقدموا أنفسهم على أنهم يسعون وراء ما يفترض أنه الحق العالمي لتقرير المصير”.

لكن المشكلة أن الكاتالونيين ليس لديهم دعم دولي يذكر ويواجهون معارضة كبيرة، تماما كأكراد العراق، الأمر الذي يضع كليهما في مسار صدامي مع القوى العالمية والتناقضات المؤلمة لسياسات الانفصال.

ويشرح كاتبا المقال وجهة نظر النظام الدولي لأي فئة تريد الانفصال، ويتحدثان عن أن النظام الدولي الحديث مبني جزئيا على فكرتين اتضح أنهما ليستا مستقرتين، وهما أن الحدود مقدسة، وأن الشعوب تقرر وضعيتها السياسية.

وبالنسبة للفكرة الأولى فكان المقصد منها هو وضع حد للحرب عن طريق عدم تشجيع الغزو أو التمرد الانفصالي. والفكرة الثانية كان المقصد منها هو حماية المواطنين من الديكتاتوريين أو المحتلين. لكن حينما تقرر مجموعة فرعية من السكان الانفصال، يتصادم هذان المبدآن.

فضلا عن ذلك أوجدت مسألة إعلان الانفصال فجوة في النظام الدولي. فلا المبادئ ولا القانون واضحان على وجه التحديد بشأن الكيفية أو التوقيت الذي يكون ذلك جائزا فيه.

وفي هذا السياق، قال كريس بورغن وهو أستاذ للقانون في عام 2014 في موقع للقانون الدولي والعلاقات الدولية: “كما هو مفهوم عموما، لا يوجد بموجب القانون الدولي حق للانفصال”. وأضاف: “الانفصال ليس حقا، لكنه لا يكون بالضرورة غير شرعي”.

ومن الناحية العملية تملأ سياسات القوى الكبرى تلك الفجوة، وتحدد متى يتفوق، أو لا يتفوق، حق دولة ما في التمسك بحدودها على رغبة الانفصال لدى إحدى المجموعات بتلك الدولة.

وتطرح “نيويورك تايمز” مثالا على ذلك ما حصل في جنوب السودان، فقد نتج عن استفتاء انفصال هناك اتفاق سلام جرى بوساطة دولية وأدى لإنهاء الحرب الأهلية السودانية التي امتدت لفترة طويلة. ويعني ذلك أن عملية الانفصال أُدمجت في الشرعية الدولية، وأن حكومة السودان بالفعل قد وافقت، وعلى نحو فعال، على حدوث انفصال من نوع ما.

لكن إسبانيا لم توافق على استقلال الكاتالونيين، كما لم يوافق العراق على استقلال الأكراد. وبدون تلك الموافقة، تصبح الأوضاع بالغة التقلب.

كذلك كان إعلان انفصال كوسوفو عن صربيا قد حصل على دعم الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، لكن الحكومتين الصربية والروسية عارضتاه بشدة. واليوم، ورغم حصولها على اعتراف أكثر من 100 دولة، لا تزال كوسوفو لم تنل بعد اعتراف الأمم المتحدة.

وبسبب ما يفترض أنها مبادئ مقدسة لتقرير المصير، ستتصادم الديمقراطية والسيادة بشكل ما في كل حالة تقريبا، وتقريبا في كل مرة ستكون لدى القوى الكبرى طريقة لتبرير موقفها.

معضلة الانفصاليين

 بالنسبة لمورغان كابلان، عالم السياسة الذي يدرس حركة الانفصال الكردية، فإن القادة الأكراد يعون تماما أن السياسة الواقعية، وليست المثل، هي ما ستحدد نجاح محاولتهم للاستقلال من عدمه.

وقال كابلان إنه من وجهة النظر الكردية، كان الاستفتاء “يفترض به أن يكون الخطوة الأولى في عملية تفاوضية مع بغداد”. وكانت الفكرة هي أن التماس المعايير الدولية قد يجذب الولايات المتحدة والقوى الأجنبية الأخرى لدعم الاستقلال، وأن تساعد، بدورها، في الضغط على بغداد للموافقة على الانفصال.

لكن بدلا من ذلك، دفع الاستفتاء واشنطن وبغداد للمعارضة، موضحا ما أسمته الباحثتان إريكا تشينويث وتانيشا فازال بـ”معضلة الانفصاليين”، المتمثلة في فشل قواعد الانفصال غير المعلنة أو حتى ارتدادها عكسيا.

وغردت تانيشا على تويتر قائلة: “على الأرجح لا يكافأ الانفصاليون لقاء القيام بما يقول المجتمع الدولي إن عليهم القيام به”. وأضافت أنه “في مرحلة ما”، سيمضي قرار الأكراد قدما على أي حال، ويكسر تلك القواعد، “وسيفهم الانفصاليون. وأتساءل إن كان الأكراد العراقيون قد وصلوا لتلك المرحلة”.

تحديات أخرى

 صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية سلطت الضوء على أبرز التحديات التي تواجه الانفصاليين الكرد، وقالت إن أمام أكراد العراق خيارات ضئيلة في القدرة على الاستمرار، بعد أن ركزت بغداد وجيران كردستان الغاضبون الآخرون على أضعف نقاطها، ألا وهو الاقتصاد.

وأشارت الصحيفة إلى أن كثيرا من المحللين يذهبون إلى أن تركيز الأكراد على الانفصال السياسي قد يأتي على حساب استقلالهم الاقتصادي، وقالوا إن الإقليم الذي تضرر بشدة عقب انهيار سوق النفط الخام بعد أن كان يطلق عليه دبي القادمة قد يكون هو من سيدفع الثمن.

ونقلت الصحيفة عن بلال وهاب، المحلل بمركز واشنطن البحثي قوله “إن أخطر طريقة للإضرار بحكومة كردستان العراق هي الاقتصاد. هل يمكن لحكومة كردستان العراق أن تكون قابلة للاستمرار اقتصاديا؟ أفضل جواب لدينا حتى الآن هو أننا لا نعرف”.

ويقدر الملاحظون أن حكومة إقليم كردستان تستورد من 80 إلى 90 في المئة من البضائع والخدمات من الخارج. حتى البيض والحليب على أرفف محال البقالة يأتي من الدول المجاورة.

كما أصبحت حكومة إقليم كردستان مثقلة بالديون منذ انهيار أسعار النفط عام 2014، وصارت تكافح لدفع رواتب القطاع العام المتضخم لديها. فالحكومة الآن مدينة بـ8 مليارات دولار من الرواتب المتأخرة.

وبحسب آراس خوشنو، أحد المستشارين الاقتصاديين لدى حكومة إقليم كردستان الذي صرح لصحيفة “فايننشال تايمز” فإن حكومة الإقليم مدينة بحوالي 5 مليارات دولار لشركات النفط، وقد دفعت لبعض هذه الشركات عبر قروض بنكية.

بعد استفتاء 25 سبتمبر في شمال العراق والذي شمل مناطق لا أغلبية كردية فيها مثل كركوك وعدد من مدن محافظات الموصل وديالى وصلاح الدين والتي ساعد الغزو الأمريكي قوات البشمركة التابعة لبرزاني في السيطرة عليها، هددت تركيا بوقف السماح لحكومة إقليم كردستان بتصدير نفطها عبر أراضيها إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط. هذا التهديد لو نفذ سيعني نهاية سلطة برزاني. ملاحظون يعتقدون أنه كان في إمكان أنقرة قبل الإستفتاء بشهور إظهار عزمها على إستخدام هذا السلاح وكان من شأن ذلك وضع نهاية للمشكلة ولكن ذلك لم يحدث وهذا يكشف تقلبات موقف أنقرة وحسابات وصفقات سرية خاصة مع واشنطن.

صخب وتحديات

 نظريا تعتبر تركيا مهددة أكثر من غيرها من جيران العراق من مشروع الإنفصال الكردي ويعزز حصول أكراد العراق على استقلالهم التام طموحات الأقلية الكردية التركية التي تمثل ربع السكان في تركيا البالغ عددهم 80 مليونا. ويخوض حزب العمال الكردستاني الانفصالي التركي حركة تمرد سعت في الأساس إلى إقامة دولة كردية منذ 1984. وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد حذر في كلمة أمام الأمم المتحدة يوم الثلاثاء 26 سبتمبر، السلطات في كردستان العراق، من أن “تجاهل الموقف التركي الواضح والحازم في هذا الشأن قد يقود إلى عملية تحرم الحكومة الإقليمية الكردية العراقية حتى من الامتيازات التي تتمتع بها حالياً”. ولكن من غير الواضح إن كانت أنقرة مستعدة للمجازفة بالرد بصورة ملموسة.

وللعلم، على الرغم من غضب تركيا إزاء وجود قواعد لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، عززت أنقرة مبادلاتها التجارية مع حكومة كردستان العراق، وجعلتها في موقع قوة في أربيل حتى باتت كردستان العراق أحد أكبر الأسواق المستوردة للبضائع التركية من المواد الاستهلاكية إلى المفروشات. وحالياً توفر تركيا المنفذ الوحيد لتصدير النفط من كردستان العراق في خط أنابيب يصل إلى مرفأ جيهان.

وهنا يشير ديفيد رومانو، أستاذ السياسات الشرق أوسطية في جامعة ميزوري الأمريكية إلى أن “تركيا تستطيع إلحاق الأذى بأكراد العراق لو رغبت”. ولكن قطع العلاقات الاقتصادية معهم سيعني المجازفة بعشرة مليارات دولار سنويا من العائدات التجارية ومن استيراد النفط والغاز ورسوم المرور المهمة بالنسبة لمحافظة الأناضول ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي تركيا. ويضيف أن “تركيا تثير كثيرا من الضجيج بإدانتها الاستفتاء، لكن الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو تهدئة خاطر التيار القومي في حزب العدالة والتنمية الحاكم”.

كأس السم الزعاف

 يوم الأحد الأول من شهر أكتوبر 2017 كتب نبيل نايلي الباحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، بجامعة باريس: إن “استفتاء كردستان غير شرعي ونعتبره لاغيا..سنتخذ تدابير أخرى وسنغلق المعابر بشكل كامل مع كردستان وسنغلق تصدير النفط وسنمنع تصديره من الإقليم”. الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

خلال حفل تخريجِ دفعة من ضباط الشرطة، وبعد استفتاء إقليم كردستان، خرج علينا رئيس تركيا رجب طيب أردوغان ليقول “إن بلاده مستهدفة بـ”مؤامرة”، وأن “الأحداث التي تشهدها سوريا التي ضلع فيها هو وعسكره وشذاذ الآفاق ممن مروا عبر تركياه والعراق والمخططات التي تنفذ عبرها ليست بمعزل عن تركيا”. ليعلن بعدها إن “الهدف من إنشاء دولة مستقلة في كردستان العراق هو تقديم العون لمن يريدون تمزيق وحدة الشعوب وإحداث صراعات لا نهاية لها في المنطقة بأسرها”.

ان تشظية سوريا العراق وانتهاك حرمة سيادة سوريا بتعلة وجود رفاة وقبر، يمكن نقلهما متى شاء؟ اليس ذلك من “تمزيق وحدة الشعوب” ولا من “إحداث الصراعات”؟ مطلقا بالمنطق الأردوغاني الذي هلل له عرب كثير.

ألم يكن يعلم ومنذ 6 سنوات تقريبا غير فيها استراتيجيات وسياسات تركيا رأسا على عقب، وأوهموه بحلم إبليس في الجنة الأوروبية وتنكر أولا لمصالح تركيا، قبل مصالح سوريا والعراق، وأن هدف “حلفائه” هو إقامة “دولة كردستان كأمر وقع وأنها “ذات حدود مفتوحة، وقابلة للتمدد تركيا وإيرانيا، تماما مثل حدود الكيان الصهيوني، الكيان الوحيد الذي يجاهر علنا بتأييده ويعمل من أجل إقامتها عاجلا، سرا وعلانية، وأن الأراضي التركية هي “الجائزة الكبرى” التي يعمل على قضمها؟.

ألم يكن يعلم “معاوية العصر”، على حد وصف أحد “فلاسفة” تونس له، أن مخاطر المؤامرة التي ساهم بفاعلية في نسج خيوطها منذ سنوات، ستورط بلاده وإن بعد حين، والمنطقة بأسرها، فتركيا والعراق وإيران كلها كانت ولا تزال مرشحة جدا لتكون ساحة أحدث فصولها وامتداداتها الجديدة، والكيان الذي وقف خلف “الدويلة” بقوة، مثلما وقفت خلف تقسيم وتشظية السودان، ودعم سد النهضة الأثيوبي لتعطيش مصر وتجويعها، لا يمكن أبدا أن يتناسى تركيا الدولة المسلمة، ولو بعد حين؟.

ألم يسمع بعد أكراد تركيا بأصداء نبأ استفتاء كردستان العراق؟ ومع يعني ذلك من تداعيات وطنيا وإقليميا ودوليا؟.

هل يجديه الآن نفعا دمار سوريا والتطاول على سيادة العراق الجريح واعتبار تركيا القوة الإقليمية التي تأمر وتنهى بمجرد حشرها عنوة على الأوروبيين في حلف شمال الأطلسي لغايات لا يعلمها إلا الراسخون في فك شفرات استراتيجيات واشنطن، التي لا حليف لها إلا التبع الذين ترميهم رمي العير المعبدة متى انتهت مدة صلاحيتهم؟.

هل تجدي الآن منظومة الأس400 الروسية أو السماح الآن للمقاتلات الروسية لتشن أكثر من 70 غارة جوية على محافظتي حلب وإدلب، مستخدمة الأجواء التركية للوصول إلى المناطق التي يتمركز فيها المقاتلون السلفيون على الشريط الحدودي مع تركيا؟. ألم يكن تسونامي وخارطة جديدة كانت ترتسم ملامحها منذ دهر، إلاّ لمن ركب عنجهيته واستبد برأيه أو مارس حالة إنكار.

ألم يبلغه نبأ “نعي” مدير الاستخبارات الفرنسية برنار باغوليه، و مدير الإستخبارات الأمريكية، جون برينان، المنطقة بتصريح، لا مواربة فيه، مفاده أن: “الشرق الأوسط الذي نعرفه، انتهى إلى غير رجعة”، وأن دولا مثل سوريا والعراق وتركيا لاحقا، “لن تستعيد أبداً حدودها السابقة”. مشددين على إضافة لا تقل دلالة ولا خطورة عن نعيهما لدولتين محوريتين، وهي أن المنطقة “لن تستعيد شعوبها أيضا.

ماذا يعني أن يقوم الجيش التركي الآن بإرسال “تعزيزات إضافية إلى وحداته قرب الحدود مع سوريا، في منطقة جيلفا جوزو، بقضاء الريحانية، التابع لولاية هطاي جنوبي البلاد؟

رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، هو الآخر، نحا منحى رئيسه قائلا، خلال مراسم افتتاح العام الدراسي الأكاديمي في جامعة ”أونسكيز مارت“ ، في ولاية جناق قلعة: “إن قيادات إقليم شمال العراق لم تتردد في زج ملايين الناس في المغامرة من أجل تحقيق أطماعها واستمرار حكمها”. زجت بملايين الناس في مغامرة؟. ألم يساهما فيها كل بمقدار؟. أكان الأمريكيون يسلحون الأكراد لله وفي سبيله؟. هل كانوا يقصفون الجيش العربي السوري من حتى يصل متأخرا إلى حقول النفط ويتغاضون عن شاحنات أردوغان الموثقة صوتا وصورة وقصفتها مقاتلات روسيا؟.

نفاق

 الدكتور سامي نادر مدير معهد المشرق للشؤون الاستراتيجية في بيروت يؤكد لجهة التشديد على أن الغرب لم يتخل عن كردستان ودعم إنفصالها، لكن “منسوب المخاطر بالنسبة للأمريكيين والأوروبيين مرتفع، كون المسألة مرتبطة بموقف إيران وتركيا”. ويوضح نادر أن “الغرب يخشى إغضاب إيران كونه، منذ توقيع الاتفاق النووي، بدأ بتطبيع نسبي معها على المستوى الاقتصادي… وهناك مصالح واضحة كبيرة”. أما بالنسبة للموقف الأمريكي الرسمي فإنه، وفق نادر، “يأخذ بعين الاعتبار الشريك التركي الذي يشعر بتناقض الموقف الأمريكي حيال دعم الأكراد، كونه يستمر بالدعم العسكري المباشر وشبه الحصري لأكراد سوريا والعراق ويبني علاقات استراتيجية مع أكراد سوريا بدليل إقامة 8 قواعد عسكرية في سوريا، رغم أنه يأخذ مواقف داعمة لتركيا”. ومن ثم، يقول: “أي خطوة إضافية تهدد الشراكة مع الأتراك، في وقت تبدو فيه كردستان عمليا إقليما مستقلا وتربطها مع الأمريكيين شراكة، كما أن كردستان تتلقى دعما إسرائيليا هائلا يغير خريطة المنطقة بشكل جذري”.

ويضيف نادر بشأن البيان الثلاثي العراقي التركي الإيراني حول كردستان الذي تلا اجتماعا على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية شهر سبتمبر، إنه “هو بمثابة إعلان حرب باردة في الشرق الأوسط”، مشيرا إلى أن أطرافها هم “إيران وتركيا والعراق وسوريا وروسيا من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والأكراد من جهة أخرى، تضاف إليها دول عربية لها مصلحة في الحد من التمدد التركي، والحد من التمدد الإيراني في المنطقة كون إقامة دولة كردستان ستوازي تمدد إيران”. ويوضح نادر أن المواجهة الهادفة إلى انتزاع مكاسب بطيئة “لن تكون حربا باردة بنسختها السابقة، بل بنسخة جديدة تهدف إلى تثبيت توازن استراتيجي وموازين قوة مستمدة لطرفي النزاع”.

الديناميكيات الإقليمية

كتب سينان أولغن الباحث الزائر في مركز كارنيغي أوروبا:

لن تسمح الديناميكيات الإقليمية لحكومة إقليم كردستان بأن تمضي قدما في أجندتها الانفصالية حتى مستقبل منظور. فالعديد من القوى الإقليمية وكذلك السكان العراقيون غير الأكراد يعارضون إقامة دولة كردية مستقلة. والحال نفسه كذلك بالنسبة إلى تركيا، التي تتمتع بعلاقات متينة للغاية مع قيادة حكومة إقليم كردستان. صحيح أن السياسة التركية تغيرت بشكل ملحوظ مع الوقت، ولم يعد الاستقلال الكردي خطاً أحمر بالنسبة إلى أنقرة، لكن الصحيح أيضا هو أن مثل هذا التطور قمين بأن يثير المزيد من اللا استقرار في المنطقة. كما أنها تشعر بالقلق إزاء وضع الأراضي المتنازع عليها في العراق، وعلى رأسها كركوك. لذا، السيناريو الوحيد الذي قد يحظى، على الأرجح، بدعم تركيا يتمثل في نشوء كيان كردي مستقل يكون وليدة تسوية متفاوض عليها. وأي مسعى آخر إلى الاستقلال سيواجه معارضة دبلوماسية تركية قوية.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟ بقلم// محمد أديب السلاوي   -1-         لم يعد خفيا على أحد، أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *