الرئيسية / slider / «الأحزاب السياسية ووهم التشبيب».. بقلم // محمد بنساسي

«الأحزاب السياسية ووهم التشبيب».. بقلم // محمد بنساسي

آخر تحديث :2019-04-24 11:45:14

«الأحزاب السياسية ووهم التشبيب».. بقلم // محمد بنساسي

 

 

 

بوأ دستور 2011  الأحزاب السياسية مكانة مهمة، وأناط بها وظائف وأدوار  لا تقل أهمية عن مكانتها الدستورية، والمتمثلة أساسا طبقا لمنطوق الفصل السابع (7) من الدستور، في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وإشراكهم في تدبير الشأن العام، بالإضافة إلى تعبيرها عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية وفي نطاق المؤسسات الدستورية…، وتعززت مكانتها أكثر، بصدور القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.166 بتاريخ 22 من أكتوبر 2011، لتوضيح وتبيان القواعد المتعلقة بصفة خاصة بتأسيسها، وأنشطتها ومعايير تخويلها الدعم العمومي، وكيفيات مراقبة هذا التمويل.

مسؤولية جسيمة ملقاة على عاتق الأحزاب السياسية، تملكها والاضطلاع بها على الوجه المطلوب، يستوجب بدرجة أولى، فضلا على أن تكون هذه الأحزاب معافة وسليمة، في النشأة والغاية -مولودة ولادة طبيعية-، وأن تتوفر على بنيات استقبال مركزية وترابية لائقة ومشجعة ومحفزة، وهياكل وأجهزة وهيئات متنوعة بتنوع الفئات الاجتماعية المكونة لمجتمعات حية ونشيطة ومتوقّدة، أن تكون تزخر في صفوفها بطاقات وكفاءات شابة، قادرة على الاضطلاع بمهمة التأطير والتكوين والإقناع والتعبئة، لتستطيع بذلك لعب دورها المحوري المتمثل في الوساطة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، هذا المبتغى على أهميته لا يمكن إدراكه إلا من خلال إقرار ديمقراطية داخلية حقيقية، تؤّمن ولوج طاقات وأطر كفؤة وتسمح بضخ دماء جديدة في هياكل وأجهزة وقيادات الأحزاب السياسية، من منطلق مبدأ دوران النخب. 
وحيث أن الديمقراطية الداخلية لا من حيث شروطها أو كيفية تجسيدها لم تجد بعد طريقها للأحزاب السياسية بالمغرب، لاعتبارات ذاتية وموضوعية، مرتبطة بطبيعة وتركيبة عقل النخب السياسية المغربية، وببنية وهيكلة ومحيط وهامش… المؤسسات الحزبية، أدخل هذه الأخيرة في دائرة مفرغة يطبعها الانغلاق المفرط ولا سيما على مستوى قياداتها.
هذا الإنغلاق الزائد عن حده، أدى بالأحزاب السياسية إلى عزلة خطيرة، أضحت معها فئة الشباب تصطدم بعقبات جمة وعراقيل كثيرة تجعل من سبيله نحوى تسلق سلم المسؤوليات والمهام داخل هيئات وهياكل وأجهزة الأحزاب وصولا إلى قيادتها، منال من الصعب إدراكه وتحقيقه، وفوتت بذلك على نفسها فرص كثيرة، في أن تطور من نفسها وخطابها وتجدد من أساليب وآليات اشتغالها، لتواكب بذلك على الأقل التطورات والمتغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع، ولا سيما على مستوى مطالب الفئات الاجتماعية وانتظاراتها التي هي في تجدد مستمر، وأضحت نخبة سياسية شائخة مهترئة جاثمة على جسد الأحزاب السياسية بعيدة كل البعد عن واقع المجتمع المعاش واهتماماته اليومية وانتظاراته المستقبلية. 
 الأمر الذي استشعره ملك البلاد، وأثاره في خطابه، الذي ألقاه يوم الأحد 29 يوليوز 2018، بمناسبة الذكرى التاسعة عشرة لتربعه على عرش أسلافه، حيث أكد على أن الأحزاب السياسية مطالبة بضرورة استقطاب نخب جديدة لصفوفها، والعمل على تعبئة وتشجيع الشباب على الانخراط في العمل السياسي، مذكرا إياها بأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم، في إشارة واضحة ومباشرة من ملك البلاد إلى شيوخ السياسة، ينبههم من خلالها على محدودية قدرتهم  على فهم واستيعاب مشاكل وهموم ومتطلبات المجتمع المغربي وخاصة فئة الشباب، وعلى قصورهم في بلورة هذه المتطلبات في مبادرات ومقترحات وبدائل وحلول تعكس بحق حاجياتهم اليومية وتطلعاتهم المستقبلية، كما حثها على تجديد أساليب وآليات اشتغالها، لتتمتع بالقابلية والجاذبية لكي تستطيع بواسطتها إغراء الشباب للانخراط في العمل السياسي والإيمان به كآلية يمكن له من خلالها تحقيق التغير الذي ينشده.
إلا أن هذه العزلة التي آلت إليها الأحزاب السياسية، ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكم ممارسات مناوئة لشروط وقواعد الديمقراطية، لا سيما على مستوى قواعد ومعايير تأسيسها، بحيث خيار التعددية الحزبية الذي سلكه المغرب مباشرة بعد الإستقلال، لم يذهب في الاتجاه السليم الذي كان من المفروض سلوكه، بحيث باستقراء المسار السياسي والدستوري المغربي، يلاحظ أنه كلما كانت البلاد على موعد مع إنتخابات تشريعية أو جماعية، إلا وأعلن عن تأسيس حزب أغلبي جديد، حدث ذلك بمناسبة الانتخابات التشريعية بتاريخ 17 ماي 1963 لانتخاب أعضاء مجلس النواب، بتأسيس أنذاك الحزب المعروف بجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، بزعامة الراحل أحمد رضا كديرة، بتاريخ 20 مارس 1963، وبعده تأسيس حزب التجمع الوطني للأحرار سنة 1977، بقيادة أحمد عصمان صهر الملك الحسن الثاني، قبل حلول موعد الإنتخابات الجماعية والتشريعية  التي أجريت في النصف الأول من سنة 1977، وتبعه تأسيس حزب الإتحاد الدستوري تحت اشراف المعطي بوعبيد، في أواخر شهر يناير من سنة 1983، استعداد للانتخابات البلدية والقروية التي أجريت بتاريخ  10 من يونيو 1983، والذي كانت ستعقبها الإنتخابات التشريعية في نهاية صيف من نفس السنة، والتي تم تأجيلها مرتين ليستقر تاريخ اجرائها بالنسبة لانتخاب ثلثي أعضاء مجلس النواب في 14 شتنبر 1984، ليختتم هذا المسلسل بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة بتاريخ 8 غشت 2008، من قبل فؤاد علي الهمة، وذلك استعداد للانتخابات الجماعية التي نظمت سنة 2009، والتي حقق فيها نتائج مهمة. 
وبالرجوع إلى تحليل وتفكيك سياق إحداث هذه الأحزاب، والوقوف على البروفيلات التي أشرفت على تأسيسها، وقراءة وفحص النتائج التي حققتها في المحطات الانتخابية التي دخلتها، وقياس الزمن الفاصل بين تاريخ تأسيسها ومواعيد اجراء الانتخابات التي خضت غمارها، نخلص إلى خلاصتين اثنتين.
الأولى: أن هذه الأحزاب ولدت على عجل، لغاية محددة، تتمثل في ربح الانتخابات التي دخلتها، ومجابهة الأحزاب المنافسة لها التي كانت تتمتع عنها بالشرعية التاريخية والشعبية في إطار الصراع السياسي الذي طبع تلك المرحلة، كما أن جميع الشخصيات التي أشرفت على تأسيس هذه الأحزاب هي شخصيات مقربة من دوائر القرار بالمغرب.
الثانية: أنه بالنظر للزمن الفاصل بين تاريخ تأسيسها ومواعيد الانتخابات التي دخلتها، والنتائج التي حصلت عليها، يتضح أنها لا تلي مسألة التأطير والتكوين واستقطاب الشباب واشراكه في العملية السياسية أي أهمية، بقدر ما تليه للمحدد الانتخابي، عبر الرهان على ضم لصفوفها أعيان ورجال المال والأعمال…، على حساب الطاقات والكفاءات الشابة التي تأتي في درجة ثانوية في اهتماماتها. 
طغيان المحدد الانتخابي كما يستشف مما تقدم على المحدد النضالي داخل الأحزاب السياسية، قلص من هامش عملية التكوين والتأطير والإبداع والتعبئة، المفروض أن تأخذ نصيب الأسد من عمل ومجهود الأحزاب السياسية اتجاه مناضلاتها ومناضليها بدرجة أولى، ومن خلالهم حيّال المواطنات والمواطنين بصفة عامة، وتأتي الانتخابات على أهميتها كتحصيل حاصل، تتويجا لعملها الدؤوب والمستمر، في مختلف ربوع المملكة. 
الأحزاب الوطنية والتي كان المفروض أن تأخذ على عاتقها مسألة التمسك والحفاض على التوازن المفترض بين المعطى الانتخابي والمحدد النضالي وتكريسه وتوطينه في استراتيجياتها السياسية، عبر المزاوجة بينهما في قالب تكاملي يجد كلاهما ذاته فيه داخل مؤسسات الحزب، نجد في السنوات الأخيرة أن الآية قد انقلبت، واضحت الكافة ترجح لفائدة أصحاب الإنتخابات (أصحاب الشكارة)، بقطع النظر عن تكوينهم وايديولوجياتهم وانتماءاتهم السابقة من جهة، أو مدى نظافة أيديهم ونزاهتهم وكفائتهم من جهة ثانية، على حساب إقصاء وتهميش المناضلات والمناضلين، الذين تمرسوا وتدرجوا داخل هياكل وأجهزة وهيئات الأحزاب السياسية، الذين تعوزهم الإمكانات المالية لدخول غمار الإنتخابات، وخاصة فئة الشباب منهم.
تغييب فئة الشباب كقوة اقتراحية وفاعلة ومؤثرة، داخل الأحزاب السياسية المغربية لعقود طوال، جعل من هذه الأخيرة كيانات بدون روح وبلا هوية ومفتقدة لأي رؤية، بحيث لا يكاد الناخب أن يميز بين البرامج الإنتخابية المعروضة عليه، من كثرة تآلُف وأحيانا تطابق مضمونها، كما لا يستطيع المواطن العادي تصنيف الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة السياسية لشدة تشابه وتماثل أفعالها وممارساتها، على الرغم مما بذلته الدولة من مجهودات ترمي من خلالها إلى ادماج الشباب في الحياة الوطنية عبر اتخاد تدابير واجراءات لتشجيع ودعم ولوج الشباب للحقل السياسي والمشاركة في صنع القرار، بتخفيض سن التصويت إلى 18 سنة، وتخويلهم كوطا في إطار اللائحة الوطنية إلى جانب فئة النساء، كمبادرة استثنائية ومؤقتة لحل إشكالية تمثيلية الشباب في مجلس النواب، إلا أن التدبير السيئ والتصريف غير المعقلن لهذه المبادرة من قبل الأحزاب السياسية نفسها عمق من هوة عزوف ونفور الشباب من العمل السياسي. 
 إن الأحزاب التي لا تراهن على الشباب مآلها لا محالة الأفول والإندثار، ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة سواء تعلق الأمر  بمشهدنا السياسي أو ارتبط الأمر بالتجارب المقارنة. إن تمكين الشباب داخل الأحزاب السياسية بكل ما تحمله كلمة تمكين من معنى ودلالة، وتسهيل وتيسير ولوجه للمسؤوليات والمهام داخل هياكل وأجهزة الأحزاب السياسية، لا يحتاج فقط لمراجعة القوانين الأساسية والأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية التي لازالت مقصرة إذ لم أقول مجحفة في حق الشباب، وتعزيزها باجراءات وتدابير مدعمة قمينة بالتنزيل الجيد لمضامينها وكفيلة بالتجسيد الأمثل لأهدافها وفق روح ومبادئ الديمقراطية الداخلية، بل يتطلب الأمر إعادة النظر بشكل جذري في بنية الأحزاب السياسية، لأن الأزمة التي تعتريها ليست أزمة ظرفية يمكن تجاوزها مع مرور الزمن، بل هي أزمة بنيوية عميقة وشاملة، الخروج منها يستوجب إصلاح الحياة السياسية برمتها.
إن التوتر والاحتقان المعبر عنه اليوم في الشارع العمومي من قبل الفئات الاجتماعية على شكل أنماط احتجاجية منها ما هو جديد وغير مألوف، معادية في مجملها للأحزاب السياسية والهيئات النقابية… متهمة إياها بالعجز والقصور في فهم واستيعاب مطالبها ومحدودية إذ لم أقول إخفاق في الدفاع والترافع عن انتظاراتها، كفيل في أن تعمل هذه الأخيرة بنقد ذاتي حقيقي مرفوق بمراجعة شاملة وعميقة ولاسيما فيما يرتبط بأساليب وآليات إشتغالها، وكذا الانفتاح على طاقات وكفاءات شابة لتواكب على الأقل التطورات والتغيرات الحاصلة في بنية المجتمع في أفق تملّكها لدورها الأصيل المتمثل في الوساطة بين المجتمع والدولة.

 

«الأحزاب السياسية ووهم التشبيب».. بقلم // محمد بنساسي
محمد بنساسي باحث في العلوم الإدارية والمالية

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

خبراء يشخّصون بالقنيطرة «أعطاب» الإعلام المغربي.. الدكتور عبد الجبار الراشدي.. إصلاح الإعلام العمومي ضرورة ملحة من أجل تقديم خدمة عمومية للمجتمع

خبراء يشخّصون بالقنيطرة «أعطاب» الإعلام المغربي.. الدكتور عبد الجبار الراشدي.. إصلاح الإعلام العمومي ضرورة ملحة من أجل تقديم خدمة عمومية للمجتمع

خبراء يشخّصون بالقنيطرة «أعطاب» الإعلام المغربي الدكتور عبد الجبار الراشدي.. إصلاح الإعلام العمومي ضرورة ملحة من …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *