الرئيسية / سياسة / الرئيس رجب طيب أردوغان أمام تحديات المستقبل: صراع غير معلن بين تركيا وأمريكا حول الحالة الكردية.. بقلم // عبد القادر الإدريسي

الرئيس رجب طيب أردوغان أمام تحديات المستقبل: صراع غير معلن بين تركيا وأمريكا حول الحالة الكردية.. بقلم // عبد القادر الإدريسي

آخر تحديث :2017-08-29 16:09:56

الرئيس رجب طيب أردوغان أمام تحديات المستقبل: صراع غير معلن بين تركيا وأمريكا حول الحالة الكردية.. بقلم // عبد القادر الإدريسي

الكاتب عبد القادر الإدريسي
الكاتب عبد القادر الإدريسي

لا يشعر الزائر لتركيا خلال هذه الفترة، أن هذه الدولة تخوض حرباًَ ضروساً ضد الإرهاب على جميع المستويات، وأنها محاصرة بالأزمات المشتعلة على حدودها الجنوبية والشرقية. فالوضع العام مستقر والأمن مستتب، والاقتصاد استرجع عافيته، والسياحة في تصاعد مطرد، والأسواق عامرة رائجة، والحكومة تملك زمام الأمور بيدها، والرئيس رجب طيب أردوغان يدير شؤون البلاد بثقة متزايدة وبمهارة عالية، والحزب الحاكم يستعد للانتخابات البلدية والبرلمانية التي ستجرى في سنة 2019 التي فيها ستدخل التعديلات الدستورية مجال التنفيذ، ومن أهمّها الجمع بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، ورفع عدد أعضاء البرلمان إلى ستمائة نائب، وخفض سن المترشحين لعضوية البرلمان إلى ثماني عشرة سنة، وتعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية. فلا شيء في الأفق إطلاقاً يُـشعر الزائـرَ لاستانبول، وهي أكبر المدن التركية والعاصمة الاقتصادية والقطب الصناعي الأكبر، بأن البلاد في حالة استثناء منذ شهر يوليو سنة 2016 إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة التي كان لها ما بعدها وخلفت تداعيات شاملة، ولكنها وطدت أركان النظام، وحررت البلاد من المعوقات الكثيرة التي كانت تحدّ من انطلاقتها.

والذين يتابعون أداء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ويقرأون الخريطة السياسية جيداً في ضوء المتغيرات المتلاحقة التي تعرفها المنطقة، يدركون جيّـداً أن القيادة التركية تسير في الاتجاه الصحيح، وأن التحدّيات التي تواجه البلاد لم تزدها سوى صلابة في المواقف، وشجاعة في ردود الفعل، وثباتاً على المبادئ التي أنشئ عليها حزب العدالة والتنمية الذي يتولى الحكم منذ سنة 2002. فعلى الرغم من الصعوبات البالغة الحدة التي تواجه الرئيس أردوغان من جراء تصاعد الأزمات على حدود بلاده، فإن تركيا لم تتأثر بالتداعيات الناتجة عن الأزمة في سوريا كما كان يتوقع، ولم يفقد النظام السيطرة تماماً على الموقف، ولم يتراجع عن إثبات الحضور على الساحتين الإقليمية والدولية. فتركيا اليوم من اللاعبين الرئيسين في الإقليم، وهي الرقم الصعب في المعادلة السياسية في المنطقة، حتى وهي تقف في وجه السياسة الأمريكية وتتعارض مواقفها مع مواقفها في أمور حيوية وحساسة كثيرة، تتعلق بالحالة السورية بصفة عامة، وبالوضع في شمال العراق، خصوصاً الموقف من الأكراد في كلتا الدولتين.

البرودة في العلاقات التركية-الأمريكية هي الموضوع الذي يشغل بال المراقبين المتابعين للأوضاع في تركيا؛ فالدعم الأمريكي للميليشيات الكردية في سوريا، والاستفتاء المزمع على استقلال إقليم كردستان شمال العراق، يشكلان أزمة لدى أنقرة التي لا تخفي قلقها إزاء استمرار الدعم الأمريكي لـ (وحدات حماية الشعب الكردية السورية) ـ (لاحظوا الغموض في التركيب هنا) ـ وذلك في إطار تحالف واشنطن مع قوات سوريا الديمقراطية (قـسـد) في عملية تحرير الرقة. وهذه إحدى المسائل الغامضة في السياسة الأمريكية التي تشكل مصدر قلق دائم لدى أنقرة. ولئن كانت واشنطن قد قدمت ضمانات بإطلاع أنقرة على الأسلحة التي ترسلها لتحالف قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك جمع هذه الأسلحة بعد انتهاء عملية تحرير الرقة وعدم السماح بانتقالها إلى حزب العمال الكردستاني في تركيا، إلا أن أنقرة لا تثق في هذه الضمانات، وهي ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب بالنار حين تدعم أكراد سوريا على حساب حليفتها التقليدية في حلف شمال الأطلسي.

وخلال استقباله لوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في أنقرة يوم الأربعاء 24 أغسطس الجاري، أبلغ الرئيس رجب طيب أردوغان المسؤول الأمريكي بأن الولايات المتحدة بدعمها للميليشيات الكردية بالسلاح تكرر أخطاء سابقة ارتكبتها في العراق، وأن علاقة التحالف القائمة بين تركيا وأمريكا تفرض مراعاة الحساسيات التركية تجاه هذا الموضوع، لا سيما أن (وحدات حماية الشعب الكردية) هي امتدادات لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة تنظيماً إرهابياً.

وتـعـدّ تركيا “وحدات الحماية” منظمة إرهابية، تريد إقامة ما سماه الرئيس أردوغان بـ “ممر إرهابي” في شمال سوريا يصل إلى البحر المتوسط.

وقد صرح الرئيس أردوغان بأن (هناك عشائر كردية في عفرين تتعاون مع تركيا، وأن أهمية عفرين الاستراتيجية تلزم تركيا باتخاذ إجراءات فورية إذا كان أمنها مهدداً بالتطورات في المنطقة). وأضاف: (في عفرين، هناك أكراد متعاطفون مع تركيا، وهناك أكراد يدعمون حزب الاتحاد الديمقراطي (الجناح السياسي لوحدات الحماية)، ويؤلمني جداً استخدام كلمة أكراد، لأن تركيا لا تواجه أي مشكلات مع إخواننا الأكراد، كما أننا لا نوافق على الوقوف أمام جميع الأكراد باعتبارهم مؤيدين لحزب العمال الكردستاني المحظور، كما لا نتفق مع من يرى جميع الأكراد في عفرين مؤيدين للاتحاد الديمقراطي). وتابع الرئيس التركي تصريحاته قائلاً : (بحثنا هذه المسألة مع كل من روسيا وإيران، وخلال الزيارة التي قام بها رئيس الأركان العامة للجيش الإيراني محمد باقري، تحدث عن هذه المسألة معي شخصياً، إضافة إلى بحثها مع رئيس أركان الجيش التركي خلوصي أكار ورئيس المخابرات هاكان فيدان).

وكانت تركيا في الأسابيع الأخيرة قد هددت مراراً بالتدخل عسكرياً، خصوصاً في منطقة عفرين الكردية، في شمال غربي سوريا. وقال أردوغان لجريدة “حرييت” : (إن تصميمنا بشأن عفرين لم يتغير. وخططنا مستمرة كما هو مقرر). ولا تخفي أنقرة مخاوفها من إمكانية امتداد عمليات التحالف الدولي للحرب على “داعش” بقيادة أمريكا بالتعاون مع تحالف قوات سوريا الديمقراطية الذي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية غالبية قوامه، إلى إدلب بشمال سوريا، لا سيما بعد إعلان واشنطن عن تحول هذه المدينة إلى أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم، والتهديد الأمريكي لمنظمة النصرة.

وفي تقرير لسعيد عبد الرازق مراسل جريدة الشرق الأوسط من أنقرة (وهو بالمناسبة ذو كفاءة عالية واطلاع واسع)، ذكر أن هذا القلق دفع تركيا إلى تكثيف التنسيق مع كل من روسيا، التي سيزور رئيس أركان جيشها أنقرة قريباً، وإيران التي زار رئيس أركانها تركيا الأسبوع الماضي، بشأن إعلان منطقة لخفض التصعيد في إدلب، ستخضع حمايتها على الأغلب لقوات تركية، كون الدول الثلاث هي الضامنة لعملية أستانة التي أطلقت اتفاقية مناطق خفض التصعيد والتي تشارك أميركا في حمايتها بحسب الخطة التي طرحت في أستانة. ويخشى أن يكون مصير أدلب كمصير حلب التي دمرت على رؤوس أهاليها ومحيت معالمها التاريخية من فوق الأرض.

وكان الرئيس أردوغان قد جدد مع وزير الدفاع الأمريكي معارضتهما لاستفتاء بشأن استقلال كردستان العراق من المقرر تنظيمه في 25 سبتمبر المقبل. وسبق أن عبرت تركيا والولايات المتحدة عن قلقها إزاء الاستفتاء. وشدد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، عقب مباحثاته في بغداد في الأسبوع الماضي، على ضرورة الحفاظ على العراق موحداً، لافتاً إلى أنه طلب في مباحثات لاحقة مع رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني إلغاء الاستفتاء. ولقد اتضح في مرات عدة أن ثمة (سوء تفاهم) بين واشنطن وأنقرة بخصوص الحالة الكردية. ولا يعرف على وجه الدقة ما هي  الدوافع التي أدت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى التحالف مع أكراد سوريا، مع علمها بأن هذه المسألة تسبب حساسيات مفرطة لدى حليفتها تركيا. ولكن من المؤكد أن الرئيس أردوغان يدير هذا الملف برباطة جأش، كما هو شأنه في التعامل مع الأزمات الساخنة في الإقليم.

من هذه الزاوية يتضح للمراقبين أن ثمة صراعاً غير معلن بين أنقرة وواشنطن حول الحالة الكردية. وهو الأمر الذي يشكل أحد التحديات التي يواجهها الرئيس أردوغان خلال هذه المرحلة الحالية، لا سيما وأن الغموض يلف النوايا الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك موقفها من محاربة داعش التنظيم الإرهابي الذي يحمل اسم الدولة الإسلامية الذي أُعطي له واختير بدقة متناهية في (مختبرات صناعة الإرهاب الدولي) لفرض السيطرة الغربية على الشعوب العربية الإسلامية والاستيلاء على مواردها.

ولكن الزائر لتركيا خلال هذه الفترة لا تبدو أمامه هذه الخطوط الحمراء، فهو يتجول في المدن والقرى والجـزر في أمن تام وأمان كامل، والحياة من حواليه تفور بالحركة الدالة على العافية وقوة الحكم واستقرار الأوضاع، وإن كانت الأخبار عن المحاكمات والتوقيفات والاعتقالات لمن وجهت إليهم التهم بالضلوع، على نحو أو آخر، في المحاولة الانقلابية الفاشلة، تثير بعض الأسئلة التي لا جواب عنها حتى اليوم. وهذا هو موضوع المقال المقبل عن تركيا اليوم. 

الرئيس رجب طيب أردوغان أمام تحديات المستقبل: صراع غير معلن بين تركيا وأمريكا حول الحالة الكردية.. بقلم // عبد القادر الإدريسي
الرئيس رجب طيب أردوغان أمام تحديات المستقبل: صراع غير معلن بين تركيا وأمريكا حول الحالة الكردية.. بقلم // عبد القادر الإدريسي

عن عبد الـقـادر الإدريـسـي

شاهد أيضاً

الأمم المتحدة تكرم سبعة من حفظة السلام المغاربة قضوا أثناء أداء مهامهم

الأمم المتحدة تكرم سبعة من حفظة السلام المغاربة قضوا أثناء أداء مهامهم

الأمم المتحدة تكرم سبعة من حفظة السلام المغاربة قضوا أثناء أداء مهامهم منح اليوم الجمعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *