الرئيسية / كتاب الرآي / سوريا مفصل أساسي في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الكبير

سوريا مفصل أساسي في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الكبير

آخر تحديث :2016-11-02 14:30:24

عمليا ومع بداية شهر نوفمبر 2016 أصبحت التعزيزات البحرية الروسية الجديدة المرسلة إلى شرق البحر المتوسط، والمشكلة من جزء هام من أسطول الشمال الروسي داخل منطقة العمليات العسكرية لساحة الحرب في بلاد الشام.

وكانت القيادة العسكرية في موسكو قد أعلنت يوم السبت 15 أكتوبر أن حاملة الطائرات الروسية “الأميرال كوزنيتسوف” انطلقت في تمام الساعة الـ3 من بعد الظهر بتوقيت موسكو من شمال شرق الأطلسي، تتقدم مجموعة سفن تضم الطراد “بطرس الأكبر” الصاروخي الذري الثقيل، وسفينتي “سيفيرومورسك” و”الأميرال كولاكوف” الكبيرتين المضادتين للغواصات، إضافة إلى عدد من سفن الإمداد، قاصدة الساحل السوري.

يشار إلى أن “الأميرال كوزنيتسوف” قادرة على حمل أكثر من خمسين طائرة، و1960 عسكريا ومزودة بصواريخ مجنحة مضادة للسفن من نوع “غرانيت”، وصواريخ “كلينوك” المضادة للأهداف الجوية، وأنظمة “كاشتان” الصاروخية المدفعية، إضافة إلى منظومات دفاعية متكاملة مضادة للغواصات.

وتحمل “كوزنيتسوف” على متنها إلى شرق المتوسط، حسب المصادر العسكرية الروسية، مقاتلات “ميغ-29 KR”، و”ميغ 29-KUBR”، ومقاتلات “سو-33” البحرية، إضافة إلى مروحيات “KA-52″ الملقبة بـ”التمساح”.

يوم 28 أكتوبر ذكرت وسائل إعلام بريطانية، نقلا عن مصادر في الأسطول البريطاني، أن ثلاث غواصات روسية ضاربة التحقت بمجموعة السفن الروسية التي عبرت المانش مؤخرا قاصدة الساحل السوري.

ونقلت عن مصادرها في الأسطول البريطاني قولها، إن الجانب البريطاني سجل دخول غواصتين ذريتين متعددتي الأغراض، وثالثة تعمل بالديزل، مياه الأطلسي قادمة من قاعدة أسطول الشمال في مورمانسك شمال روسيا، وأن جميع الغواصات المذكورة مزودة بصواريخ مجنحة.

وأشارت المصادر البريطانية كذلك إلى أن الغواصات الروسية الثلاث التقت بمجموعة السفن الروسية، وأنها تبحر في الوقت الراهن بمحاذاة سواحل شمال إفريقيا على المتوسط.

وتؤكد وسائل الإعلام البريطانية حسب مصادرها، أن “مجموعة السفن الروسية سوف تستخدم الغواصات الثلاث المذكورة لضرب الأهداف في سوريا بالصواريخ المجنحة التي تحملها”.

وبالنظر إلى وجود جزء هام من الأسطول السادس الأمريكي الذي يضم حوالي 40 سفينة و175 طائرة و21 الف جندي وبحار والمنتشر من مضيق جبل طارق حتى سواحل البحر الأبيض الشرقية وكذلك سفنا حربية تابعة لكل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا والكيان الصهيوني، في نفس المنطقة الواقعة بين شبه الجزيرة الإيطالية وسواحل سوريا ولبنان وفلسطين وتركيا، فإن العالم يشهد أحد أكبر حشد بحري منذ عقود في منطقة جغرافية محدودة.

الحسم في حلب

يوم الأربعاء 26 أكتوبر صرح دبلوماسي كبير في حلف شمال الأطلسي الناتو نقلا عن معلومات لأجهزة مخابرات غربية، إن السفن الحربية الروسية تحمل قاذفات مقاتلة يرجح استخدامها لتعزيز هجوم نهائي على شرق حلب المحاصر في سوريا خلال أسبوعين.

وقال الدبلوماسي مشترطا عدم كشف اسمه لوكالة أنباء رويترز إن الروس “ينشرون كل أسطول الشمال وجزءا كبيرا من أسطول البلطيق، في أكبر انتشار بحري منذ نهاية الحرب الباردة”.

وأضاف أن “هذه ليست زيارة ودية، فخلال أسبوعين سنرى تصعيدا في الهجمات الجوية على حلب في إطار إستراتيجية روسيا لإعلان النصر هناك”.

بينما كانت سفن تعزيزات الأسطول الروسي تعبر المتوسط أعلن الجيش الروسي مساء الجمعة 28 أكتوبر أنه طلب من الرئيس فلاديمير بوتين السماح باستئناف الضربات الجوية في حلب بعد توقف استمر عشرة أيام، وذلك إثر هجوم تشنه فصائل معارضة ضد قوات الجيش العربي السوري في الأحياء الغربية للمدينة. وقال الجنرال في هيئة الأركان سيرغي رودسكوي في مؤتمر صحافي “في حين يستمر قتل المدنيين ويشن المسلحون معارك ضد قوات النظام طلبنا من القائد الأعلى للقوات المسلحة الروسية استئناف الضربات الجوية في حلب الشرقية”.

وقال الجنرال رودسكوي إن الجيش الروسي “يتخذ كل الإجراءات الهادفة لتأمين الوضع في حلب”، موضحا أن الممرات الإنسانية ستبقى مفتوحة كل الوقت وأن الحافلات وسيارات الإسعاف تبقى جاهزة لإجلاء المدنيين والجرحى.

وختم الجنرال الروسي قائلاً: “نحن جاهزون لبحث كل الاقتراحات الهادفة لتحسين الوضع الإنساني في حلب وبينها إقرار هدنات إنسانية جديدة، لكن شرط ألا يكون المقاتلون هم المستفيدون الوحيدون منها”.

بعد ساعات من طلب إستئناف الغارات أعلن المتحدث بإسم الكرملين إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرى أن استئناف الضربات الجوية على مدينة حلب السورية غير ضروري الآن. وأضاف أن بوتين رفض استئناف الغارات الجوية لإعطاء الولايات المتحدة وقتا “لفصل الجماعات الإرهابية عن ما تسميه المعارضة المعتدلة وللسماح للمقاتلين والمدنيين بمغادرة حلب إذا رغبوا في ذلك”.

واعتبر بوتين أنه من الضروري تمديد الهدنة الإنسانية في حلب، لكنه شدد على أن روسيا تحتفظ بحقها في استخدام كل الوسائل المتاحة لها لدعم القوات السورية في حال دعت الحاجة لذلك.

ويبدو هذا التطور مفاجئا لكونه يأتي بعد يوم واحد من إعلان بوتين فشل مباحثاته مع الأمريكيين بشأن سوريا، وتشديده على ضرورة مواصلة قصف الجماعات الإرهابية.

ففي كلمة ألقاها خلال منتدى “فالداي” الحواري في مدينة سوتشي الروسية، أعلن بوتين فشل اتفاقاته “الشخصية” مع نظيره الأمريكي باراك أوباما بشأن وقف نزيف الدم في سوريا لأن واشنطن تخلفت عن تنفيذ إلتزاماتها. كما شدد على أنه لا خيار أمام موسكو سوى تطهير حلب من الإرهابيين. وأشار بوتين إنه يجب النظر إلى مأساة المدنيين في الموصل العراقية أيضا بدل التركيز على حلب وحدها.

عدد من المراقبين فسروا التصريحات الصادرة من موسكو بأنها تدخل في إطار عملية لإحراج واشنطن التي تماطل لإطالة الحرب في سوريا جريا وراء إسقاط النظام وتقسيم سوريا إلى دويلات، كما أنها تهدف إلى كشف مناورات التنظيمات المسلحة التي ترفض السماح للمدنيين بالخروج من مناطق القتال، زيادة على أن القيادة العسكرية في دمشق وموسكو ترغب في ترك التنظيمات المسلحة تستنزف جزء كبير من قواها قبل توجيه ضربات جوية كثيفة ضدها بعد وصول تعزيزات الأسطول الروسي إلى ساحة العمليات.

الأمر الذي يظهر أكثر أهمية لبعض المراقبين هو أن موسكو تنتظر تبين نوايا أنقرة القادمة قبل أن تحدد أهدافها العسكرية بعد إكتمال حشدها العسكري الذي لا يقتصر على الأسطول البحري بل كذلك على القوة الروسية الموجودة داخل سوريا.

شكل ومصير الصراع في سوريا

يوم 30 أكتوبر أكدت صحيفة “الواشنطن بوست” الأمريكية أن الصراع العسكري في حلب هو الذي سيحدد شكل ومصير الصراع في سوريا المستمر منذ أكثر من خمسة أعوام، لما للمدينة من أهمية كبيرة، فهي تعد ثاني أكبر المدن السورية، وكان عدد سكانها يتجاوز 3 ملايين نسمة، عدا عن أن المدينة باتت اليوم تشكل نقطة من نقاط الصراع الرئيسية بين الغرب وروسيا التي بدأت تدخلا عسكريا مباشرا لصالح الحكومة السورية منذ سبتمبر 2015.

عدد كبير من الخبراء يتوقعون أن تكون نهاية مأساة حلب مؤشرا لختام الحرب متعددة الأطراف على أرض الشام، حيث يوجد آلاف المتمردين من أكثر من 80 جنسية ومئات المسلحين من “جبهة فتح الشام” “النصرة” سابقا في الجزء الشرقي من المدينة وهزيمة هؤلاء ستكون موجعة جدا لكل الذين يقاتلون الجيش السوري.

كبير الأساتذة في كلية الاقتصاد العليا الروسية ليونيد إيسايف صرح: “إذا لم يستول الجيش السوري على حلب، فسوف يواجه مشكلات جدية في الجبهة الشرقية، لأن تنظيم “داعش” يستطيع بسهولة فصل القوات التي تحاصر حلب حاليا عن مجموعة القوات الرئيسة. وهناك معطيات تفيد بقدرة “داعش” على القيام بهجوم في تلك المنطقة. لذلك يجب الإسراع بقضية حلب لأن العملية تأخرت كثيرا”. وذكر الخبير أن قوات الحكومة السورية تحاول استعادة حلب منذ بداية صيف 2016.

كما أشار إيسايف إلى أن النزاع حول حلب قد يتعقد نتيجة تدخل لاعبين آخرين، “فقد تتدخل “داعش” وفي الشمال يتصاعد النزاع بين القوات التركية والأكراد. ومن المرجح أن تتوجه القوات التركية نحو حلب عبر المجموعات الموالية لها. ففي حلب عدد كبير من الموالين لتركيا”. وبحسب رأيه، سوف تحاول تركيا تقديم دعم غير مباشر لهذه المجموعات.

الدور التركي المزدوج

في العاصمة اللبنانية بيروت حيث تحشد أجهزة دولية خبراءها لمتابعة الحرب المتعددة الأطراف على أرض الشام، جاء في مقال تحليلي نشرته صحيفة السفير المعروفة بسعة مصادر معلوماتها تحت عنوان، الجيش يحتوي الهجوم و”النصرة” تحت امتحان الخضوع لأنقرة … الغزو المركب لحلب.. بأوامر تركية:

“لم تمض ساعات على كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ “حلب لأهلها”، حتى دخلت المدينة في أتون معارك ضارية مستمرة منذ أربعة أيام، وقد تكون الأخطر بالنسبة لها منذ بداية الحرب السورية.

وبغض النظر عما إذا كان الاستثناء الرئاسي التركي لحلب من قائمة أطماعه التي اقتصرت في خطابه على منبج والباب، هو كلمة السر لبدء “غزوة حلب” أم لا ” يقصد هنا هجوم الفصائل المسلحة المضاد لفك الحصار”، فإنه يصعب التصديق أن تنطلق هذه الغزوة من دون ضوء أخضر تركي، أو على الأقل من دون غض طرف، وذلك نظرا للحساسية العالية التي تنطوي عليها مدينة حلب.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن “غزوة حلب” انطلقت بعد اجتماعات مكثفة لقادة الفصائل المشاركة فيها مع ضباط ارتباط من الجانب التركي، تم فيها دراسة جدوى أي هجوم عسكري لخصوم دمشق على المدينة. وأشارت المصادر إلى أن المعركة تأخرت لأكثر من أسبوعين بسبب الـ “فيتو” التركي عليها، غير أن تركيا بدلت موقفها في الاجتماعات الأخيرة وسارت مع خيار إطلاق المعركة، لكن مع التحفظ على أن يكون تحديد موعدها حقا لها.

ويبدو أن التغيير التركي جاء على خلفية الاستعصاء الذي واجهته قوات “درع الفرات” التي تعمل تحت قيادتها، في محيط مدينة الباب، والخشية من أن يؤدي تطور الأمور هناك إلى صدام بين الجيشين التركي والسوري، خصوصا بعد التهديدات السورية بإسقاط الطائرات التركية، وبتفعيل المقاومة المسلحة ضد “الاحتلال التركي”.

صفقة “النصرة” مع أنقرة

إن معلومات حصلت عليها “السفير” من مصدر مقرب من “جبهة النصرة”، من شأنها إثبات أن تركيا لم تكن منذ البداية تعمل على تنفيذ التفاهم مع روسيا بحسن نية، بل سعت إلى استثماره بهدف زيادة مكاسبها من جهة، وبهدف الترجيح بين عدة خيارات شعرت بأن فائض القوة الذي باتت تمتلكه يمكنها من تحقيق أي منها من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، أكد المصدر، وهو “مقدسي” فلسطيني الجنسية، رفض الكشف عن اسمه، في حديثه، أنه بعد ساعات من مطالبة كبار المسؤولين الأتراك “جبهة النصرة” بالخروج من أحياء حلب الشرقية، جاء موفد تركي “سوري الجنسية” إلى مقر “الجبهة” وأكد لقيادتها في حلب أن الطلب التركي ليس الهدف منه “استعداء جبهة النصرة” بل هو نتيجة لضرورة فرضتها الأجواء الإقليمية.

وأضاف الموفد التركي أن “المطالبة بالتالي ليست ملزمة وجبهة النصرة لها الحرية في اتخاذ القرار الذي تريده”.

وأوضح المصدر أنه بناء على هذه الرسالة، اتفقت “جبهة النصرة” مع باقي الفصائل بما فيها المدعومة من تركيا، على رفض الخروج، وهو ما أدى في حينه إلى إفشال الهدنة التي أعلنتها روسيا من طرف واحد.

وفي مقارنة مع ما جرى في ريف حلب الشمالي مطلع عام 2016، عندما أعلنت تركيا أنه “لا مكان لجبهة النصرة في المنطقة الآمنة” التي تعتزم إنشاءها، سارعت “جبهة النصرة” حينها إلى الانسحاب من معاقلها في المنطقة وتسليمها لـ “الجبهة الشامية”، وهو ما يثبت أن الطلب التركي عندما يكون ملزماً لا تجرؤ بعض الفصائل “المتمردة” مثل “النصرة” على رفضه، فكيف الحال مع فصائل مرتبطة ارتباطا عضوياً مع أنقرة مثل “أحرار الشام” أو “الزنكي” أو غيرهما.

ومن أهم المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها تركيا جراء معركة حلب، هو الضغط على الجيش السوري في محيط مدينة الباب كي يتراجع عن تهديداته، وحتى لا يقف حجر عثرة يسقط حلم الرئيس التركي في الوصول إلى المدينة التي طالما كرر، لدرجة الإلحاح، أنه يريدها إلى جانب منبج.

ومن الجدير ذكره هنا أنه وردت بعض الأنباء التي تحدثت عن انسحاب تنظيم “داعش” من مدرسة المشاة وبعض القرى المحيطة بها، غير أنه لم تثبت صحة هذه الأنباء، وإن كان من غير المستبعد أن يلجأ التنظيم إلى هذه الخطوة، حيث باتت المناطق المشار إليها محاصرة من ثلاث جهات، وبالتالي لا أمل لديه في المحافظة عليها. كما قد يرى التنظيم أن من مصلحته استخدام انسحابه منها لأجل تصعيد الموقف بين الجهات التي تقاتله، وهي عبارة عن ثلاثة جيوش متعادية في ما بينها، وتتمثل بقوات “درع الفرات” المدعومة تركيا، و “قوات سوريا الديموقراطية” المدعومة أمريكياً، والجيش العربي السوري.

كما أن تركيا تستغل الغموض في بعض بنود تفاهمها مع روسيا من أجل إعادة ترسيم المشهد في حلب على نحو يحقق مصالحها.

فإطلاق معركة في جبهات حلب الغربية لا يناقض من حيث المبدأ مضمون التفاهم الذي يشمل الأحياء الشرقية فقط، وبالتالي لن يؤدي إلى انهيار التفاهم لكنه سيسمح لتركيا بأن تواجه “جبهة النصرة” بأنها منحتها الفرصة الأخيرة لتغيير الأوضاع في المدينة، فإذا نجحت بذلك، فسيصب هذا النجاح في الرصيد التركي، أما إذا فشلت، فستكون فرصتها السانحة للتخلص من “جبهة النصرة” في أحياء حلب الشرقية، مع ما يعنيه ذلك من أن يصبح النفوذ فيها شبه محصور بالفصائل المحسوبة عليها، وعلى رأسها الفصائل التركمانية أو الإسلامية المطواع لسياساتها، وهو أقصى ما تريده أنقرة على المدى البعيد في هذه المرحلة.

وعموما، يرى العديد من النشطاء الإعلاميين سواء الموالون أو المعارضون أن مدينة حلب تتعرض لخطة مركبة وطويلة الأمد، تتقاطع فيها مصالح العديد من الفصائل مع المصالح الإقليمية والدولية، وأن هذا التقاطع من شأنه أن يزيد من تعقيد الأوضاع ويؤدي بها إلى الانزلاق نحو مستويات غير مسبوقة من العنف والموت والخراب”.

الدور الإسرائيلي

في الحسابات العسكرية والسياسية للصراع المتعدد الأطراف على أرض الشام تمنح للكيان الصهيوني حصة تكاد تتفوق في حجمها على حصة أنقرة، ذلك أن تل أبيب أكثر حرصا على تدمير سوريا وتصفية جيشها وتقسيمها إلى دويلات متعادية. ومنذ إندلاع الحرب في سوريا لم تتوقف إسرائيل يوما عن دعم الفصائل المسلحة بالسلاح والمؤن وتقديم الدعم الإستخباراتي والعلاجات الطبية، أو التدخل بطيرانها لقصف أهداف في سوريا أو لحزب الله اللبناني. وإذا كانت تل أبيب قد حاولت إيهام العالم أنها لا تتدخل في سوريا فإنها ومنذ التدخل العسكري الروسي المباشر لدعم الجيش السوري تكشف عن حجم تخوفها مما ستأتي به الأيام من تطورات مضرة لها.

جاء في تقرير نشر في بيروت تحت عنوان “الصدام الإسرائيلي الروسي مسألة وقت في سوريا”:

“أن يعرب الجيش الإسرائيلي عن “هلع” من الوجود العسكري الروسي في سوريا وتناميه، مسألة تستأهل التأمل، رغم منسوب المبالغة في عرض القلق. إلا أن تضارب المصالح وتعارضها، وتحالف موسكو مع أعداء تل أبيب وتمكين موقفهم ومكانتهم، يتجاوز قدرة التفاهمات الابتدائية بين الجانبين، ومن شأنه أن ينذر بالأسوأ من ناحية إسرائيل.

لا يصدر عن إسرائيل موقف رسمي من تنامي الوجود العسكري الروسي في سوريا. يلتزم المسؤولون الإسرائيليون، بتوجيه من أعلى، شبه الصمت المطلق، مع اجتناب كامل للتعليق، سلباً أو إيجاباً. إلا أن الصمت الرسمي لا يلغي الإعراب عن القلق المتسرب من مصادر عسكرية الى الاعلام العبري.

حقيقة الوسائل القتالية الروسية ونوعها وحجمها، وإمكان تصادم المصالح بين الجانبين، المبني أساساً على الحلف القائم بين موسكو وأعداء تل أبيب في سوريا، تتسبب في منسوب مرتفع من القلق، وصل الى حد الإعراب عن حالة من “الهلع”، كما ورد من تسريبات نشرت عبر القناة الثانية العبرية يوم الأحد 30 أكتوبر، نقلا عن كبار ضباط الجيش الاسرائيلي.

مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى، وتحديدا في سلاحي الجو والبحر، أكدت حالة “الهلع”، في أحاديث مغلقة، إزاء تعاظم الوجود العسكري الروسي في الشرق الأوسط، ووصفوه بـ”المقلق جداً”. بحسب القناة، لا أحد يريد أن يقر بذلك علنا، لكن بحسب كبار الضباط في السلاحين: “لم نكن لنظن أن الامور ستصل الى هذا المستوى وهذا النحو، إذ فاجأنا الروس بحجم ونوع الاسلحة التي استقدموها الى سوريا، وهو ما يؤثر بشكل كبير جدا علينا كسلاحَين استراتيجيين الجو والبحر لإسرائيل”.

بالطبع، لا يعني ذلك أن إسرائيل وروسيا متجهتان نحو التصادم، كما ترد الإشارات حوله في الاعلام العبري في الفترة الاخيرة، إذ إن الجانبين معنيان بالامتناع عن التصادم، وكل لأسبابه الخاصة، سواء كان قاصرا عن ذلك في الأساس، أو كان لا يرى في ذلك ضرورة. لكن تعارض مصلحتَي روسيا وإسرائيل في سوريا، وتحديداً ما يتعلق بحلف موسكو مع أعداء تل أبيب وما ينتج من هذا الحلف من تعزيز لموقف الاعداء، يتسبب في قلق تل أبيب، خاصة أنه يرتبط أيضا بمستقبل سوريا ومستقبل أعدائها فيها.

وجود عسكري مقلق جدا

ويسترسل التقرير “يضاف الى ذلك أن طبيعة العلاقة القائمة بين روسيا وإسرائيل فوق السماء السورية، ترتبط تحديدا بـ”دائرة السماح” الروسية التي تتيح لإسرائيل التحرك من خلالها من دون تجاوزها، والتي لا تتعارض حاليا، في هذه المرحلة، مع المصالح الروسية المباشرة. ولكن ماذا سيحدث لو تعرض الجيش السوري لضربات إسرائيلية.

ضمن هذا السيناريو المفترض، الذي لا يبدو أنه سيكون بعيدا، هل تصمت روسيا بلا حراك دفاعاً عن حليفها السوري؟. إن الروس حرصوا على أن يكونوا ندا للأمريكي، فهل سيتراجعون أمام الاسرائيلي مع اختلاف القدرة والامكانات؟.

من هنا يأتي التعبير المسرب عن ضباط إسرائيليين حول “الهلع”، ومن هنا يمكن فهم هذا المصطلح، أي إنه لا يأتي من الوجود الروسي نفسه، بل من مصلحة روسيا وشبه التصاق هذه المصلحة بمصالح أعدائها، وتحديدا منعة وثبات موقف الرئيس السوري بشار الاسد وحلفائه، الذي بات بعيدا جدا عما كانت تأمل تل أبيب أن يصل اليه.

تسريبات كبار الضباط الاسرائيليين، كما ترد في تقرير القناة، تؤكد أن “أسياد السماء والبحر في المتوسط، أي سلاحَي الجو والبحر الإسرائيليين، لم يعودا كما كانا عليه، وواقع أن تخترق الطائرات الحربية الاسرائيلية أجواء المنطقة، وأيضاً خوض السفن الاسرائيلية غمار البحار، بلا تهديدات تذكر، أصبحا واقعاً من الماضي”، بحسب الضباط الاسرائيليين. وإن “المسألة باتت مغايرة، وما اعتدناه لم يعد قائماً”، ويضيفون “اعتدنا القول إنه إذا أردت أن تعرف ماذا ينوي الرئيس الامريكي، فانظر أين توجد حاملات طائراته، وإذا طبقنا ذلك على الجانب الروسي، فيجب النظر بقلق الى وصول حاملة الطائرات الروسية الى شرق المتوسط، الأمر الذي يقلق، وبمستوى مرتفع، الجيش الاسرائيلي”.

ويظهر التقرير المخاطر والتهديدات، وتحديداً ما يتعلق بواقع أن السماء الإقليمية لم تعد حكراً على الإسرائيليين والامريكيين فقط، إذ وجد هنا عنصر إضافي “روسيا” يراقب الحركة الاسرائيلية في المنطقة. و”يعترفون في المؤسسة العسكرية الاسرائيلية بأن روسيا تراقب كل حركة نقوم بها في المنطقة، وكل طائرة في السماء أو زورق في البحر، إذ لا توجد طريقة للتملص من الرادارات الروسية، وهم، أي الروس، يجمعون على أن لدى إسرائيل معلومات استخبارية مختلفة وبكل الوسائل، بما يشمل التنصت والمراقبة الجوية والبحرية”.

ويتطرق التقرير الى النية التي دفعت روسيا إلى نشر منظومات صواريخ أرض جو من طراز “اس 400″ و”اس 300” في سوريا، وتحديداً ما يتعلق بإعلان المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية عن أنهم سيعترضون أي شيء غير مشخص من قبلهم يعمل ضدهم وضد النظام السوري. أما ما يقلق أكثر فهو التصريح الروسي بأنه “إذا كان هناك أحد ما يمكنه أن يختبئ  وراء تكنولوجية تملّصية، فالأجدر به أن يفكر مرتين”. وبحسب المصادر العسكرية الإسرائيلية، “كإسرائيل وجدنا أنفسنا والمنطقة مكشوفين أمام الصواريخ الاعتراضية المتطورة، وعلى ما يبدو لعشرات السنين المقبلة”.

على خلفية تعارض المصلحتين، وتحديدا من الدولة السورية ورئيسها وحلفائه، يرى التقرير أن إمكانات المواجهة في السماء أو البحر بين القطع الاسرائيلية والروسية باتت قريبة، وأكثر من أي وقت مضى، و”في إسرائيل يدركون أن هذه اللحظة تقترب… روسيا ليست عدواً، ونحن نعمل على منع الاحتكاك مع الروس، لكنهم لا يعطون لإسرائيل أي أهمية، وهم يقومون بما يريدون”.

ويلفت التقرير الى أن المصالح الروسية في سوريا واسعة وكبيرة جداً، وهي تتضمن تعاوناً مع أكبر أعداء إسرائيل.

ضمور القدرات الأمريكية

بموازاة مع وقف تمدد موجة الفوضى الخلاقة، التي كانت أحد أهم معابر تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد في واشنطن لتمزيق المنطقة العربية وخلق ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية ودينية وطائفية، واجهت إدارة الرئيس الأمريكي أوباما حملة إنتقادات من جانب من يوصفون بالصقور والذين طالبوا بالتدخل العسكري المباشر في كل منطقة تتعثر فيها برامج نشر الفوضى.

تردد إدارة البيت الأبيض في ركوب قطار التدخل العسكري المباشر في المنطقة العربية لم يكن نابعا فقط عن رغبتها في تجنب تجارب سيئة كالتي واجهتها في أفغانستان والعراق بل كان كذلك نتيجة الأحكام الطبيعية لحدود القوة. فالولايات المتحدة وعلى مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لم تعد تلك القوة التي إنفردت بمرتبة القوة الأولى عاميا بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن العشرين، حيث غدت تعاني من ضمور القوة.

الشرق الأوسط شكل تحديا للمخططات الأمريكية بسبب عودة موسكو مثلما شكلت منطقة المحيط الهادي تحديا لواشنطن بسبب بروز القوة الصينية.

التدخل العسكري الروسي في سوريا وتوجه موسكو لإعادة رسم تحالفاتها مع دول المنطقة وحرمان الغرب من إعتبار البحر المتوسط منطقة خاصة بنفوذه شكل تحديا خطيرا لواشنطن. تقرير صدر مؤخرا عن تبدل المعادلة الجيوستراتيجية في المتوسط ذكر:

جاء تنامي للقوة البحرية الروسية في البحر المتوسط وفي مناطق أخرى كالمحيط الهادي، ضمن سياق السياسة الدفاعية الروسية الجديدة بالعودة إلى توزيع القوات البحرية على غرار ما كان معمولا به خلال فترة الحرب الباردة. هناك مؤشرات عدة على وجود قرار روسي لاستعادة دور القوة العظمى، إذ تفيد بعض التقارير عن قرار بتسريع العمل لتحديث سفن الأسطول وتسليحها زيادة على بناء حاملات طائرات جديدة.

يأتي تنامي الوجود البحري الروسي قبالة السواحل السورية بعد توقيع اتفاقية بين موسكو ودمشق تجيز لروسيا استعمال قاعدة حميميم الجوية كما تجيز تحويل القاعدة البحرية في طرطوس إلى قاعدة دائمة للأسطول الروسي. ولا بد من الإشارة إلى وجود قوات برية روسية يقدر عديدها بـ 2000 جندي معظمهم من القوات الخاصة الروسية. سيشكّل هذا الحشد الروسي بعد انضمام حاملة الطائرات والسفن المرافقة إلى الأسطول الذي استقدم من البحر الأسود، الذي يضم عدداً من الغواصات النووية، قوة بحرية كبرى قادرة على منع الأسطول الأمريكي وقوات حلف الأطلسي البحرية من الإبحار قبالة السواحل السورية. وتشكل شبكة الدفاع الجوي من صواريخ أس 400 التي نصبتها موسكو على الساحل السوري قوة مساعدة من أجل منع أي اختراق جوي غربي للأراضي السورية.

صحيح أن الولايات المتحدة وحلفاءها يملكون قدرات جوية وبحرية متطورة، ولديهم أيضاً تجاربهم العملانية والتكتيكية لمواجهة مثل هذا الحشد البحري والجوي الروسي، لكن هذا لا يعني أبداً أن الدول الغربية لديها النية أو أنها ستركب المغامرة لمواجهة الأسطول الروسي والعمل على إفشال مهمته في سوريا.

لم يعد البحر المتوسط في ظل هذا الحشد الروسي البحري “بحيرة غربية”، ولم تعد الأساطيل الأمريكية والفرنسية والبريطانية قادرة على فرض سيطرتها المطلقة على شرقه أو جنوبه أو غربه، حيث تبحث روسيا ومعها الصين عن قواعد بحرية وتسهيلات جوية لدى بعض الدول المتوسطية وفي مقدمتها مصر.

صحيح أن الأزمة السورية باتت تشكل عين الإعصار بالنسبة إلى روسيا، ولكن، لا بد من النظر إلى الخريطة الأوسع للصراع بينها وبين الغرب، وهذا ما يدفع المراقبين إلى اعتبار الدور الروسي في سوريا والحشد البحري في المتوسط التفافاً على حلف شمال الأطلسي وفتحاً للجبهة الجنوبية ضده، وبالتالي إحراج الولايات المتحدة في علاقاتها مع حلفائها الشرق أوسطيين.

ومن الواضح أن روسيا تهدف من نشر أسطولها في المتوسط وإقامة قواعد جديدة له إلى توسيع دائرة نفوذها في المتوسط والشرق الأوسط، باعتمادها مقاربة “ديبلوماسية البوارج الحربية” التي سبق أن استعملتها الدول الغربية خلال القرنين الماضيين.

لكن يجب أن لا يحجب البحث في الاستراتيجية الروسية الجديدة عن أنظارنا الأهداف المباشرة التي تسعى روسيا إلى تحقيقها من خلال هذا الحشد الكبير، فالواقع الراهن على الأرض السورية يؤكد أن موسكو تريد أن تحسم معركة استعادة حلب إلى كنف النظام السوري بأسرع وقت ممكن، وأن هذه العملية تتطلب المزيد من القاذفات والوسائل النارية المدمرة، والتي تفوق قدرات القوى الموجودة الآن في قاعدة حميميم.

يدرك الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة أن روسيا باتت تمسك بالوضع العسكري في سوريا، وذلك بعد أن هيأت البنية العسكرية الاستراتيجية التي تؤمن لها حرية المناورة والعمل من دون خشية من تدخل غربي في مسرح العمليات في حلب أو ضد المنشآت العسكرية التابعة للنظام السوري، على غرار ما أوحت به المعلومات التي أوردتها وسائل الإعلام الأمريكية عن تقليب أوباما مع طاقم الأمن القومي الأمريكي الخيارات التي يمكن اعتمادها للتأثير في مسار الأزمة السورية”.

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *