أخبار عاجلة
الرئيسية / slider / حديث الأسبوع: أركان الجريمة ثابتة والمتهم مدان حتى قبل إدانته

حديث الأسبوع: أركان الجريمة ثابتة والمتهم مدان حتى قبل إدانته

آخر تحديث :2018-12-07 18:12:29

حديث الأسبوع: أركان الجريمة ثابتة والمتهم مدان حتى قبل إدانته

 

  • بقلم // عبد الله البقالي

 

ملفات كثيرة عالقة بين دول الشمال والجنوب، وعديدة هي القضايا التي تحرص جهات علمية وأكاديمية وجامعية و سياسية وثقافية على النأي بنفسها عنها لكي لا تصلها شظايا ألسنة نيرانها الملتهبة، لكن أحيانا و في سياقات استثنائية يحدث أن يفتح أحدهم فاه للبوح بجزء من الحقيقة في قضية من ركام القضايا التي تكشف حجم الابتزاز، وحتى الاختلاس الذي اقترفته دول الشمال القوية في حق دول بالكاد تبحث عن ضمان لقمة العيش الكريم لمواطنيها. ولم يقتصر الأمر على سلب الخيرات واستنزافها بالأشكال والطرق التقليدية الاستعمارية والحديثة من خلال علاقات اقتصادية غير متوازنة تصب في صالح الأقوياء، بل تجاوز ذلك بكثير ليطال الجزء الحضاري، حيث لم تدخر القوى الاستعمارية التقليدية جهودا في سرقة جزء مهم من تاريخ الشعوب المستضعفة، ونقلت هذا الجزء من الحضارة المكتوب والمنحوت منه إلى عواصمها تنتشي بعرضه في أهم متاحفها، التي ما كان بعضها ليفتح أبوابه لولا هذا الرصيد الحضاري المختلس من الغير .

لم نكن في حاجة إلى دليل على الجرائم الفظيعة التي اقترفت في هذا الصدد، فالحقائق متجلية و واضحة، وجميع أركان الجريمة ثابتة، و السارق معروف و معلوم، والمسروق معروض في فضاءات عمومية، والضحية الذي لحقه الضرر و الأذى موجود، والمتهم مدان بهذه الجريمة حتى قبل أَن تثبت إدانته، و مع كل ذلك فإن التقرير الذي تسلمه الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون قبل أسبوع، والذي أعده الكاتب السنغالي فيلوين سار و المؤرخة الفرنسية بينيديكت يعري جزء، غير يسير من حجم هذه الفضيحة الإنسانية، فقد كشف التقرير المذكور أن ما لا يقل عن تسعين ألف قطعة فنية و أثرية منهوبة من إفريقيا خلال مرحلة الاستعمار موجودة و معروضة في العديد من المتاحف الفرنسية، و أوضح التقرير أن ما يقارب سبعين ألف قطعة أثرية معروضة في متحف كي برانلي – جاك شيراك – وحده بيد أن ما يناهز 18 ألف قطعة أخرى متوزعة رسميا على خمسين متحفا فرنسيا آخر .

ليس هذا ما يصدم في هذا التقرير فحسب ، بل إنه نفسه يعترف أن هذه الأرقام الصادمة و المثيرة التي جهر بها للرأي العام الدولي ليست إلا جزءا من الحقيقة، باعتبار أن قطعا أثرية كثيرة تعود ملكيتها إلى كل من الجمهورية المصرية و الجمهورية الجزائرية تم استثناؤها بمبرر غير مقنع حتى بالنسبة للذين أبدعوا هذا الاستثناء، من خلال القول إن الأمر يتعلق ب “ملكية تستلزم أطرا قانونية مختلفة”، بما يكشف أن فرنسا وحدها استحوذت على عشرات الآلاف من القطع الأثرية من الدول الإفريقية الكثيرة التي أخضعتها للاستعمار فيما مضى من الزمان، و هذَا يعني أن جزءا مهما من تاريخ الشعوب الإفريقية تم نقله في سياقات غير سليمة وبطرق مخالفة للقوانين إلى أماكن غير أماكنها الطبيعية. و هو الذنب الذي قد يكون سرى كالدم في دواخل الرئيس الفرنسي إمانويل ما كرون و دفعه إلى الالتزام، أثناء زيارته لجمهورية بوركينا فاسو قبل سنة من اليوم، بإعادة القطع الفنية والأثرية التي تعود ملكيتها للقارة الإفريقية، و يشمل هذا الالتزام -حسب المختصين- جل غنائم الحرب و القطع التي جمعها العلماء، وكل الأشياء التي سلبتها أيادي الجنود و الموظفين أو المبشرين إبان مرحلة الاستعمار، والتي منحها ورثتهم بعدهم إلى المتاحف الفرنسية.

التقرير بما تضمنه يكشف عن جزء قليل و يسير جدا مما يحيط بهذه الفضيحة الحضارية الكبرى، والتزام الرئيس الفرنسي بإعادة المسروق والمنهوب نقطة ضوء، لكنها لن تكون كافية لتنظيف أيادي فرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية من جرائم اغتصاب حضارات و نهبها وتهريبها. فالمصادر المطلعة والخبيرة تؤكد أن حجم القضية أكبر بكثير من سرقة تسعين ألف قطعة وتحفة أثرية من القارة السمراء، و يثبتون ذلك بالكشف عن القيمة المالية الحقيقية للتداول المالي للتحف الأثرية في السوق السوداء العالمية والتي تصل إلى ستة ملايير دولار سنويا ، فقط ما يتعلق بتجارة التحف في السوق السوداء و لا تشمل القيمة المالية مآت الآلاف من التحف والقطع الأثرية المعروضة في متاحف الدول الكبرى، من قبيل “حجر الرشيد ” المصري الذي يعود تاريخه إلى عام 196 قبل الميلاد، والذي تم تهريبه إلى المتحف البريطاني، الذي يرفض مسؤولوه حاليا أي حوار في شأنه، كما هو الشأن بالنسبة ل “رخام الجي” الذي هو عبارة عن مجموعة من التماثيل الرخامية اليونانية القديمة و التي توجد بدورها في المتحف البريطاني الذي يمانع المشرفون عليه في الحوار في شأنها، و أيضا ” كوهينور الماس ” والذي سرقته شركة بريطانية من شرق الهند باعتباره من غنائم الحرب، والذي يوجد أيضا في المتحف البريطاني وترفض الحكومة البريطانية التفاوض بشأنه رغم توصلها بطلب رسمي من الحكومة الهندية، و”رأس نفرتيتي” حيث رفضت السلطات الألمانية إعادة رأس زوجة الملك أخناتون إلى جسده الذي يرقد في التراب المصري، و “قديم الصيادين” و هو تمثال لصياد عجوز يصل عمره الْيَوْمَ إلى 2000 سنة، والذي اقتنصه تاجر ألماني من مزاد علني وترفض السلطات الألمانية إعادته إلى موطنه في تركيا، وأيضا تحف “الكنز سيون” الفضية التي اقتناها أحد التجار الأمريكيين من السوق السوداء وترفض السلطات في الولايات المتحدة الأمريكية إرجاعها إلى تركيا، إضافة إلى “القطع الأثرية اليهودية العراقية” المعروضة حاليا في واشنطن، و هي القطع التي خرجت مع قوات الغزو الأمريكية للعراق سنة 2003، و كما “الكنوز الإمبراطورية” التي تتألف من 23 ألف قطعة أثرية ترفض سلطات بريطانيا إرجاعها لمالكها الحقيقي الذي هو الصين. و هذه عينة بسيطة من الرصيد الحضاري الكبير الذي اقتطعته السلطات الاستعمارية من أجساد مجتمعات إنسانية، و غنمه تجار السوق السوداء في ظروف وملابسات مشبوهة. و التي ترفض حكومات الدول الكبرى و القوية المنتفعة منها إعادتها إلى مالكيها الشرعيين رغم إقرارها بأنها ليست لها. و لا أصوات في تلك الدول تطالب بإحقاق الحق وإزهاق الباطل في مجتمعات تثقل مسامعنا كل لحظة و حين بالدفاع عن قيم الحق والشرعية.

  • نقيب الصحافيين المغاربة
 عبد الله البقالي
عبد الله البقالي

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

صدور ديوان «الغجر» للروائي المغربي «محمد بوفتاس»

صدور ديوان «الغجر» للروائي المغربي «محمد بوفتاس»

صدور ديوان «الغجر» للروائي المغربي «محمد بوفتاس»     العلم الإلكترونية: متابعة   بعد روايتين ( …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *