الرئيسية / تقارير / التغيير… هل أصبح مستحيلا على أرضنا؟

التغيير… هل أصبح مستحيلا على أرضنا؟

آخر تحديث :2017-10-29 12:32:59

التغيير… هل أصبح مستحيلا على أرضنا؟

الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي
الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي

عندما بدأت تظهر علامات الإعياء والقنوط على حكومة التناوب التوافقي، وتبين لها أن “التغيير” ليس شعارا مجانيا يمكن استهلاكه بسهولة ويسر، أدرك الجميع، أن المجتمع المغربي، وبالرغم من كل المساحيق التي تلمع وتزين واجهته، يظل في العمق مجتمعا متخلفا، يعاني من سلسلة أمراض منها الواضح ومنها الخفي، وهو ما يجعل من “التغيير” الذي يبدو أن المغاربة مجمعون على ضرورته، عملية صعبة، ومازالت في حاجة إلى فهم واستيعاب وإدراك… واستعداد.

إن التغيير في المفاهيم العلمية لا يمكن أن يكون فوقيا، يمس التنظيمات والقوانين فحسب بل هو مجموعة عمليات تهدف قبل كل شيء إلى تغيير الأفراد والجماعات والتنظيمات والمناهج والأنظمة والقوانين. لأن الأمر يعني الانتقال من مرحلة استنفذت إمكاناتها و بدأ يطبعها الجمود، إلى مرحلة أخرى أكثر حيوية وأكثر تطورا، أكثر استيعابا لطبيعة المرحلة، وهو ما جعل “حكومة التناوب التوافقي” عاجزة عن الاقتراب منه، أو التداخل معه … بل هو ما جعلها في نهاية المطاف، تتخلى عن شعارها المركزي والأساسي، والانغماس في أوراش “الإصلاح” التي ميزتها في بداية الأمر، عن الحكومات السابقة … بل هو ما جعلها في نهاية المطاف ، ترحل بلا أسف، و دون أن تعطي التغيير أو الإصلاح مفهومهما على ارض الواقع.

إن عصر السرعة المذهلة، عصر القرية الكونية المتواصلة، التي أصبح الإنسان يعيش عليها بجسم واحد، و عقل واحد، و إدراك واحد، تجاوزت أوراش حكومة التناوب و جعلت السؤال يعود من جديد.

أي تغيير يصلح حالتنا المتردية، التي يتكرس عليها الفساد من كل جانب؟• ما الذي ينبغي لنا تغييره؟ .

هل يتعلق الأمر بطريقة أداء الحكومات المغربية للأعمال التي تقومون بها، أم المسالة تشمل هذا الأداء ذاته؟

  • ما هو الطريق الذي يصلنا إلى التغيير المنشود؟ 
  • هلنحتاجإلىالعقل،أمإلىالأدواتالتقنية،أمإلىالإرادة؟ 
  • كيف نصل إلى الالتحام بعصرنا ؟ 
  • كيف نصل إلى استئصال الفساد و التخلف الذي يضربنا في العمق؟ 
  • كيف نصل إلى تأمين التضامن والتكافل الاجتماعي …؟ 
  • هل نحتاج في ذلك إلى الموارد البشرية أم إلى الأخلاق… أم إلى الإدارة…؟

آلاف الأسئلة … و”التغيير” من خلالها يبدو – بالنسبة لوضعنا- مازال بعيدا، ليس لأنه يعني في هذه الحالة، التفتح على الأفكار والتكنولوجيا و مفاهيم العمل السياسي / الثقافي / الاقتصادي، الحديثة، والمرتبطة بعصر العولمة التي تفصلنا عنه معالم الفساد و الزبونية و التخلف و الانتهازية، التي تضرب في أعماق إدارتنا، و لكن أيضا لان التغيير لا تتصدق به الدولة أو قادتها الكبار، انه ضرورة دائمة بحكم منطق الحياة العادية، كلما توقف توقفت معه دواليب الاستمرار والتواصل و التقدم.

إن التغيير مهما كانت أسئلته ملحة أو طارئة، أو محرجة، لا يمكن أن يكون مطلبا يطرح على الدولة التي لم تحسم بعد روح الفساد الذي يسكن معظم دواليبها، فهو مطلب دائم تتطلبه الحياة في صيرورتها اللامتوقفة، حتى في المجتمعات التي تسكنها روح الفضيلة العامة، والتي لا تتردد في معاقبة الذين يمسون بها، أو الذين تسول لهم أنفسهم بذلك.

إن التغيير ليس مجرد ضرورة ، بل أكثر من ذلك و أبعد منه، شرط من شروط التعايش و الاستمرارية … لذا كانت و ما تزال شروطه كأسئلته، جادة و قاسية و محيرة على مستوى الدولة. و صعبة و مستحيلة على مستوى مؤسساتها المختلفة، و تلك هي المشكلة التي سنحتاج إلى زمن آخر لهضمها و فهمها و قراءتها و تحليلها.

هكذا عندما نقوم بمراجعة الأطروحات التي اعتنت بالتغيير على صعيد التنظير الأكاديمي، كما على صعيد النضالات الحزبية و الحركية، سنجدها مركزة على الإدارة. باعتبارها هي المدخل الأساس لكل إصلاح و تغيير، و سنجدها أكثر من ذلك مطبوعة بالتطلع الشعبي / الجماهيري، إلى أعتاب العصر التكنولوجي الجديد، تسعى إلى حجز مكان بارز للمغرب على الخريطة الدولية، باعتبار أن الإدارة السليمة، هي المفتاح السليم لكل تغيير، و لكل تقدم و ازدهار اقتصادي / اجتماعي /… و حضاري قادم.

إن الأسلوب ، الإداري الذي اتخذه العالم الجديد، اعتمد منذ عدة عقود في الدول المتقدمة صناعيا و اقتصاديا مبدأ “إدارة الأهداف” التي أعطت كل الاعتبار للتكنولوجيا و ثورة المعلومات في عملها اليومي … وعملها الاستراتيجي وهو المبدأ نفسه الذي واجه تحديات العصر وما واكبها من منطلقات أهداف التنمية. و الذي حقق “النجاح” المطلوب لإدارة هذه الدول.

من هنا نرى، أن الإصلاح الذي ينشده التغييريون والإصلاحيون في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا الوطني، إصلاح يجب أن لا يتجه فقط إلى محاصرة الفساد و التسيب، أو إلى الرفع من أجور الموظفين، أو إلى التخفيف من اللامركزية المفرطة، ولكن بالأساس يجب أن يتجه إلى القيام بثورة إدارية حقيقية، تعيد هندسة الإدارة المغربية وهيكلتها علميا بما يواكب تحديات العصر ومتطلباته، وربطها بمبادئ الثقافية والجودة و المصداقية.

إن المغرب الذي استيقظ مؤخرا على إيقاع الإصلاحات، بعدما وجد نفسه مرتبطا بالشراكة مع أوروبا وأمريكا وإفريقيا ومع السوق العالمي من خلالها، لا ولن يستطيع نقل مؤسساته الاقتصادية والإنتاجية و الخدماتية إلى مستوى متطلبات المنافسة العالمية وتأهيلها لمواجهة التحديات المطروحة خارج شروطها الحضارية / الثقافية / التكنولوجية … وهي شروط يجب أن تتجاوز مفهوم “النية” إلى العمل قبل فوات الأوان، كما يجب أن تتجه إلى الموظف والمرفق والمؤسسة والقانون المنظم بينها وبين المواطن… بينها وبين الاستثمار الخارجي … وبينها وبين أخلاقيات التعامل … وذلك قبل أن تتجه إلى أي إصلاح آخر.

الإدارة في المفهوم الحديث، لا تشكل فقط أحد عناصر التوازن الأساسية للدولة الديمقراطية / الليبرالية. ولكنها أيضا تشكل قاعدة أساسية لكل تنمية ولكل تغيير اقتصادي واجتماعي وثقافي. لذلك نرى أن أي “انفتاح” لهذه الإدارة خارج شروطه الموضوعية، (وهي ما نعنيه “بالثورة” على مفاهيمها وهيكلتها) يبقى ” انفتاحا” مستحيلا.

إن وضعنا الإداري اليوم، و في ظل غض الطرف عن الفساد المتعدد الصفات والأصناف، وعدم القيام باستئصاله من جذوره، واتخاذ الإجراءات الرادعة ضد مرتكبيه صغارا وكبارا، يتطلب استدراك الزمن الضائع للإدارة المغربية ولن يأتي ذلك في نظرنا بمعالجة سريعة، أو بإصلاح مرتجل، ولكنه قد يأتي “بثورة” شاملة، تركب على نفس القطار الذي يركبه العالم المتقدم الذي بدأ يفرض علينا شروطا اقتصادية وأمنية وثقافية، يجب أن نكون في مستوى تحدياتها.

والثورة هنا تشترط الوعي الكامل والشامل بحالة الفساد القائمة على جنبات جهازنا الإداري. والتسلح بالشجاعة والجرأة والإيمان، لقطع الطريق على الجماعات النافذة والتي يهمها أمر استمرار المغرب على رصيف التخلف والتقهقر والتسيب. 

أفلا تدركون؟

بقلم // محمد أديب السلاوي

عن بقلم: محمد أديب السلاوي

شاهد أيضاً

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟ بقلم// محمد أديب السلاوي   -1-         لم يعد خفيا على أحد، أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *