الرئيسية / تقارير / تكتيك النفس الطويل أم العد العكسي لمواجهة عسكرية أمريكية روسية.. واشنطن تتورط تدريجيا في حرب استنزاف ببلاد الشام

تكتيك النفس الطويل أم العد العكسي لمواجهة عسكرية أمريكية روسية.. واشنطن تتورط تدريجيا في حرب استنزاف ببلاد الشام

آخر تحديث :2017-06-22 21:46:03

تكتيك النفس الطويل أم العد العكسي لمواجهة عسكرية أمريكية روسية

واشنطن تتورط تدريجيا في حرب استنزاف ببلاد الشام

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

مع إنتصاف سنة 2017 تعرف الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ منتصف مارس 2011 انعطافات جديدة، فمن جهة يتقدم الجيش العربي السوري على جميع الجبهات تقريبا ملحقا خسائر كبيرة بالتنظيمات المسلحة التي تواجهه، وفي نفس الوقت تنجح دمشق وموسكو في توسيع دائرة المصالحات والتسويات في مناطق مختلفة من سوريا وتجتذب إلى جانب الجيش السوري قطعات من تنظيمات مسلحة كانت تقاتل ضده. القوات الجوية الروسية خاصة من قاعدة حميميم تواصل وبكثافة خارجة عن المعتاد مساندة تقدم الجيش السوري خاصة في إتجاه الشرق نحو الحدود مع العراق والرقة التي تتخذ منها داعش عاصمة لها، وكذلك نحو الجنوب الغربي في إتجاه محافظة درعا وهضبة الجولان التي تحتل إسرائيل جزء منها.

على الجانب الآخر من خارطة الصراع تتزايد المواجهات بين التنظيمات المسلحة التي تواجه الجيش السوري حتى تلك الموصوفة غربيا بالمعتدلة، ويعود ذلك إلى عدة عوامل منها تقلب الدور التركي نتيجة للخلاف مع واشنطن على دور التنظيمات الكردية المسلحة التي تحصل على دعم الولايات المتحدة، وكذلك نتيجة الصراع بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي مع قطر وما أسفر عنه ذلك من تقلص المعونات المادية من سلاح وأموال كانت تحصل عليها عدة تنظيمات مسلحة.

الولايات المتحدة من جانبها تراقب بقلق تعثر مخططاتها في سوريا وإتجاه التحالف السوري الروسي وحزب الله اللبناني إلى حسم الصراع عسكريا رغم كل ما يقال عن إستحالة ذلك، ولمواجهة هذا التطور تشن القوات الأمريكية سواء المرابطة في الأردن أو في مناطق حدودية سورية عمليات هجومية متزايدة مقارنة مع السابق ضد الجيش السوري ووحدات حزب الله تحت غطاء حماية أمن القوات الأمريكية أو وقف تقدم الجيش السوري في مناطق تقول واشنطن أن فيها وحدات مسلحة يساندها البنتاغون. في داخل البيت الأبيض توجهان أحدهما يوصف بالصقور ويطالب بشن ضربات أكثر حدة لمنع تقدم الجيش السوري على أغلب الجبهات، ويرى أنصار هذا التيار المتشدد أن موسكو وأمام العزم الأمريكي القوي ستتراجع ولن تدخل في صراع مع القوات الأمريكية وسيفرض بناء على ذلك حل سياسي على دمشق يحقق جزء من التطلعات الأمريكية ويحفظ أمن إسرائيل ويفرض حالة من التقسيم العملي للأراضي السورية وخاصة في الجزء المحاذي للجولان وبذلك لا يتمكن لا الجيش السوري أو وحدات حزب الله اللبناني من الوصول إلى نقاط التماس مع الجيش الإسرائيلي.

مقابل معسكر الصقور يحذر عدد من مستشاري البيت الأبيض ومخططي البنتاغون، من أن التصعيد الأمريكي في وجه الجيش السوري وحلفائه، سيجلب أما رد فعل عسكري روسي بكل ما يحمله ذلك من أخطار، أو أن دمشق وموسكو سيراهنان على سياسة النفس الطويل وعملية إجهاد وإستنزاف وسيتم التصدي للقوات الأمريكية بعمليات عسكرية مثل تلك التي تعرضت لها في لبنان في 23 من أكتوبر عام 1983 وخلفت 299 قتيلا من قوات مشاة البحرية الأمريكية، ويشير هؤلاء في تحذيراتهم إلى أن القوات الأمريكية في منطقة عمليات بلاد الشام توجد في جو مشحون بالعداء وتحذر من هجمات يقوم بها محليون من قوات محسوبة على التحالف الغربي مثلما وقع ويقع في الأردن و أفغانستان.

هجوم على الجيش السوري

 يوم الأحد 18 يونيو 2017 أعلنت واشنطن وناشطون سوريون أن اشتباكات عنيفة وغير مسبوقة اندلعت، يوم الأحد، بين القوات السورية ومقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” بريف مدينة الرقة الجنوبي.

وقال البنتاغون، إن القوات الموالية للحكومة السورية شنت، في الساعة 16:43 بتوقيت سوريا، هجوما على مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” في بلدة بريف الطبقة، مما أجبر عناصرها على التراجع من مواقعهم، مشيرة إلى أن الطيران الأمريكي أوقف تقدم القوات السورية.

وذكر البنتاغون طائراته أسقطت، بعد مرور ساعتين على هجوم القوات الحكومية المذكور، مقاتلة تابعة للجيش السوري بعد إطلاقها قنابل على مواقع لـ”قوات سوريا الديمقراطية” جنوبي الطبقة.

قيادة الجيش الأمريكي ذكرت أنها لا تنوي الدخول في نزاع مع الجيش السوري أو القوات الروسية، لكنها ستستمر بحماية قوات شركائه بلا تردد.

كما قالت قيادة القوات الأمريكية في بيان لها إنها اتصلت بالعسكريين الروس على خلفية وقوع الحادث لتلافي تصعيد الوضع.

من جانبهم، قال الناشطون السوريون إن المواجهات بين القوات السورية الحكومية ومقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” نشبت بعد وقوع حادث إسقاط المقاتلة التابعة للقوات الحكومية من قبل القوات الأمريكية، مشيرين إلى أن الاشتباكات تدور على محاور في شمال مدينة الرصافة، بمحيط قريتي شويحان وجعيدين.

وأضافوا أن الأعمال القتالية تترافق مع استهدافات متبادلة بين طرفي القتال.

وأوضح الناشطون أن هذه التطورات تأتي بعد أن تمكنت القوات الحكومية من السيطرة على قرية جعيدين الواقعة شمال غرب الرصافة، ليكون خط التماس بين الجانبين عند الخط المائي الممتد من نهر الفرات بين قريتي البوعاصي وشعيب الذكر بريف الطبقة الغربي، وصولا إلى طريق الرصافة الرقة.

كما حققت القوات الحكومية تقدما ميدانيا هاما ووصلت لتخوم بلدة الرصافة بريف الرقة الجنوبي، التي سيطرت عليها ناريا، حسب الناشطين، ووسعت بذلك نطاق سيطرتها داخل محافظة الرقة، خلال الفترة بين 6 و18 من الشهر الجاري، نحو 1700 كيلومتر مربع.

يذكر أن “قوات سوريا الديمقراطية”، التي تمثل “وحدات حماية الشعب” الكردية فصيلها العسكري الأساسي، تنفذ، منذ السادس من نوفمبر 2016، عملية عسكرية يقول البيت الأبيض أنها تستهدف تحرير الرقة وريفها من مسلحي تنظيم “داعش”.

وقالت “قوات سوريا الديمقراطية” آنذاك إن حملة تحرير الرقة، التي أطلق عليها اسم” غضب الفرات”، يخوضها حوالي 30 ألف مقاتل، مضيفة: “ستتحرر الرقة بسواعد أبنائها وفصائلها، عربا وكوردا وتركمانا، لكن مراقبين أشاروا أن إلى وجود تنسيق مريب بين قوات سوريا الديمقراطية وداعش تمثل أكثر من مرة في تبادل مناطق السيطرة دون قتال أو تمرير طوابير داعش بأعتدة كاملة لمهاجمة القوات السورية. ويعتقد أن ما بين 3000 و4000 مسلح داعشي لا يزالون موجودين في الرقة.

ولكن لا يعرف بالضبط عدد المدنيين المحاصرين معهم، غير أن لجنة الإغاثة الدولية قدرت العدد بنحو 200 ألف شخص.

ويشكل اسقاط الطائرة السورية والاشتباكات التي تلته تصعيدا في النزاع، في وقت احرزت قوات الجيش السوري تقدما ميدانيا في محافظ الرقة وباتت قريبة الى حد كبير من قوات سوريا الديموقراطية التي تدعمها واشنطن.

في دمشق أشارت القيادة العامة للجيش السوري إلى أن “هذا الاعتداء السافر يؤكد بما لا يدع مجالا للشك حقيقة الموقف الأمريكي الداعم للإرهاب والذي يهدف إلى محاولة التأثير على قدرة الجيش العربي السوري القوة الوحيدة الفاعلة مع حلفائه التي تمارس حقها الشرعي في محاربة الإرهاب على امتداد مساحة الوطن”.

وأكدت على أن هذا الاعتداء يؤكد التنسيق القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية وتنظيم “الدولة الاسلامية” ويفضح النوايا الخبيثة للولايات المتحدة في إدارة الإرهاب والاستثمار فيه لتحقيق أهدافها في تمرير المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.

وحذرت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة في سوريا “من التداعيات الخطيرة لهذا الاعتداء السافر على جهود محاربة الإرهاب”، قائلة إن “مثل هذه الاعتداءات لن تثنيها عن عزمها وتصميمها على مواصلة الحرب ضد تنظيمي داعش وجبهة النصرة الإرهابيين والمجموعات المرتبطة بهما وإعادة الأمن والاستقرار إلى جميع أراضي الجمهورية العربية السورية”.

قبل ذلك ويوم السبت 17 يونيو سيطرت القوات الحكومية السورية على مساحات جديدة شرق مدينة تدمر وسط البادية السورية، في طريق تقدمها باتجاه بلدة السخنة 70 كم شمال تدمر المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في البادية السورية.

وذكر قائد ميداني برتبة عميد يقاتل مع القوات الحكومية لوكالة الأنباء الألمانية “د. ب. أ” أن “القوات الحكومية تمكنت بعد مقاومة عنيفة من مسلحي داعش من السيطرة على بئر حفنة وسد آرك وسلسلة جبال التدمرية الشمالية شرق مدينة تدمر بحوالي 45 كم”.

وتحدث القائد الميداني عن استمرار العمليات العسكرية في المنطقة باتجاه بلدة السخنة، مشيرا إلى أن المشاركة الفعالة للطيران الحربي الروسي لها الدور الأبرز والحاسم في تحرير المزيد من المساحات بريف تدمر، إضافة إلى تزامن عمليات شرق تدمر مع عمليات أخرى للجيش في ريف سلمية الشرقي وريف الرقة الجنوبي، والتي منعت التنظيم المتطرف من دعم مقاتليه المتراجعين على جبهة أرك.

ورأى القائد الميداني أن “معارك السخنة ستكون فاصلة لجهة التقدم باتجاه مدينة دير الزور، لاسيما وأن هذه البلدة هي آخر البلدات التابعة لحمص على طريق دير الزور والتي يسيطر عليها التنظيم المتطرف”.

وسيطرت القوات الحكومية يوم الثلاثاء 13 يونيو على حقل ارك النفطي، وهو آخر آبار النفط الواقعة تحت سيطرة داعش بريف حمص الشرقي.

الوصول إلى الحدود العراقية

رغم التدخل الأمريكي نقلت وكالة رويترز عن ضابط في الجيش العراقي بمحافظة الأنبار إن قوات الجيش السوري التقت، يوم الأحد 18 يونيو، وللمرة الأولى، مع القوات العراقية على حدود البلدين في المحافظة.

وأضاف الضابط، وهو برتبة نقيب وطلب عدم نشر اسمه لكونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام، إن “قطعات للقوات العراقية انتشرت، على الحدود العراقية السورية، شمال منفذ الوليد الحدودي العراقي مع سوريا، 460 كم غرب مدينة الرمادي”.

وتابع المصدر أن “قوات الجيش السوري النظامي تمكنت، من الوصول إلى الحدود المشتركة في المنطقة الواقعة على مسافة 50 كيلومترا شمال معبر التنف السوري، الذي تتمركز فيه القوات الأمريكية، والتقت القوات السورية مع الجيش العراقي على الحدود”.

وعلى مقربة من المعبر يوجد معسكر في “التنف” يتولى فيه جنود أمريكيون تدريب قوات حليفة في سوريا.

ووفق مراقبين، فإن هذا اللقاء يشير إلى أن تعاونا بين قوات الجيش العراقي والقوات السورية للسيطرة الكاملة على الحدود العراقية السورية ربما يبدأ بعد انتهاء معركة استعادة مدينة الموصل العراقية من تنظيم “داعش”.

يذكر أن قوات أمريكية تتمركز في قاعدتين بالأنبار العراقية هما: “الحبانية” شرقي الأنبار، و”الأسد” غربي المحافظة، وترتبط الأنبار مع سوريا بمنفذين هما القائم والوليد، وترتبط مع الأردن بمنفذ” طريبيل”، ومع السعودية بمنفذ عرعر.

في اتجاه الجولان

  في جنوب غربي سوريا فرض الجيش السوري نفسه كذلك رغم التهديدات الأمريكية الإسرائيلية.

يذكر أنه يوم 10 يونيو أكد الفريق أول سيرغي سوروفيكين، قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا  في مؤتمر صحفي، إن قوات الجيش السوري والقوات الموالية لها استعادت السيطرة على مقطع من الحدود السورية الأردنية طوله 105 كيلومترات، وأقامت 9 معابر حدودية عليها.

وأشارت مصادر رصد أن القوى المتحالفة مع خصوم الجيش السوري عليها أن تقرأ جيدا سلسلة تصريحات روسية تظهر توترا مع الامريكان على الارض وتحديدا عند المناطق الحدودية الاردنية، والتي كان اخرها تصريح سوروفيكين عن كون الإنذارات التي يوجهها الأمريكيين إلى الجيش السوري الذي يحرز تقدما في جنوب البلاد، تأتي بتبريرات سخيفة تماما، وفقا لروسيا اليوم، مستطردا: “في سياق التقدم، واجهت القوات الحكومية عراقيل من قبل طيران التحالف بقيادة واشنطن”.

وذكر بأن الأمريكيين يبررون موقفهم هذا بـ”مزاعم سخيفة تماما باعتبار أن القوات الحكومية تمثل خطرا على القواعد الأمريكية ومعسكرات تدريب مقاتلي المعارضة في جنوب سوريا.

الى ذلك،  قال مسؤولون أمريكيون إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، تجري محادثات سرية مع روسيا في الأردن حول منطقة “تخفيف التوتر” في جنوب سوريا، وفقا لما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال، موضحة أن جلستين عقدتا بين الروس والأمريكيين في الأردن، تناولتا مناقشة إنشاء مناطق لـ”تخفيف التوتر”، وآخر اجتماع كان نهاية شهر مايو، بمشاركة مسؤولين أردنيين، ومن المقرر عقد جولة ثالثة.

قصف صاروخي إيراني

  سجل مراقبون أنه بالتوازي مع ما يدور من مواجهات سورية أمريكية في منطقة الرقة وخارجها اعلن الحرس الثوري الإيراني يوم الأحد 18 يونيو في بيان له انه اطلق السبت مجموعة صواريخ من غرب ايران على “قواعد للارهابيين” في منطقة دير الزور في سوريا التي يسيطر عليها خصوصا تنظيم“داعش”، بهدف انزال العقاب على منفذي العمليتين الارهابيتين الاخيرتين يوم 7 يونيو في طهران كما جاء في البيان.

و أكد البيان ان هذا الاجراء يعد رسالة واضحة  ان قوات حرس الثورة تحذر الارهابيين التكفيريين وحماتهم  في المنطقة  وخارج المنطقة

وفي اول تعليق دبلوماسي ايراني على الحدث  قال المساعد الخاص لرئيس مجلس الشورى الإيراني في الشؤون الدولية حسين أمير عبد اللهيان، على حسابه الخاص في ” تويتر” : “كان هذا مجرد تحذير ناعم”.

وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية على أهداف في سوريا.

خلاف في واشنطن

 يوم 16 يونيو 2017 كشفت تقارير إعلامية عن خلاف بين مسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، حول توسيع النشاط العسكري الأمريكي في سوريا.

ونقلت صحيفة “فورين بوليسي” عن مصادر مطلعة، أن مدير مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض عزرا كوهين واتنيك، ومستشار مجلس الأمن القومي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ديريك هارفي، يصران على ضرورة توسيع العمل العسكري الأمريكي في سوريا، وتنفيذ عمليات في جنوبها خاصة لحماية إسرائيل التي تخشى من عودة الجيش السوري ومعه حزب الله إلى نقاط التماس، في حين رفض وزير الدفاع جيمس ماتيس أكثر من مرة اقترحهما.

وأوضحت الصحيفة أن وزير الدفاع الأمريكي وبعض المسؤولين الآخرين في البيت الأبيض، يعتبرون أن الإجراءات المقترحة “خطوة محفوفة بالمخاطر”، من شأنها أن تجر الولايات المتحدة إلى “مواجهة خطرة مع حزب الله وروسيا”. وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المواجهة قد تجعل الوحدات العسكرية الأمريكية المنشرة في العراق وسوريا هدفا أثناء المواجهات.

تجدر الإشارة إلى أن القوات الأمريكية نشرت راجمات صواريخ من طراز “هيماريس” قرب معبر التنف جنوب سوريا، وسط حديث عن إنشاء قاعدة ثانية في منطقة الزقفة، وعن إمكانية حدوث صدام دام مع الجيش السوري.

وهذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها كل من ماتيس ودانفورد نفسيهما مضطرين للتصدي لمقترحاتٍ للبيت الأبيض من أجل اتخاذ تحرك يعتبرانه غير مدروس، بل ومتهور حتى. ففي وقت سابق، عارض الاثنان فكرة أولية كان من شأنها إرسال عدد كبير من القوات البرية الأمريكية.

دانيال بليتكا، نائبة رئيس قسم دراسات السياسة الخارجية والدفاعية بمؤسسة إنتربرايز الأمريكية، والتي انتقدت سياسة الإدارة الأمريكية السابقة باعتبارها ضعيفة قالت: “لا أعتقد أن لدينا استراتيجية جادة تجاه سوريا أو استراتيجية جادة تجاه إيران، ويجب أن تتماشيا سويا، سوريا هي الخاصرة الرخوة”.

لكن كولين كاهل، الذي عمل كمستشار للأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، قال إن شن حرب أوسع ضد حزب الله في سوريا سيكون “غير ضروري وخطيراً للغاية”.

وقال كاهل إن استهداف حزب الله في سوريا سيؤدي إلى تفاقم العلاقات مع العراق و”سيطيح بالعلاقات الاستراتيجية” مع بغداد. كما أنه سيعرض الآلاف من أفراد القوات الأمريكية في العراق لخطر الانتقام من قبل الميليشيات.

قتال بين المليشيات

  تقول مصادر رصد ألمانية أن التعثرات التي تلاحق واشنطن وحلفاءها على الساحة السورية لا تنتهي، فيوم 12 يونيو نقلت وكالة رويترز عن معارضين وشهود إن مسلحين تدعمهم تركيا خاضوا قتالا فيما بينهم الأحد 11 يونيو في مدينة الباب السورية في الاقتتال الأول بين مسلحي المعارضة منذ انتزاعهم السيطرة على المدينة عام 2017 من تنظيم داعش.

ففي ريف حلب الشرقي ضمن مناطق سيطرة “درع الفرات”، شهدت مدينة الباب معارك ضارية بين “الفوج الأول”، و”فرقة الحمزة” وكلاهما يتبع لـ”الجيش السوري الحر”، لتخلف المعركة التي استخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والخفيفة 16 قتيلا من عسكر الفصيلين.

وكانت تركيا قد أرسلت طائرات حربية ودبابات ومدفعية إلى سوري عام 2016 لدعم مقاتلي المعارضة في عملية حملت اسم “درع الفرات” واستهدفت إبعاد قوات ميليشيا كردية عن حدودها.

ويمثل الاقتتال بين مسلحي المعارضة نقطة ضعف كبيرة في الحرب ضد حكم الرئيس بشار الأسد منذ أيامها الأولى، إذ انقسمت الفصائل المسلحة على أساس فكري وصراع على النفوذ والأموال الواردة من الخليج العربي.

وخلال الأيام السابقة اندلعت اشتباكات أيضا في بلدة معرة النعمان في محافظة إدلب في شمال غربي البلاد، بين جماعة “تحرير الشام” التي تضم جماعات متشددة بقيادة جناح سابق لـ “تنظيم القاعدة”، وبين جماعة تابعة إلى “الجيش السوري الحر” المدعوم من واشنطن.

المرحلة الراهنة في إقتتال المليشيات تعد الأولى من نوعها، من حيث عدد الأطراف المتقاتلة والجغرافية، حيث امتد هذا الاقتتال بين الفصائل بتشكيلاتها الإسلامية و”الجيش السوري الحر” على أربع محافظات بشكل متزامن، وراح ضحيته عشرات القتلى وأضعافهم جرحى، فيما أصبحت لغة السلاح والرصاص هي الأكثر استخداما في حل أي نزاع أو حتى خلافات شخصية.

وفي جنوب سوريا، شهد ريف محافظة درعا الشرقي، اقتتالا دمويا يوم الأحد 11 يونيو، ولم يكن تنظيم “الدولة” أحد اطراف النزاع ولا حتى بقية الفصائل الجهادية في سوريا، بل كانت رحى المعارك تدور بين فصائل جميعها تقاتل تحت اسم “الجيش السوري الحر”.

وقد استخدمت في هذه المعارك غالبية الأسلحة الثقيلة من دبابات ومدرعات ومدافع هاون، لتؤدي المواجهات إلى مقتل عدد من افراد الفصائل المتحاربة وعدد آخر من المدنيين بينهم أطفال، حسب ما نقلته شبكة “شام” المعارضة.

واشنطن ترفض تقديم إجابات واضحة

 خلال النصف الثاني من شهر يونيو قدمت موسكو مزيدا من المعلومات حول العلاقة المشبوهة بين واشنطن وكل من داعش والنصرة، حيث طالب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، يوم الجمعة 16 يونيو، الإدارة الأمريكية بتقديم إجابات واضحة بشأن تعمدها استثناء مسلحي “جبهة النصرة”، “هيئة تحرير الشام” حاليا، من الضربات الجوية الأمريكية في سوريا.

وفي تصريحات للافروف، نقلتها وكالة “تاس″ الروسية، قال الوزير الروسي إن “الإدارة الأمريكية الجديدة مازالت تتبع نهج إدارة رئيسها السابق باراك أوباما، التي تعمدت تجنب توجيه ضربات لمقاتلي جبهة النصرة”.

وأضاف: “الموقف مقلق للغاية، فهو بمثابة لغز بالنسبة لنا، لأننا لا نملك له أي إجابات واضحة”.

وأوضح لافروف، أن موسكو كثيرا ما تطالب الإدارة الأمريكية بتوفير إجابات حول موقفها من “جبهة النصرة” تحديدا.

وتابع: “دائمًا ما نسأل شركاءنا الأمريكيين حول موقفهم من جبهة النصرة، لكننا لم نحصل على أي إجابات منهم، رغم ما نراه من حرب تستثني جبهة النصرة.

تجدر الإشارة أن “جبهة النصرة” تأسست في سوريا عام 2012، ونفّذت عدة عمليات استهدفت قوات النظام ومقراته الأمنية، وازدادت قوة “النصرة”، خلال السنوات الماضية، لتصبح إحدى أقوى الفصائل المسلحة في سوريا، وتسيطر مع حليفاتها من فصائل المعارضة على مساحات واسعة من شمالي وجنوبي البلاد.

وفي يوليو 2016، فكت جبهة النصرة ارتباطها بتنظيم “القاعدة”، وغيرت اسمها إلى “جبهة فتح الشام”، ثم عادت وشكلت في يناير 2017، مع حركة نور الدين زنكي، وثلاثة فصائل أخرى ما عرف باسم “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو جابر هاشم الشيخ، قائد حركة أحرار الشام سابقا.

واشنطن أنشأت مجموعتي الإرهاب

لم تذهب موسكو بعد إلى توجيه إتهام واضح لواشنطن بدعم وإستغلال التنظيمات الإرهابية، ولكن في داخل الولايات المتحدة إنبرى بعض المحللين المرموقين لكشف الحقيقة.

كتب غاريكاي تشينغو وهو باحث في جامعة هارفارد الأمريكية بحثا في موقع “البحث العالمي” في سبتمبر 2016، أكد فيه أن القاعدة وتنظيم “الدولة الإسلامية” هما من صنع واشنطن، كأداة إرهاب صممت لتقسيم واحتلال الشرق الأوسط الغني بالبترول، وللجم نفوذ روسيا المتزايد في المنطقة

ويضيف البحث: الحقيقة هي أن للولايات المتحدة تاريخ حماسي طويل في دعم الجماعات الإرهابية، هذا أمر لن يفاجأ بها إلا الذين يشاهدون الأخبار ويتجاهلون التاريخ.

أول مرة انحازت فيها وكالة المخابرات المركزية إلى “الإسلام المتطرف”، كانت إبان حقبة الحرب الباردة. في ذلك الوقت، قسمت أميركا العالم بعبارات بسيطة: القسم الأول هو الاتحاد السوفييتي والحركات القومية في العالم الثالث التي اعتبرتها أمريكا أداة سوفييتية. وعلى الجانب الثاني، هناك الأمم الأوروبية، والإسلام السياسي العنيف، الذي اعتبرته أمريكا حليفاً في النضال ضد الاتحاد السوفييتي.

وكان مدير وكالة الأمن القومي في عهد رونالد ريغان، الجنرال وليام أودوم، قد أشار مؤخراً: “بكل المقاييس، استخدمت الولايات المتحدة الإرهاب فترة طويلة.

وخلال السبعينات، استخدمت وكالة المخابرات المركزية الإخوان المسلمين كحاجز، أولا لصد التوسع السوفييتي ولمنع الأيديولوجية الماركسية من الانتشار بين الجماهير العربية. كما أيدت الولايات المتحدة علنا السيد سركات إسلام ضد الرئيس الإندونيسي سوكارنو، وساندت الجماعة الإسلامية الإرهابية في باكستان ضد ذو الفقار علي بوتو! وأخيرا، وبالتأكيد ليس آخراً، هناك “القاعدة”.

ولكيلا ننسى، فإن وكالة المخابرات المركزية هي التي أوجدت أسامة بن لادن ورعت منظمته رعاية فائقة خلال الثمانينات. وقال وزير الخارجية البريطاني الأسبق، روبن كوك، في مجلس العموم، إن تنظيم القاعدة كان بلا شك أحد منتجات وكالات الاستخبارات الغربية. وأوضح  كوك أن تنظيم القاعدة، الذي يعني حرفيا اختصار لـ”قاعدة البيانات” في العربية، كان في الأصل قاعدة بيانات الكمبيوتر لآلاف المتطرفين، الذين تم تدريبهم من قبل وكالة الاستخبارات المركزية والممولة من قبل أموال بترولية من أجل هزيمة الروس في أفغانستان.

وكانت علاقة أمريكا مع تنظيم القاعدة دائما علاقة حب وكراهية. واعتمادا على ما إذا كانت جماعة إرهابية خاصة بتنظيم القاعدة في منطقة معينة تعزز المصالح الأمريكية أم لا، فإن وزارة الخارجية الأمريكية إما أن تمول وإما أن تستهدف هذه المجموعة الإرهابية بقسوة. ورغم أن صناع السياسة الخارجية الأمريكية يزعمون معارضة التطرف الإسلامي، فإنهم وعن قصد، يستخدمونه كسلاح في السياسة الخارجية.

تنظيم “الدولة الإسلامية” هو أحدث أسلحة أمريكا، إلا أنه، كتنظيم القاعدة، له بالتأكيد نتائج عكسية.

ولكي نفهم لماذا نما وازدهر تنظيم “الدولة الإسلامية” بسرعة، على المرء أن يلقي نظرة على جذور التنظيم المدعومة من الولايات المتحدة. الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، خلقا الظروف المسبقة لتثبيت وترسيخ جماعات متطرفة، مثل داعش. واشنطن، وبكل حماقة، دمرت أجهزة دولة صدام حسين العلمانية واستبدلتها بإدارة ذات أغلبية موالية لإيران. وتسبب الاحتلال الأمريكي في بطالة واسعة، من خلال رفض الاشتراكية وإغلاق المصانع، على أمل ساذج أن اليد السحرية للسوق الحرة من شأنها أن تخلق فرص عمل.

ثلاثة طرق

تستخدم الادارة الأمريكية تنظيم داعش بثلاثة طرق: لمهاجمة أعدائها في الشرق الأوسط، لتكون ذريعة للتدخل الأمريكي في الخارج، وفي الداخل الأمريكي لتثير تهديدا داخليا مصطنعا لتبرير التوسع غير المسبوق في المراقبة الداخلية للمواطنين. وبالزيادة السريعة لكل من السرية الحكومية والمراقبة، فإن الحكومة تعزز قوتها لمراقبة المواطنين، وبالوقت نفسه تقلل من سلطة المواطنين لمراقبة حكومتهم. إن الإرهاب ذريعة لتبرير مراقبة الجماهير، الذين يحضرون لثورة شعبية.

وينبغي النظر إلى ما يسمى “الحرب على الإرهاب” لمعرفة سببها: إنها ذريعة للحفاظ على الجيش الأمريكي المتضخم بشكل خطير. المجموعتان الأقوى في مؤسسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة هما اللوبي الإسرائيلي، الذي يوجه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ومجمع الصناعات العسكرية، الذي يستفيد من تصرفات المجموعة الأولى. ومنذ أن أعلن جورج دبليو بوش “الحرب على الإرهاب” في أكتوبر 2001، فقد كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين نحو 6.6 تريليون دولار وسقوط الآلاف من أبنائهم وبناتهم. ولكن الحروب جرفت أيضا المليارات من الدولارات للنخبة العسكرية في واشنطن.

في الواقع، لقد ربح أكثر من 70 من الشركات والأفراد الأمريكيين ما يصل إلى 27 مليار دولار في عقود العمل بالعراق وأفغانستان ما بعد الحرب على مدى السنوات الثلاث الماضية، وفقا لدراسة حديثة أجراها مركز النزاهة العامة. ووفقا للدراسة، فإن ما يقرب من 75 في المائة من هذه الشركات الخاصة كان لها موظفون أو أعضاء مجلس الإدارة، الذين إما خدموا وإما تربطهم علاقات وثيقة بالسلطة التنفيذية في الإدارات الجمهورية والديمقراطية، وأعضاء من الكونغرس، أو أعلى المستويات في الجيش.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟ بقلم// محمد أديب السلاوي   -1-         لم يعد خفيا على أحد، أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *