الرئيسية / كتاب الرآي / الخارجية الفرنسية في وضعية شرود شاذة.. مع تراجع نفوذها في أكثر من رقعة جغرافية

الخارجية الفرنسية في وضعية شرود شاذة.. مع تراجع نفوذها في أكثر من رقعة جغرافية

آخر تحديث :2017-04-03 12:00:59

الخارجية الفرنسية في وضعية شرود شاذة.. مع تراجع نفوذها في أكثر من رقعة جغرافية

أحمد الميداوي

  • العلم// بــاريس-أحمد الميداوي

بدا ضباب كثيف يلف توجهات الدبلوماسية الفرنسية، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول خيارات فرنسا بين الإبقاء على الدبلوماسية العريقة والخطوط الثابتة المستمدة من مبادئ الثورة الفرنسية، أو كسر الجمود الذي يلف هذه الثوابت وتكريس القطيعة التي حمل لوائها في الخارج الوزير الاشتراكي السابق لوران فابيوس المعروف بتأييده للحرب على العراق وبتناغمه مع المحافظين الأمريكيين الذين خططوا وقادوا هذه الحرب. وبين الخيارين، لا يملك المراقبون إلا أن يقروا بتراجع التأثير الدولي لفرنسا في أكثر من رقعة جغرافية.. في أفريقيا منطقة نفوذها القديمة في العهد الاستعماري والتي أصبحت تغازل اليوم الولايات المتحدة والصين وغيرهما من الدول ذات الأطماع الاقتصادية والسياسية المختلفة، وفي أوروبا حيث لم يلاق المشروع الأوروـ المتوسطي الذي أطلقته فرنسا نجاحا يذكر اللهم من البهرجة التأسيسية التي رافقته، وفي الشرق الأوسط الذي توجد فيه فرنسا في وضعية شرود شاذة، حتى إن الكثير من الأوساط لا تتردد في التأكيد على أن الدبلوماسية العريقة لفرنسا في المنطقة، بصدد تلقي ضربات موجعة في العهد الجديد.

وتخشى ذات الأوساط أن تؤدي الدبلوماسية الاقتصادية التي ركز عليها منذ عقدين الرئيسان نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند من خلال الصفقات التجارية التي عقداها بالملايير مع دول الخليج والمغرب العربي والصين وغيرها، إلى تهميش فرنسا سياسيا وتغييبها عن جوهر النزاع في الشرق الأوسط  بأزماته الأربعة (الفلسطينية، واللبنانية والعراقية والإيرانية). فحتى اليوم، لم تفلح الدبلوماسية الفرنسية في تكريس سياسة فاعلة ومؤثرة في الرقعة السياسية الدولية، وتحقيق اختراق دبلوماسي جدير بمكانة فرنسا ونفوذها الدوليين.

ثم إن شعلة العشق التي انغرست منذ عقود في قلب العلاقات الفرنسية الإفريقية، آخذة اليوم في الانطفاء تحت تسارع الأحداث السياسية وتناقضها من جهة، وتوجه الخارجية الفرنسية نحو القطيعة مع ماضي وحاضر الجمهورية من جهة أخرى. فقد جعلت الدبلوماسية الجديدة من مهاجمة السياسة الديجولية ورقة أساسية غير عابئة بالثقل الإفريقي في ميزان العلاقات الخارجية. وتؤكد تقارير أعدها 42 من السفراء الفرنسيين المعتمدين بإفريقيا في خريف سنة 2015 بطلب من وزارة الخارجية، بأن مشاعر الثقة آخذة في الاهتزاز وأن صورة فرنسا فقدت كثيرا من بريقها في القارة الإفريقية.

وتتأرجح صورة فرنسا بناء على هذه التقارير بين النفور والامتعاض من السياسة الإفريقية لفرنسا التي لم تعد “المرجع الوحيد ولا الرئيسي في إفريقيا”، وهو أمر تخشى معه الدبلوماسية الفرنسية أن تكون بصدد فقدان أهم معاقلها السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية. وتفيد التقارير التي اعتبرتها الخارجية الفرنسية “وثيقة طريق” لتصحيح أخطاء الدبلوماسية الفرنسية، أن الفرنسيين من جانبهم لا يدركون بما فيه الكفاية بأن الأفارقة حققوا من شروط التنمية ما يؤهلهم إلى اقتحام العولمة بوتيرة أسرع مما تتصوره فرنسا، وأن دولا كبرى مثل الصين والهند والبرازيل وأيضا الولايات المتحدة الأمريكية، أخذت لها موطنا متقدما في القارة قد يعصف بكل الأحلام والتطلعات الفرنسية في المنطقة.

ومن بين أسباب انطفاء شعلة العشق الإفريقي لفرنسا، كما تشرحها وثيقة السفراء، الدعم الصريح الذي تقدمه باريس لبعض القادة المستبدين حيث تواجد القواعد العسكرية الفرنسية يقوي الشعور لدى المواطن الإفريقي بأن فرنسا لا تتحرك سوى لحماية الحكومات المتسلطة تحت ذرائع واهية.

وينتاب الأفارقة الشعور بأن فرنسا تخلت عنهم في مجالات تنموية عديدة، كما يعيبون عليها استهتارها بحقوق المهاجرين حيث كلما ازداد فتيل الضواحي الفرنسية اشتعالا، تقوى شعور الشباب الإفريقي بأنه مستهدف.

وإثر توليه الرئاسة، وضع هولاند سياسته الخارجية  تحت عنوان مركزي : “تفادي الصراع بين الإسلام والغرب”، من خلال خارطة طريق أشهر فيه صداقته لإسرائيل، ودعمه للدول العربية المعتدلة، ورفضه لما أسماها ب”حماستان” في قطاع غزة. وبدا من خلال التصور الذي رسمه لمعالجة أزمات الشرق الأوسط الأربع (الفلسطينية، واللبنانية والعراقية والإيرانية)، جد قريب إذا لم نقل منحازا إلى الطروحات والتوجهات الأمريكية، حتى وإن شدد على إن “التحالف لا يعني الانحياز”.

وسيظل الجمعة 4 أبريل 2009، واحدا من الأيام المشهودة في التاريخ السياسي الفرنسي حيث فيه ستدفن فرنسا في عقر دارها (ستراسبورغ) الإرث التاريخي الأخير للديغولية المتمثل في الاستقلال الأمني والعسكري عن أمريكا. وفيه ستوقع بهدوء جليدي عقد الرجوع إلى حلف الناتو بعد 43 عاما من طلاق شجاع ومريح شرحه الجنرال ديغول للفرنسيين سنة 1966 بقوله :” رغبة فرنسا في تقرير مصيرها بنفسها، يتعارض وخضوعها لمنظمة دفاعية”. القرار أثار جدلا وتلاسنا حادين في الأوساط اليمينية واليسارية على السةاء، حيث لم يفت بعض الوجوه الديغولية الوازنة من التحذير من أن الحلف الأطلسي قد “يقيد فرنسا دبلوماسيا ويعرضها للأعمال الإرهابية”، فيما عبر آخرون بصوت عال عما يجول بخاطر الكثيرين بقولهم إن تطورا كهذا يكبل أيادي فرنسا ويمنعها من صياغة سياسة مستقلة.
غير أن فرنسا حتى وإن أقحمت نفسها في حلف الناتو للتقرب بشكل جوهري من الولايات المتحدة الأمريكية، تدرك بالتأكيد احتياجها اليوم للتصالح مع التيار الديجولي واستحالة محو تاريخ طويل وعميق بجرة قلم أو بخطاب عابر.

عن فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *