الرئيسية / كتاب الرآي / الأدب المغاربي بين التقوقع في الإقليمية الضيقة وحلم الارتقاء إلى مقام الآداب العالمية

الأدب المغاربي بين التقوقع في الإقليمية الضيقة وحلم الارتقاء إلى مقام الآداب العالمية

آخر تحديث :2017-02-03 18:41:11

الأدب المغاربي بين التقوقع في الإقليمية الضيقة وحلم الارتقاء إلى مقام الآداب العالمية

 أحمد الميداوي

العلم: باريس ـ أحمد الميداوي

“الإبداع بلغة الهوية” هو عنوان الندوة الأدبية التي نظمتها أول أمس بباريس جمعية “مغرب الثقافات” بتنسيق مع “مركز الذاكرة المتوسطية“، وبمشاركة صفوة من الأدباء المغاربيين والفرنسيين ممن حاولوا النبش في ذاكرة الأدب المغاربي بمنظور يكرس هويته المغاربية حتى وإن كُتب بالفرنسية، وما إذا كان استعماله للغات الأخرى وخاصة الفرنسية في مختلف إبداعاته (رواية، شعر، قصة، مسرح، نقد…) مكّنه من اقتحام ما اصطلح على تسميته بالعولمة الثقافية. 

وأجْلت الندوة في البداية ملاحظة مفادها أنه إذا كان الغربيون يصرون على اعتبار الأدب المغاربي جزءا لا يتجزأ من آدابهم، ويدرسونه في الجامعات على انه أدب فرنسي مع أن كتابه مغاربيون، فإنهم يلغون بذلك روح الهوية والانتماء المتأصلة في لغة الإبداع بشكل عام، ويتناسون أن ارتباط أدباء المغرب العربي بالثقافة الغربية أثمر تفاعلا للثقافتين المغاربية والغربية معا. 

وفي سياق هذا التميز المتشبع بالهوية المغاربية، فإن المحصلة كما خلصت إليها الندوة، هي أن الأدب المغاربي يمثل شيئا فريدا مختلفا عن الأدب الأوربي وحتى الأمريكي في أساليبه ومضامينه، وهو وإن استفاد من أجواء حرية النشر الغربية بشكل كامل، إلا إن جمالياته ظلت لصيقة بجماليات صفوة من المبدعين المغاربيين من أمثال ادريس الشرايبي، ومحمد ديب، ومولود فرعون وآخرين، بشكل قد يكون أشد قوة من الجماليات الغربية. أما المضامين، فهي نابعة من ضمير مواطنين مغاربيين مثقلين برواسب التخلف والاستلاب الفكري.

وعاب هؤلاء على الآداب المغاربية المكتوبة بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وهي لغات المعرفة حاليا، تقوقعها في الإقليمية الضيقة التي لم تساعدها على اختراق الحدود والتماهي مع إشكاليات وقضايا طرحتها الآداب الغربية. فعلى الرغم من طابعه العريق، ثراء وتنوعا، لم يرق هذا الأدب إلى مقام الآداب العالمية. فلا الجوائز العالمية التي نالها بعض المغاربيين، ولا المسارات الأدبية المتفردة كانت بقادرة على ترسيخ هذه الآداب بأسماء ونصوص جديدة، في أرشيف الآداب العالمية.

ومن خلال النبش في الذاكرة الأدبية المغاربية بمنظور يستنطق الماضي كنقطة مرجعية ضرورية للتعامل مع الحاضر، تنجلي حقيقة مفادها أن الأدب المغاربي بشقيه الفرنكفوني والعربي، لم يتمكن حتى اليوم من التقاط تعقيدات العالم الغربي ومفارقاته بلغة تكسبه نقطة ارتكاز قوية وتؤهله لمواجهة السيل الجارف للعولمة الثقافية.

وإذا كانت الكتابات المغاربية في جوانبها الإبداعية والنقدية قد مرت في مسارها الأدبي بالمراحل نفسها التي عرفتها الكتابة العربية المشرقية، وأثبت قدرتها على التفاعل معها تأثرا وتأثيرا، فإن جانبا من هذه الكتابة التي اعتمدت الفرنسية لغة للتواصل، لم تتمكن بفعل الواقع التراكمي المغاير، من التحرر من سلطة المرجعيات العربية وممارسة فعل التغيير في النسق الكتابي شكلا ومضمونا.

وقد رصدت الندوة هذا الواقع فيما قدمته من نماذج أدبية تعكس تموضع الأدب المغاربي بين فضاءين إبداعيين متباينين.. عربي ينطلق من الموروث في محاولة لاستكشافه وإعادة تركيبه، وفرنسي يميل إلى استيفاء دلالات العولمة الثقافية من خلال الكتابة التنافرية والاستعارية التي تميز النمط الغربي.

وفي سياق هذا التباين استعرضت الندوة، مقومات الكتابة المغاربية من خلال ثلاثة محاور.. الأول مرتبط بالموقع الجغرافي للمغرب العربي كملتقى لحضارات وثقافات مختلفة، وكمحطة فاصلة بين العديد من تيارات الفكر والأدب. ويختزل هذا المحور تنوع الكتابة المغاربية بما عرضته الندوة من مرجعيات غزيرة ومتنوعة للنتاجات الأدبية بازدواج لغتها بالإضافة إلى الأعمال المترجمة من وإلى اللغتين العربية والفرنسية.

وفيما تناول المحور الثاني الحركة الشعرية المغاربية وإسهامات المستشرقين في هذا المجال، ركزت المحور الثالث على النتاج الشعري باللغتين والإسهامات المغاربية، وإن كانت متواضعة، في تحرير الشعر العربي من قيود التقليد وفتحه على التأثيرات العالمية.

وأجمع المتدخلون ضمن هذا المحور على أن الأدب أيا كان اللباس الذي يرتديه، فهو ذو جسد واحد، وأن النصوص التي يصنعها الإنسان في الشرق أو الغرب هي مسكونة بذات الرغبة في إنعاش التبادل الخصب بين الشعوب، انسجاما مع النداء الذي أطلقه الشاعر الفرنسي إيف بونفوا “فلنتعلم كلام الآخر داخل مجال الإبداع كما في الحياة. وحينذاك ستأتي الأرض لتكون صورة باهرة وكثيفة لأنها بالضبط تشكل مكانا مشتركا”. 

وخلصت الندوة إلى أن الآفة الأولى للأدب المغاربي تكمن في تنصل بعض الكتاب من الواقع أو محاولة تزويقه وفبكرته إرضاء لدور النشر، حتى وإن اجتهد بعض كتاب اللغة الفرنسية في النهل من واقع وتاريخ مرجعياتهم العربية، سلبية كانت أم إيجابية، مما جعلهم ينجحون نسبيا في التماهي مع قضايا طرحتها الآداب الفرنسية.. نصوص إدريس الشرايبي، محمد خير الدين، كاتب ياسين، خير مثال على ذلك.     

الآفة الأخرى التي تعيق، حسب البعض، الإبداع المغاربي في دنيا الاغتراب، كون شريحة واسعة من المثقفين المغتربين تشتغل بالأسف في صيغة المفرد من دون رابطة أو عصبة تجمع بينهم وتجعل من كل واحد من هؤلاء كثير متعدد مع كثير متعدد، بمعنى غياب رابطة أو عصبة للأدباء المغتربين.. هذا الرأي يدحضه فريق آخر بالقول إن الاشتغال في صيغة المفرد هو ما يميز الإبداع، فإذا فقد المبدع فرادته فإنه سيسقط  في أحضان الجماعة والكل يعرف ما لهذه من سلطة استبدادية قاهرة.

عن فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *