الرئيسية / كتاب الرآي / تخبط التحالف الأمريكي الإسرائيلي التركي مع مسارات الحرب على أرض الشام

تخبط التحالف الأمريكي الإسرائيلي التركي مع مسارات الحرب على أرض الشام

آخر تحديث :2017-01-31 14:47:12

تخبط التحالف الأمريكي الإسرائيلي التركي مع مسارات الحرب على أرض الشام

متاهات المناطق الآمنة والتدخل العسكري المباشر

  • العلم: عمر نجيب

تتسارع الأحداث على أرض الشام مما يفرض طرح تساؤلات كثيرة حول الإتجاه الذي ستأخذه تطورات هذه الحرب الدولية الدائرة منذ مارس 2011، والتي ستفرض نتائجها إسقاطات على كل الشرق الأوسط.
من جهة يتابع الجيش العربي السوري تقدمه على أغلب الجبهات ضد الجماعات المسلحة التي لم تشارك في إتفاق وقف القتال الذي سبق مؤتمر إستانا المنعقد يوم الإثنين 23 يناير، ومن جهة أخرى تعمقت الشروخ بين الكثير من الفصائل المسلحة التي لها وجود ملموس على الأرض واتسع نطاق المعارك بينها، فيما بدأت مجموعات مسلحة القبول بالإندماج مع تنظيمات أقوى تتمتع بدعم خارجي مادي وفير. وعلى صعيد البحث عن فرص التسوية السياسية راوحت الأمور مكانها وتعددت المواقف المتضاربة بين خصوم حكومة دمشق سواء المحليين أو الإقليميين والدوليين، وفيما واصلت روسيا تسجيل المكاسب عسكريا وسياسيا، بدأت واشنطن جهودا جديدة للعودة للعب دور رئيسي في صراع إنغمست فيه منذ البداية ولكنها وبعد مسارات إيجابية لسياستها استمرت زهاء أربع سنوات واجهت تحولا كبيرا في موازين القوى على ساحة الصراع وأخذت تتكبد مع حلفائها ومنذ 30 سبتمبر 2015 نكسات متتالية لم تستطع وقفها حتى بداية سنة 2017.

تطاحن

يوم السبت 28 يناير 2017 أعلن عدد من القضاة الذين يصفون أنفسهم بالشرعيين في سوريا، انضمامهم إلى الجسم الجديد الذي تم تشكيله تحت اسم “هيئة تحرير الشام” بعد اندماج عدد من الفصائل مع جبهة فتح الشام.
وكانت عدة فصائل عسكرية منها لواء الحق وحركة نور الدين الزنكي وجبهة أنصار الدين وجيش السنة إلى جانب جبهة فتح الشام قد أصدرت بيانا مشتركا أعلنت من خلاله اندماجها الكامل وتشكيل جسم عسكري جديد حمل اسم “هيئة تحرير الشام” تحت قيادة المهندس أبو جابر هاشم الشيخ القائد السابق في حركة أحرار الشام الإسلامية. وقال بيان حمل توقيع ستة قضاة، من أبرزهم السعوديان عبد الله المحيسني ومصلح العلياني، “قررنا الانضمام إلى هذا الجسم المبارك، كما ندعو جميع الفصائل في هذه الثورة المباركة إلى المبادرة بالالتحاق بهذه الهيئة”.
وأوضح البيان، أن “السبيل الوحيد للقضاء على الفوضى ووقف سيل الدم هو أن يلتزم الجميع بوقف الاقتتال والعودة للاندماج” معتبرا أن هذا الكيان الجديد هو القادر على مواجهة المخاطر.
وكان زعيم هيئة “تحرير الشام” الجديدة أبو جابر الشيخ قد نشر، يوم السبت، “تغريدة” على حسابه على “تويتر” أعلن فيه استقالته من حركة أحرار الشام، بعد أيام من حل جيش الأحرار الذي اعتبر انشقاقا داخليا ضمن الحركة.
في حين قال المتحدث الرسمي باسم حركة أحرار الشام أحمد قرة علي “لم تدخل أي من تشكيلاتنا العسكرية ضمن هيئة تحرير الشام واستقالة هاشم الشيخ وأبو يوسف المهاجر جاءت بصفات شخصية وهم علقوا عضوياتهم”.
ودعا بيان للتنظيم “كافة الفصائل في الساحة السورية للالتحاق بالكيان الجديد الذي تقرر أن يكون بقيادة المهندس أبو جابر هاشم الشيخ وذلك بهدف الحفاظ على مكتسبات الثورة وتحقيق أهدافها المنشودة بإسقاط النظام”.
من جانبه، قال القيادي بالمعارضة السورية محمد الشامي في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية “د.ب.أ” إن التشكيل الجديد يهدف أيضا لتقوية موقف فتح الشام بانتساب أقوى وأكبر الفصائل إليها، كما يهدف أيضا “لإنهاء شبح تكتل وتضخم حركة أحرار الشام والتي نجحت في استقطاب أغلب الفصائل التي قاتلت جبهة فتح الشام مؤخرا مثل فصيل تجمع فاستقم وألوية صقور الشام وجيش المجاهدين والجبهة الشامية “قطاع ريف حلب الغربي” وجيش الإسلام “قطاع إدلب”.
ولفت الشامي إلى “انضمام خمسة من كبار المشايخ المؤثرين في الشمال السوري كله إلى هذا الكيان الجديد، مما يعطيه قوة معنوية في مواجهة باقي الفصائل التي قد تبتغي محاربته”، كما لفت إلى استقالة بعض قيادات حركة أحرار الشام أبرزهم أبو خزيمة المهاجر وأبو يوسف المهاجر وأبو الحسن الكويتي.
وتوقع الشامي، وهو قيادي بالجيش الحر أن يحدث هذا الكيان الجديد حالة من الضغط على باقي الفصائل المسلحة و”دفعها لطريقين لا ثالث لهما إما الانضمام للكيان الجديد بزعامة فتح الشام أو على الأقل الحياد عن فكرة قتالها”.
كما تحدثت تنسيقيات المسلحين أن أبو محمد الجولاني “أمير جبهة فتح الشام” سيكون القائد العسكري العام لهيئة تحرير الشام.

مناورة ناجحة

كتب المحلل السوري علي الدربولي:
فعلتها روسيا الإتحادية، ومن معها. فقط الآن استطعنا حل لغز عملية ترحيل المسلحين بكافة فئاتهم ولون شاراتهم من متطرفين ومعتدلين ممن خرجوا بمحض اختيارهم، ولعله كان المخرج الوحيد، باتجاه محافظة إدلب السورية بعد كل حصار يقوم به الجيش العربي السوري وحلفاؤه لمنطقة تواجد هؤلاء، أو بعد كل صفقة مصالحة تمت بين الحكومة والمعارضة …هكذا إذن:
جاءت نتائج مؤتمر”أستانا” بمثابة فتيل صاعق لتفجير فتنة بعد وله مديد، بين رفاق السلاح ممن ذهبوا ومن خلفهم إلى مفاوضات أستانا مع الحكومة السورية، وبين من تخلفوا ومن خلفهم عن تلك المفاوضات.
مباشرة بعد انتهاء اجتماعات “أستانا” وفي محافظة “إدلب” حيث تطور الإحتقان السياسي إلى صراع دموي، بعد تبادل اتهامات بالعمالة والتطرف والبغي، بين طرفين مسلحين رئيسين، وما لف لفهما: فتح الشام وأحرار الشام ومن لاذ بطرفيهما…بحكم اختلاف مرجعيتهما الدولية، والفكرية:
الأول: للسلفية الجهادية المدعومة من أطراف خارجية.
الثاني: لجماعة الأخوان ذات الغطاء المالي السياسي الموفر من جانب بعض أغنياء النفط، وفوق ذلك يأتي دور تركيا الكبير بفعل العوامل الجغرافية والفكرية والسياسية والعسكرية المساعدة، ومن حيث كونها مرجعية سياسية، ذات صلة بالتنظيم الدولي للإخوان.
المحلل والصحفي عبد الباري عطوان كتب في صحيفة رأي اليوم يوم الأحد 29 يناير:
الإنجاز الأكبر الذي حققه مؤتمر استانة في نظر مرجعيته الروسية الإيرانية التركية، هو حالة الفرز التي حدثت في المعارضة المسلحة، وفك الارتباط بين اهم تنظيمين فيها: الأول هو “فتح الشام” النصرة سابقا، المصنفة على قائمة الإرهاب، وحركة “احرار الشام”، الذراع العسكري لحركة “الاخوان المسلمين” التي باتت على حافة التصنيف كحركة “معتدلة”.
الداعية السعودي عبد الله المحيسني، ومعه مجموعة من السفليين السعوديين والخليجيين، اعلن انضمامه الى الهيئة الجديدة، وقد يصبح رئيس دائرة القضاء الشرعي فيها، مثلما كان حاله اثناء تواجده تحت مظلة “احرار الشام”، و”جيش الفتح” في منطقة ادلب، الأمر الذي ينبئ بأن شيوخ السلفية في الاردن مثل ابو محمد المقدسي، وأبو قتادة، وأبو سياف، قد يدعمون الهيئة الجديدة.
الوساطات نجحت في التوصل الى وقف القتال بين التنظيمين الجديدين في منطقة ادلب، لكنه قد يكون وقفا هشا، لان موافقة حركة “احرار الشام” على منظومة العملية السياسية في آستانة وقراراتها، تعني شن حرب لتصفية “هيئة تحرير الشام” وكل من ينضوي تحت لوائها من فصائل باعتبارها “هيئة إرهابية”.
اندماج الفصائل السلفية الخمسة في الهيئة الجديدة، وتزعم ابو جابر الشيخ لها، قد يؤدي الى اذابة الجليد بينها و”الدولة الإسلامية” ويعيدها مجددا الى تنظيم “القاعدة” بصورته الأصلية، وإزالة الخلافات مع زعيمه الدكتور أيمن الظواهري الذي تردد انه عارض تغيير اسم جبهة النصرة الى “فتح الشام” في محاولة لإسقاط تهمة “الارهاب” عنها، بإيعاز خليجي.
ربما يكون من السابق لأوانه الحديث عن اندماج بين الهيئة الجديدة و”الدولة الإسلامية”، لكن وجود التنظيمين على قائمة الارهاب، والتوقعات بهجوم كبير للقضاء على التنظيمين، قد يدفع باتجاه المصالحة، ومن ثم التنسيق بينهما.
الحرب المقبلة ربما لن تكون بين هذين التنظيمين والنظام في دمشق، وانما بين بعضهما البعض مثلما يرجح معظم المراقبين، وفي مدينة ادلب على وجه الخصوص، دعم تركيا، وربما روسيا لاحقا لحركة “احرار الشام”، ربما يتضاعف في الفترة المقبلة، ويتضمن معدات عسكرية حديثة ومتطورة، وهذا ما قد يفسر عدم مواصلة الطائرات الروسية قصفها لمدينة ادلب، وتسريع اخراج المعارضة المسلحة منها على غرار ما حدث في حلب.
من يتابع الهجمات وعبارات التخوين المتبادلة بين التنظيمين الكبيرين، والمستخدمة ضد بعضهما البعض في البيانات مثل “خوارج” و”كفرة”، حلفاء الشيطان، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، يدرك جيدا ان الهدوء الحالي هو مثل ذلك الذي يسبق العاصفة، فمن استمع الى محطة تلفزيون “وصال” وهي تقول ما معناه ان الجرائم التي ارتكبها الجولاني ضد جيش المجاهدين اكثر من تلك التي ارتكبها النظام، يدرك ما نقول.
تأجيل القيادة الروسية لمؤتمر جنيف الى نهاية شهر فبراير بعد ان كان مقررا في الثامن منه، ربما جاء من اجل حسم مسألة ادلب، والقضاء على “هيئة تحرير الشام” واخراجها من المناطق التي تسيطر عليها في المدينة ومناطق أخرى في الشمال السوري.
التفاهم التركي الروسي الذي حل محل التفاهم الأمريكي الروسي، غير كل المعادلات السياسية والعسكرية في سوريا، وبات يمهد لحل سياسي.

التفاؤل

عدد من الملاحظين يحذر من التفاؤل المبكر بإمكانية التوصل إلى حل سياسي، ويقدر أن المواجهات ستستمر لأشهر أخرى على أقل تقدير لأن أحد أطراف الصراع الدولي وخاصة الولايات المتحدة ومعها إسرائيل لم تسلم بأنها خسرت الرهان في حرب بلاد الشام. ويقول هؤلاء الملاحظين أنه لا يجب الثقة كثيرا بالتصريحات العلنية الصادرة عن ساكن البيت الأبيض الجديد الرئيس ترامب بشأن التعاون مع روسيا للقضاء على الإرهاب، فالحقيقة أنه كان هناك تباين دائم بين موسكو وواشنطن في تحديد الإرهابيين خاصة على الساحة السورية.
جاء في تقرير صدر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 28 يناير 2017:
شكل فشل الجهود الأمريكية الروسية المشتركة التي مثلها “اتفاق جنيف”، في سبتمبر 2016، نقطة تحول مفصلية في المشهد السوري أفضت إلى غياب فعالية الدور الأمريكي، في انتظار وصول خليفة باراك أوباما إلى البيت الأبيض. وفيما تم التعويل على مؤتمر أستانة الذي دعيت إليه إدارة الرئيس ترامب قبيل وصولها إلى البيت الأبيض، على أن تكون فاتحة لاستقراء التوجه الأمريكي الجديد في سوريا، جاء الحضور الأمريكي الباهت ليؤجل الخطوة الأمريكية الأولى. وبعد أقل من يومين على إنهاء أعمال أستانة، صدر عن البيت الأبيض أمر تنفيذي حول السياسة الجديدة لإجراءات اللجوء والهجرة، يتضمن فقرة تنص على “إنشاء مناطق آمنة” داخل سوريا وفي المناطق المحيطة.
الأمر التنفيذي الجديد، الذي تضمّن أول مؤشر واضح ضمن سياسة ترامب المرتقبة تجاه الملف السوري، أثار جدلا دبلوماسيا واسعا، وساقت بعض وسائل الإعلام في تفسيره كدليل على زيادة الانخراط العسكري الأمريكي في سوريا، فيما رحبت دول إقليمية عديدة بالمشروع الذي تبنته هي نفسها قبل سنوات، مثل تركيا وقطر.
وتشرح الفقرة التي تتضمن الإشارة إلى المناطق الآمنة أنه “عملا بقرار وقف إجراءات اللجوء لحملة الجنسية السورية، يوجه وزير الخارجية بالتعاون مع وزير الدفاع، بالعمل خلال 90 يوما منذ تاريخ صدور القرار، لإعداد خطة لتوفير مناطق آمنة داخل سوريا أو في المناطق المجاورة لها، يستطيع فيها المهجرون السوريون انتظار تسوية عادلة، مثل العودة إلى الوطن، أو إعادة التوطين المحتملة إلى بلد ثالث”.
وعلى عكس الطبيعة الإجرائية للأمر التنفيذي الأساسي الذي يطرح في أغلبه إجراءات للتضييق على الهجرة واللجوء إلى الولايات المتحدة، فإن تداعيات قرار إنشاء “مناطق آمنة” يجب النظر إليها ضمن جملة مقارنة مختلفة، تضع في الاعتبار الطبيعة الراهنة للمسارين السياسي والعسكري للأزمة السورية، وتموضع القوى الفاعلة والمؤثرة فيها.

موقف موسكو

قد يكون المنظور الحقيقي للخطوة الأمريكية التي لم تتجاوز بنصها الحرفي “وضع خطة” لإنشاء تلك المناطق، هو ما عبر عنه الرئيس ترامب في مقابلة مع قناة “أي بي سي” بقوله إن “أوروبا ارتكبت خطأً جسيماً باستقبال ملايين اللاجئين من سوريا… لا أود أن يحدث ذلك هنا. سأقيم بالتأكيد مناطق آمنة في سوريا”. أي أنها خطوة مكملة لقرار الحد من عدد اللاجئين والمهاجرين، تراعي الاعتبارات الإنسانية.
ومع التسليم بجدية ترامب في طرحه لفكرة المناطق الآمنة، تظهر عدة تساؤلات مهمة ترتبط بآلية وظروف نجاح واشنطن في إنفاذ هذه الخطوة، قد يكون أهمها هو موقع تلك المناطق “داخل سوريا”، إذ يفرض الواقع الميداني الحالي ثلاثة خيارات على الإدارة الأمريكية، هي مناطق سيطرة قوات “درع الفرات” ومناطق سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” إلى جانب الحدود الأردنية مع البادية السورية. وفيما يبقى الخيار الأخير هو الأصعب لوجستيا، لكون المنطقة صحراوية وشبه خالية من التجمعات السكانية اللازمة لتأمين البنية التحتية والخدمات لأي مخيم مفترض، فإنه متاح لجهة تعاون الأردن ووجود تغطية جوية من قوات “التحالف الدولي” في المنطقة. أما خيار مناطق سيطرة “قسد”، فسيكون متاحا من الجانب اللوجستي مع وجود قوات خاصة أمريكية في المنطقة، غير أنه قد يلقى اعتراضا من المكون الأساسي في “قسد” وهو القوات الكردية، لكون غالبية المهجرين من أصول عربية.
ويبقى خيار المنطقة الحدودية التي تسيطر عليها القوات الموالية لأنقرة بين جرابلس وأعزاز، وصولا إلى حدود مدينة الباب، هو الخيار الأكثر فعالية وحساسية للجانب الأمريكي في الوقت نفسه. إذ ستسهل تركيا جميع إجراءات إنشاء المنطقة وخدماتها الضرورية، إلى جانب وجود شبكة واسعة من المنظمات والوكالات الأممية وغير الحكومية التي تعمل قرب الحدود، وبإمكانها تغطية خدمات “المناطق” التي قد تنشأ. وفي رد الفعل التركي الأول، أكدت الخارجية أن أنقرة دافعت منذ البداية عن فكرة إقامة مناطق آمنة، وأوضح المتحدث باسم الخارجية حسين مفتي أوغلو، أن “المهم هو كيف ستكون نتائج هذه الخطوة؟ وما هي المعلومات والتوجيهات التي ستصدر عن المؤسسات الأمريكية في هذا الشأن؟”.
غير أن التحديات التي قد تواجه هذا الخيار ليست بالأمر السهل، إذ إن المنطقة ما تزال غير مستقرة على الجانب الميداني في ظل الاشتبكات مع “داعش” في الباب، ويحتاج قرار العمل ضمنها إلى تنسيق عالي المستوى مع الجانب الروسي، ومن خلفه دمشق وطهران اللتان تصران على أن القوات التركية هي قوات غازية.
وبرغم التفاهمات التي تجمع موسكو وأنقرة، وتسهل عمل الأخيرة ضمن الأراضي السورية، غير أن إنشاء “منطقة آمنة” سيكون خارج تلك المعادلة، وسيتطلب إعادة فتح قنوات الحوار مع موسكو بما سيحمله ذلك من نقاط إضافية في ملف التسوية السورية وغيرها من ملفات عالقة بين البلدين. وأشارت موسكو في معرض تعليقها على القرار الأمريكي، إلى أن واشنطن “لم تنسق أي خطط معها لإقامة مناطق آمنة، داعية ترامب إلى دراسة العواقب المحتملة لهذا القرار”. وقد تكون مهلة الـ90 يوما لإقرار الخطة مدروسة بعناية، لتحيل الحسم بهذا الموضوع إلى ما بعد محادثات جنيف المرتقبة، ومعرفة ما سينجم عنها من تطورات على ضوء تفاهم أستانة الأخير.
وبمعزل عن التكهنات حول مصير الخطوة الأولى في العهد الأمريكي “الجديد”، فإنها من دون شك ستشكّل حاملاً مهماً لعودة اللاعب الأمريكي إلى الملعب السوري بشكل مباشر، وستتيح له فتح قنوات التواصل المجمدة مع الجانب الروسي ونقاش التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، التي تعد المحور الرئيسي لوعود ترامب الانتخابية حول سوريا.

طريق صدام

عدد من الخبراء العسكريين والسياسيين حذروا من خطورة فرض منطقة “امنة” في سوريا لاعتبارات عدة، منها:
– ارسال الاف الجنود الامريكيين لتأمين هذه المنطقة وحمايتها، وهو ما يتنافى مع سياسة ترامب المعلنة والقائمة على عدم الانزلاق الى المستنقع السوري.
– احتمال أن تصبح المناطق الآمنة داخل سوريا لعنة دبلوماسية تجبر إدارة ترامب على التعامل مع مجموعة من التوترات العرقية والسياسية في سوريا إلى أجل غير مسمى.
– احتمال أن تجتذب المنطقة “الآمنة” متشددين إما لتنفيذ هجمات، أو لاستخدام المنطقة مأوى يمكن للمتشددين إعادة تنظيم صفوفهم فيها.
– إقامة مثل هذه المناطق سيكون مكلفا نظرا لضرورة توفير أماكن إيواء وطعام وتعليم ورعاية طبية للاجئين.
– المنطقة “الامنة” تحتاج الى منطقة حظر طيران تشرف امريكا على مراقبتها، الأمر الذي سيجعل امريكا في مواجهة مباشرة مع الطيران الروسي والسوري، وكذلك ستكون الطائرات الأمريكية في مرمى الدفاعات الروسية المتطورة في سوريا.
كل هذه الحقائق كان قد اخذها الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما بنظر الاعتبار، عندما رفض خطة اقامة منطقة “آمنة” في سوريا، لأنها تعني، كما يقول الخبراء العسكريون، الاستعداد لخوض حرب مع روسيا وحلفائها، ليس في سوريا فحسب بل في المنطقة والعالم، وما يترتب على ذلك من نتائج تتناقض كليا مع سياسة ترامب ازاء ازمات الشرق الاوسط، كما اعلن عنها خلال حملته الانتخابية.
هناك محاولات تبذل لإقناع اصدقاء واعداء امريكا، بجدية قرار ترامب باقامة منطقة “آمنة” في سوريا، عبر العزف على وتر “تسرعه”، وان هذا التسرع هو الذي يضفي الجدية على قراره، بينما الجهات التي تدير السياسة الأمريكية، من وراء الكواليس، تعلم اكثر من غيرها، بصعوبة اقامة مثل هذه المنطقة، حتى لو استعرض ترامب رغبته في المغامرة وليس تسرعه فقط.
اللافت أنه بعد ساعات من تصريحات ترامب عن المناطق الآمنة وإعتراض موسكو الضمني عليه، نقلت وكالة رويترز للأنباء يوم 28 يناير عن مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض، أن إدارة الرئيس ترامب، لا تدرس حاليا بشكل مكثف إقامة “مناطق آمنة” في سوريا. وقال المسؤول، الذي لم يكشف عن اسمه، إن فكرة إنشاء هذه المناطق “ستجري دراستها في الوقت المناسب”.
صحيفة “هافينغتون بوست”، تحدثت عن تراجع البيت الأبيض، مشيرة إلى أن اتخاذ هذه الخطوة كانت من شأنها أن تعمق بصورة ملموسة تورط الولايات المتحدة في الأزمة السورية. ولفتت الصحيفة، في تقرير لها، إلى أن “القرار بإبعاد مقترح إنشاء المناطق الآمنة يتيح لإدارة ترامب أن تتجنب، مؤقتا على الأقل، عددا من القضايا المعقدة التي من الممكن أن تثيرها هذه السياسة”.
وأوضح التقرير أن “إقامة المناطق الآمنة وحمايتها من شأنهما أن يزيدا من التدخل العسكري للولايات المتحدة في سوريا، ويخلقا عددا من المشاكل السياسية واللوجستية المتعلقة بتطبيق هذه السياسية”.
بينما يدور النقاش في واشنطن عن المناطق الآمنة إهتم الملاحظون بتصريحات الرئيس اللبناني العماد ميشال عون لمحطة “ال سي أي” الاخبارية الفرنسية يوم الأحد 29 يناير والتي اكد فيها ان الرئيس السوري بشار الاسد سيبقى وانه يشكل القوة الوحيدة التي بإمكانها اعادة فرض النظام ولم شمل الجميع.
وقال عون الذي زار السعودية مؤخرا ان الرئيس الأسد سيبقى والذين طالبوا برحيله يجهلون سوريا اننا كنا امام ليبيا ثانية هنا لولا نظام الأسد حاليا. وأوضح عون خلال المقابلة ان معركة حلب ادت الى تعديل في توازن القوى، لصالح الحكومة السورية، وشكلت بداية مسيرة حوار وتفاوض للوصول الى حل سياسي، لأن هذا النوع من الحروب لا ينتهي بانتصار فريق على آخر.

إسرائيل والتدخل المباشر

إذا كانت طبيعة التحركات الأمريكية المقبلة في سوريا لم تتضح بعد، فإنه يسجل في المقابل أن الدوائر الموجهة للسياسة الإسرائيلية متعجلة في الدفع نحو تدخل عسكري أوسع من أجل إسقاط النظام القائم في سوريا وعكس تطور الصراع لصالح الجماعات المسلحة.
جاء في تقرير لزهير أندراوس من مدينة الناصرة بفلسطين المحتلة:
تواصل مراكز الأبحاث الإسرائيلية تقديم الاقتراحات لصناع القرار في تل أبيب حول الإستراتيجية الأفضل لمصالح الدولة العبرية على المدى القصير والطويل أيضا، وعلى ضوء التغييرات في موازين القوى لصالح الجيش العربي السوري والحلفاء من روسيا وحزب الله. يقول البروفيسور هيلل فريش، من مركز بيغن السادات، في تل أبيب، إن قواعد اللعبة تغيرت، ولا يمكن لإسرائيل بعد الآن مواصلة سياسة عدم التدخل في الحرب الدائرة هناك.
وبرأيه، فإن التدخل الإسرائيلي الذي يقتصر على منع نقل أسلحة نوعية وكاسرة للتوازن من سوريا لحزب الله ليس كافيا عقب المستجدات الأخيرة، واقتراب حزب الله من مرتفعات الجولان، الأمر الذي يشكل خطرا كبيرا على إسرائيل، وبالتالي، يشدد البروفيسور فريش، على أنه يتحتم على تل أبيب تغيير سياستها بحيث تكون مؤثرة على مجرى الأحداث ومنع حزب الله من فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل من مرتفعات الجولان، كما فعل حزب الله في الجنوب اللبناني الذي كان محتلا من طرف الجيش الإسرائيلي.
ووفقا لدراسة فريش، التي نشرت على موقع المركز، فإن التغييرات الرئيسية الأخيرة في ميزان القوى لصالح سوريا وحلفائها هي بمثابة دعوة لإسرائيل لتبني إستراتيجية جديدة في سوريا، والإعلان رسميا، أضاف الباحث الإسرائيلي، عن دعم إسرائيل للمتمردين بهدف ما أسماه تحقيق التوازن، وصد الجيش السوري وحزب الله على حد سواء.
المصلحة الإسرائيلية الكبرى، يقول البروفيسور فريش، هي “أن نرى نظاما ديمقراطيا في سوريا”، وهذا يعني، يضيف، إزالة الأسد وأنصاره، الذين لا يمكن أن يسمحوا للديمقراطية بالظهور في سوريا. وبرأيه، فإنه بعد أكثر من خمسين عاما من القمع يحق للسنة دولة خاصة بهم في معظم الأراضي السورية. وإعلان هذا الهدف، شدد فريش، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التداعيات المحتملة على صعيد العلاقات الإسرائيلية الروسية.
ووفقا له، فإن توازن القوى بين سوريا وحليفتها إيران ضد خصومهم قد تغير بشكل كبير منذ التدخل الروسي في سبتمبر عام 2015، وهزيمة المتمردين في حلب حيث استعاد النظام السيطرة الكاملة على تلك المدينة، كما أن التحالف المناهض لإسرائيل في لبنان نجح في تنصيب مرشحه الجنرال ميشيل عون في القصر الرئاسي في لبنان، وسعد الحريري، زعيم أكبر حزب في لبنان، الذي أعضاؤه من السنة، وهو من أشد خصوم حزب الله وحلفائه في الساحة السياسية اضطر لدعم المرشح المدعوم من سوريا وإيران وحزب الله. وهذا يوضح، برأي الدراسة، كيفية الحريري، شريك إسرائيل الصامت، يتعامل مع تغير ميزان القوة، مشددا على أنه أيد الجنرال عون للرئاسة من منطلق الخوف، ليس إلّا.
ويتابع: سوريا، المدعومة من روسيا وحزب الله، جعلت هلال “الإمبراطوريّة الشيعية العلوية” تمتد من طهران إلى بيروت إلى الجنوب السوري. وهذا التمدد، شددت الدراسة، هو على حساب مصالح إسرائيل الإستراتيجية طويلة الأجل، وكذلك مصالح الدول السنية المعتدلة، كما أن هذه المكاسب تكمل نجاح إيران في تأمين الاتفاق النووي.
والسؤال المفصلي، بحسب البروفيسور فريش، ماذا يجب أن تكون إستراتيجية إسرائيل تجاه سوريا؟ وبرأيه، فإن القضية الأكثر أهمية هي الشروع في مناقشةٍ جادة حول الأهداف الإسرائيلية، والتي يتحتم عليها بطبيعة الحال أن تأخذ بعين الاعتبار العلاقات مع روسيا، والتفاهم للممكن بين الرئيسين ترامب وبوتين حول سوريا، وأيضا المصالح التركية في سوريا.
وبحسبه، بإمكان إسرائيل الإعلان على الملأ أن المستقبل السياسي لسوريا مع بقاء نظام بشار الأسد هو بمثابة اعتداء على أمن إسرائيل، كما أنه ينبغي على تل أبيب أن تقول علنا إنها ستتعاون مع المعارضة السورية والدول العربية السنية المعتدلة، وستدعم الجماعات المتمردة المعتدلة لإسقاط النظام الحاكم في دمشق. وفي إشارةٍ واضحة لإمكانية التدخل العسكري، يقول البروفيسور فريش إن إسرائيل، هي دولة أقوى بكثير مما كانت عليه في الماضي، وبالتالي يجب أن تلعب دورا في ما أسماه تصحيح الخلل في موازين القوى الجديدة في سوريا.
ويقر الباحث أن إسرائيل لا يمكنها أن تخشى من تكرر فشلها عام 1982 في إنشاء لبنان ذا الغالبية المسيحية المارونية، ويضيف أن هذا لا يعني أن الدولة اليهودية لا يمكن أن تعمل مع القوات المتمردة من أجل خلق سيناريو جيو استراتيجي لصالحها في سوريا.
وخلص البروفيسور فريش إلى القول إن السياسة الإسرائيلية الجديدة قد تكون مكلفة كثيرا، ولكن هذه التكلفة لا يمكن أن تكون حاجزا أمام تطلعاتها القاضية بمنع الأعداء، سوريا، وحزب الله، من تأسيس سوريا معادية جدا لإسرائيل، وعلى صناع القرار في تل أبيب أن يدرسوا بتأن وبترو كيفية وآلية منع سيطرة الأسد وحزب الله على سوريا، بحسب قوله.

تقدم الجيش

بينما ينشغل صانعو القرار في واشنطن وتل أبيب بمناقشة تحركاتهم المقبلة يواصل الجيش السوري بسط سيطرته على ما تبقى من الأراضي التي تتحكم فيها الفصائل المسلحة، وتشير مصادر رصد في برلين أنه بالوتيرة الحالية للتقدم يمكن توقع إنتهاء المواجهات العسكرية الكبرى على الأرض السورية مع مطلع الصيف القادم، حيث لن يبقى أمام الفصائل المسلحة بمختلف توجهاتها سوى فرصة شن حرب عصابات متفرقة قبل أن تنطفئ شمعتها.
يوم الأحد 29 يناير اعلن الجيش السوري في بيان سيطرته على كامل منطقة وادي بردى قرب دمشق، والتي تعد خزان المياه المغذي للعاصمة، بعد معارك دامت اكثر من شهر مع الفصائل المقاتلة.
ونقل التلفزيون الرسمي السوري عن بيان للجيش السوري “انجزت وحدات من قواتنا المسلحة بالتعاون مع مجموعات الدفاع الشعبية والقوات الرديفة مهامها في اعادة الأمن والاستقرار إلى بلدات وقرى وادي بردى في ريف دمشق الغربي بعد سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة”.
وبدأت ظهر يوم الاحد عملية نقل مسلحي الفصائل وعائلاتهم من وادي بردى غرب العاصمة السورية دمشق باتجاه مدينة إدلب تنفيذا للاتفاق المبرم بين الحكومة السورية والفصائل.
وذكر مصدر عسكري سوري لوكالة الأنباء الألمانية “د.ب.أ” أنه تم الانتهاء بشكل كامل من الإجراءات لنقل المسلحين وعائلاتهم من وادي بردى بعد أن تم تجميعهم في قرية دير مقرن قرب بلدة عين الفيجة التي انتشر فيها الجيش السوري يوم السبت استعدادا لإعادة ضخ المياه إلى دمشق وضواحيها.
وذكر المصدر إن العدد النهائي للمسلحين الذين سيتم نقلهم بحافلات حكومية سورية يبلغ نحو 1400 شخص وذلك بإشراف من الهلال الأحمر السوري مرورا بالاستراد الدولي دمشق حمص حماة وصولا إلى إدلب.
وأكد المصدر أنه تم العفو عن عدد المسلحين وفقا للقوانين النافذة وأنه لم يتم ترحيل إلا المسلحين الرافضين للتسوية والمصالحة في وادي بردى.
إلى ذلك كشف مصدر في الهلال الأحمر السوري عن أن من بين الذين سيتم نقلهم إلى إدلب العشرات من المسلحين الجرحى الذين أصيبوا خلال العمليات القتالية ورفضوا البقاء ضمن مناطق سيطرة القوات الحكومية السورية.
وتوصلت الحكومة السورية إلى اتفاق لحل أزمة وادي بردى ووقف الأعمال القتالية وتسليم نبع الفيجة إلى الحكومة السورية لضخ المياه إلى دمشق. وبلغت المساحة الإجمالية للمنطقة التي تمت السيطرة عليها تبلغ “نحو 400 كيلومتر مربع”.
إلى الشمال من دمشق تتجه الانظار مجددا الى مدينة الباب الاستراتيجية في ريف حلب والتي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الاسلامية” حيث تمكنت قوات الجيش السوري من التقدم إلى مسافة 7 كيلومترات من المدينة بعد السيطرة على ثلاث قرى لتصبح على مشارف بلدة تادف، في ذات الوقت تحشد القوات التركية من الجهة الشمالية للمدينة بعد فشل عدة محاولات لقوات درع الفرات الموالية لتركيا للتقدم نحو المدينة.
وإذ تكشف طبيعة المعارك شكل السباق الذي يخوضه الجيش السوري للوصول الى المدينة قبل قوات “درع الفرات” والقوات التركية المساندة، تشن القوات التركية غارات جوية منتظمة على المدينة لدعم الهجوم البري الذي تشنه داخل الاراضي السورية منذ اغسطس 2016 ويستهدف مقاتلي تنظيم الدولة والمقاتلين الاكراد.
وهذا الهجوم يبدو متعثرا مع إزدياد عدد الجنود الأتراك الذين قتلوا في المعارك حيث قتل 48 جنديا تركيا على الاقل في العملية حتى الآن، معظمهم في المعارك لاستعادة الباب التي بدأت في 10 ديسمبر 2016. وهو ما يعطي اليوم الجيش السوري الأفضلية لدخول مدينة الباب الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، بثت وكالة أعماق التابعة لتنظيم “الدولة الاسلامية” صورا قالت إنها تظهر جانبا مع المعارك المندلعة مع قوات الجيش السوري قرب قرية المديونة جنوب غربي مدينة الباب، أبرز معاقل التنظيم في ريف حلب الشرقي.
ومن المتوقع ان يقاتل تنظيم “الدولة الاسلامية” بشراسة عن الباب نظرا لأهميتها الاستراتيجية بالنسبة لمعقله في الرقة.

عمر نجيب
Omar_najib2003@yahoo.fr

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *