الرئيسية / مع الناس / دروس المجلس الوطني لحزب الاستقلال

دروس المجلس الوطني لحزب الاستقلال

آخر تحديث :2017-01-02 11:36:34

قبل أيام سألني أحد الأصدقاء الصحفيين، هل ما يجري من استهداف لحزب الاستقلال هو بهدف قطع الطريق عنه للمشاركة في الحكومة، و أن توظيف الضجة التي رافقت حديث أمينه العام عن موريتانيا بعد أزيد من شهرين من العجز عن تقديم مبررات الاعتراض على مشاركة الاستقلال في الحكومة المقبلة، هو تأكيد على هذه الرغبة الثابتة، كان جوابي بوضوح شديد، أن الموضوع أكبر من المشاركة في الحكومة..الموضوع يتعلق باستقلالية القرار  الحزبي و بمسار التحول الديمقراطي ببلادنا، المهم الآن هل سيقبل بنكيران هذا المنطق أم أنه سيرفض ذلك؟ ما يزعج البعض اليوم، هو أن حزب الاستقلال يتصرف وفق قناعاته و بوضوح تام، لهذا فإن حصر الموضوع في الدخول للحكومة من عدمه هو فقط تبخيس للنقاش الحقيقي الذي يجب أن تعرفه البلاد في هذه اللحظة المفصلية في تاريخنا، والتي سيكون لها مابعدها…

الدورة الاستثنائية الأخيرة للمجلس الوطني، كشفت حجم النزعة الشمولية التي لازالت مستقرة عميقا في عدد من مفاصيل الدولة، بداية من حرب البلاغات والعرائض، التي أكدت من جديد عن طابع الهواية لدى من يقفون وراء منصة التحكم في مثل هذه المبادرات، وهنا نستحضر مسيرة الدارالبيضاء وغيرها من المبادرات التي كانت تسعى لإضعاف حزب العدالة والتنمية، فإذا بها تقدم له طاقة إضافية وتثبت حضوره عميقا في بنية المجتمع المغربي.

عاش حزب الاستقلال محنة حقيقية، وهي واحدة من المحن الصعبة التي خبرها الحزب، لكنه عبرها بسلام، الجديد اليوم هو أن هذه المحنة كانت تقترب من فتنة 1959، والتي كانت جرحا في وحدة الحركة الوطنية، أفضى إلى ما أفضى إليه على مدى أزيد من 60سنة من التاريخ المعاصر لبلادنا، من تمدد التردد وتجدده في بناء دولة ديمقراطية، وقد تم توظيف كل شيء في الإستهداف الأخير..جزء من القيادة التاريخية للحزب، و بعض أعضاء لجنته التنفيذية، والإعلام الرسمي، ووكالة الأنباء الرسمية، بل حتى خطبة الجمعة لم تسلم من التوظيف، وطبعا جزء من الإعلام الخاص الذي يعرف الجميع طبيعة الرأسمال الذي يتحكم فيه والذي كان موضوع تقارير دولية بخصوص محدودية حرية الاعلام ببلادنا.

انعقاد المجلس الوطني للحزب، كان جوابا مؤسساتيا، وكان تعبيرا على التشبث بالشرعية القانونية لمؤسسات الحزب، و كان فوق كل ذلك تأكيدا لمن يحتاج إلى تأكيد، أن من يخططون يفتقدون لوسائل تنفيذ صالحة، وهذه الوصفة تم تجريبها سنة 2015 وفشلت، و تم تجريبها اليوم مع بعض التنقيحات وفشلت أيضا.

لماذا؟ ببساطة لأن من يراهنون عليهم لإحداث إنقلاب داخل حزب الاستقلال، لا يعرفون الحزب وليس لهم أي إمتداد داخله، وبالنتيجة فإن استمرار الرهان عليهم هو وجه آخر من وجوه الهواية..

دورة المجلس الوطني للحزب أول أمس السبت، أوضحت المعدن النفيس للاستقلاليات و الاستقلاليين، و أوضحت أن لحمهم مر، و أن جينات المقاومة يتم توارثها جيلا بعد جيل، و كما قال الأمين العام للحزب في خطابه ” إن التاريخ سيجلل بالعار، كل من تآمر على الحزب وخان مبادئه و إفترى عليه، فنحن في نهاية الأمر عابرون، لكننا في كل عبور نحفر عميقا القيم و المثل التي شكلت منهجا و اختيارا للحرية و الإنعتاق”.

لقد أثبتت دورة المجلس الوطني للحزب، أن المؤتمر الأخير أحدث تغييرات جوهرية داخله، و لعل تخلص الاستقلاليات و الاستقلاليين من منطق الإجماع، هو الذي مهد الطريق إلى بناء حزب المؤسسات، حزب يكون فيه التداول حر، لكن القرارات تكون ملزمة، حزب قد يبني تراتبية أخلاقية مبنية على أسس من الماضي، لكنه لا يقبل أن يساوم بها على استقلاليته و على شرعية مؤسساته.

لقد كانت دورة المجلس الوطني، لحظة إنسانية قبل أن تكون لحظة سياسية وتنظيمية داخل الحزب، لأن ما أثر في الاستقلاليات و الاستقلاليين، ليس مؤامرات الجهات التي يعرفها الجميع، وليس المؤلفة قلوبهم، لكن ما أوجع الاستقلاليين و أسال دموعهم الحارقة، هو إنخراط من لهم تاريخ وقامة ومجد، ومن لهم موقع الأبوة، و من شكلوا لنا طويلا النموذج و القدوة، ومن أخذنا عنهم مواقفنا ورؤيتنا للسياسة و للحياة أيضا… الاستقلاليات و الاستقلاليين، لم يذرفوا الدموع أمس لأنهم شعروا بظلم الاستهداف، أو بالضعف، بل لأنهم صدموا في أعز ما يملكون..تاريخهم وقيمهم.

الاستقلاليون عليهم أن يشكروا الجهات التي تخطط وتنظر للمؤامرات على الأحزاب المستقلة، لأنها أهدت لحزب الاستقلال هدية من السماء، جددت وحدة الحزب على أسس متينة، و أكدت للجميع، أن المناضلات والمناضلين هم من يصنع حاضر ومستقبل الحزب، وهنا لابد أن نستحضر إسما له مكانة خاصة، أثبت طيلة المحنة الأخيرة، أن سقف الحزب هو سقف الاختلاف، و أن التدافع داخل الحزب أمر طبيعي، لكن القيام بدور المناولة لجهات تكره الحزب وتحمل عقدا من تاريخه وحاضره، فإنه يرفضها رفضا مطلقا..أتحدث هنا عن الاخ عبد الواحد الفاسي.

لقد كانت دورة المجلس الوطني للحزب فرصة أعطى فيها الأمين العام دروسا في نبل السياسة، و في نكران الذات، و في نموذج القائد الذي لا يتراجع عن المواجهة و لا يستسلم، لكنه يميز بين شخصه، وبين الحزب.. الجميع يعرف بأن استهداف حميد شباط قائم على خلفية إفشال مؤامرة 8 أكتوبر، و مع ذلك فإنه قرر أمس أن يكون كالشمعة تحترق لكي تنير الطريق للحزب، و الجواب ينتظره الرأي العام وليس فقط الاستقلاليات والاستقلاليين، لقد أسقط الأمين العام حجة حميد شباط من أيدي من تعوزهم الحجة…

لحظات الدفاع عن الشرعية و المؤسسات تذكرني دائما بالبطل الرئيس التشيلي الراحل سالفادور أليندي عندما قال قبل لحظات من مقتله أثناء انقلاب بينوتشي: «سوف أدفع حياتي دفاعاً عن المبادئ العزيزة على هذه البلاد. العار سيجلّل أولئك الذين خانوا قناعاتهم، وأخلّوا بكلمتهم وتحوّلوا إلى عقيدة القوات المسلحة.

على الشعب أن يكون يقظاً، وألاّ يترك نفسه عرضةً للتحريض، وألاّ يقتل، لكن عليه أن يدافع عن مكتسباته. عليه الدفاع بعمله الخاص عن حقّه في بناء حياةٍ كريمةٍ أفضل. وبخصوص أولئك الذين -أعلنوا بأنفسهم- عن الديموقراطية كما يقولون، فقد تسببوا بالتمرد، وقادوا تشيلي إلى الهاوية بطريقةٍ غير منطقية ومريبة. من أجل المصلحة العليا للشعب، وباسم الوطن، أحثّكم على الاحتفاظ بالأمل. التاريخ لا يتوقف، لا بسبب القمع، ولا بسبب الجريمة. إنّها مرحلةٌ ينبغي تجاوزها، لحظةٌ صعبة. ربما يسحقوننا، لكن المستقبل سوف يكون ملكاً للشعب، للعمال..

الإنسانية تتقدّم نحو الحصول على حياةٍ أفضل.

أيها المواطنون، من غير الممكن إسكات صوت المذياع، وسوف أستأذنكم. في هذه اللحظة، تمرّ طائراتٌ فوقنا، وربما تقصفنا. لكن فلتعلموا أنّنا موجودون هنا لإظهار أنّ هناك أناساٌ في هذه البلاد يقومون بواجباتهم إلى آخر لحظة. أنا سأقوم بذلك، مفوضّاً من الشعب، وبصفتي رئيساً واعياً لكرامة ما أنا مكلّف القيام به».

عن عادل بنحمزة

النائب عادل بن حمزة، هو من مواليد سنة 1975 بمدينة الخميسات متزوج وأب لطفلين، نشأ بالخميسات وبها حصل على شهادة الباكالوريا بثانويتها الشهيرة موسى ابن نصير سنة وذلك سنة 1995، وبالنظر إلى عدم وجود مؤسسة جامعية بإقليم الخميسات إضطر إلى الإنتقال إلى الرباط لمتابعة دراساته العليا بجامعة محمد الخامس، حيث حصل سنة 2000 على الإجازة في علم السياسة وكان موضوع بحث التخرج " المعيقات البنيوية للانتقال الديمقراطي بالمغرب "،

شاهد أيضاً

عادل بنحمزة

مع الناس: قمم قمم قمم…

مع الناس: قمم قمم قمم… بقلم // د. عادل بنحمزة القمة العربية التي احتضنتها عمان، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *