الرئيسية / كتاب الرآي / الأمير الضفدع!

الأمير الضفدع!

آخر تحديث :2016-08-12 09:44:50

مع هذا الحر الذي يصب لهيبه على بلادنا هذه الأيام، يزداد الإقبال على الماء… الماء بجميع أشكاله، من ماء القناني إلى ماء الصنبور، وماء البئر والسقاية…

المهم الماء، لتفادي الاجتفاف وحتى “سخونية الرأس”! من الماء الصالح للشرب أو شبه الصالح لذلك! إلى الماء الصالح للسباحة أو الرش أو الاستنشاق كرذاذ على شاطئ ما أو نهر أو حتى نافورة.

سأكتفي هنا بالحديث عن المياه المعبأة، ليس كنوع من الترف من جهتي، ولا لعقد مقارنات ولا لمناقشة جودتها أو أسعارها. أعذروني، سأتحدث عنها للشكوى من تفصيل تافه أو موقف بسيط أكيد أن كل من يقتني قنينة ماء يتعرض له كلما همَّ بفتحها. ألم تلاحظوا معي أن قنينة الماء، على اختلاف ماركاتها بشرط أن تكون مغربية، مملوءة حتى “فمها” وتتطلب ممارسة رياضة كمال الأجسام لفتحها من شدة إحكام غلقها!

هناك من سيقول لماذا قد يشتكي أي شخص من هذا وهل هو شيء يستحق حتى أن يذكر في جريدة محترمة كهذه! من حقه أن يتساءل ويتلقى توضيحاً عن أسباب النزول، ودافعي للكتابة هنا ليس “التحشيمة” التي يحس بها كل من حاول عبثاً التغلب على”غلاقة” بمثل ذلك الحجم، وليس الاضطرار إلى الاستنجاد بسواعد أشد وبأيدي أكثر خشونة لحل مأزق فتح قنينة الماء.

سبب النزول هو أن هذا التفصيل البسيط يثير أعصابي دائماً وبشكل يومي، لأنه يحيلني، ربما لخيالي الغريب أو لسذاجتي، على قضية أعمق، ومفهوم فلسفي اجتماعي أكبر، ألا وهو “الثقة”، وبالأحرى انعدام الثقة بيننا. أكاد أعتقد جازمة أن ملء قنينة الماء وإغلاقها بتلك الطريقة من طرف جميع الشركات التي توجه منتجها لسوقنا الداخلي لم يأت من عبث. فبالنسبة إليها، ربما تلك هي الوسيلة الوحيدة لإثبات حسن نيتها وعدم غشها في كمية الماء المعبأة، وكذلك بالنسبة للموزعين وللبائعين فإحكام إغلاق القنينة علامة على أنهم لم يتلاعبوا بمحتواها، كأن الجميع مدان حتى تثبت براءته وهو مطالب باستمرار إلى دفع الشبهات عنه لأنه موضع شك من الآخر، ذلك الآخر الذي يرتاب فيه بدوره ولا يعتبره أهلاً للثقة.

دائرة مفرغة هي “الديكارتية” على الطريقة المغربية! تقوم على تبادل الارتياب والشك وانعدام الثقة وتوقع الأسوأ في جميع الأحوال.

لا ريب أنكم تعرفون حكاية الضفدع الذي يتحول إلى أمير عندما تقبله الحبيبة، قصة رومانسية لكنها من صنع الخيال، خيال جميل أثث براءة أجيال وجعل عددا لا يستهان به من البالغين يصدق أن التغيير للأفضل ممكن. غير أنه خيال شبه مفقود عندنا، يقابله خيال مخنوق وخانق يحول الأمير إلى ضفدع دائماً مهما حاول، ومهما كانت الظروف نفترض أن الأمير سيتحول إلى ضفدع، وأن كل سلوك أو مظهر لائق أو حتى إلقاء التحية والتصرف بأدب كما هو مفروض على أي إنسان مجرد قناع أو طعم للاحتيال علينا وسلبنا شيئاً حتى وإن كان مجرد ابتسامة. وإن صدقنا أو منحنا ثقتنا “الغالية” لصاحب ذلك التصرف البشري، سيحقق مصلحة ما “على ظهرنا”.

من كثرة ما تعرضنا للطعن في الظهر من طرف المقربين، وأحببنا أشخاصاً بصدق تبين فيما بعد أنهم لا يستحقون دقيقة من وقتنا، ووضعنا ثقتنا في أناس تخلوا عنا عند أول منعطف، من شدة ما صُدِمنا وتمت خيانتنا واستغلال حسن نيتنا، صرنا لا نصدق قصة الضفدع التي يصير أميراً.

الحقيقة أن الأمير لا يتحول دائماً إلى ضفدع كما نعتقد. خوفنا من الخداع هو من يجعلنا نتخيل ذلك، فنحجب ثقتنا عن الكل، بل حتى عن أنفسنا. خوفنا التاريخي من خيبة الأمل يمنعننا من الحياة بعفوية، من الحياة ببساطة، بينما الأمل وخيبة الأمل هما وجهان لعملة واحدة هي الحياة. وحده من لا يحيى لا يعرفها… وحده من لا يحب بكل جوارحه، من لا يثق في الآخر، من لا يضحي من أجل أي شيء أو أي أحد لا يعرف معنى الحياة.

وبالتالي، فالخوف من منح الثقة للآخر هو في نهاية المطاف خوف من الحياة، لأن الطريقة الوحيدة منطقياً للتأكد من عدم خيانة الآخر لثقتنا هي منحه الثقة في المقام الأول. إذ كيف يعقل أن يخون شخص ما ثقة لم تُمنَح له أصلاً؟!

لكي نحيى (وأقصد هنا الحياة وليس مجرد العيش)، لا مفر من أن نثق في بعضنا البعض. فكفى من تخيل الضفادع في كل مكان، فهي لا تعيش خارج بِرْكَتِها، خصوصاً في هذا الحر!

عن بقلم: زكية حادوش

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *