الرئيسية / كتاب الرآي / كيف تمكن الأدب العربي المعاصر من إثبات ذاته داخل محيط النشر الفرنسي؟

كيف تمكن الأدب العربي المعاصر من إثبات ذاته داخل محيط النشر الفرنسي؟

آخر تحديث :2017-02-01 17:18:33

كيف تمكن الأدب العربي المعاصر من إثبات ذاته داخل محيط النشر الفرنسي؟

 أحمد الميداوي

  • العلم: باريس.. بقلم // أحمد الميداوي

استوقفني كثيرا كتاب “باريس، مكتبة عربية” لصاحبته الباحثة الفرنسية، مود ليونارد سانتيني، التي تكشف بكثير من التفاصيل الدور الفريد الذي لعبته باريس وما زالت في نشر الأدب العربي وتكريسه خارج حدود المنطقة العربية وفي عواصم القرار الأدبي، وأيضا الظروف والآليات التي تحكمت في عملية النشر هذه خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

وتنطلق الباحثة في كتابها الصادر عن دار النشر الفرنسية “بارانتيز” من استنتاج مثير هو ازدياد عدد النصوص الأدبية العربية المترجمة إلى الفرنسية داخل كاتالوغات دور النشر الفرنسية منذ نهاية الثمانينات، الأمر الذي يبرر طرح مجموعة من الأسئلة أبرزها: لماذا شهدت دور النشر في باريس هذا الإقبال على النصوص العربية، وانطلاقا من هذه الفترة بالتحديد؟ ووفقا لأية قنوات وانطلاقا من أية طاقات أو مصادر تمكن الأدب العربي المعاصر من إثبات ذاته داخل محيط النشر الفرنسي؟

وفي معرض إجابتها عن هذه الأسئلة، تقسّم سانتيني بحثها إلى قسمين مترابطين: الأول تقوم فيه بتفكيك للآليات التي تحكمت في تكوين مركز للمفكرين العرب في باريس، وهي عملية استبقت ظهور الأدب العربي المعاصر في كاتالوغات دور النشر الفرنسية بعشر سنوات. والقسم الثاني تتطرق فيه إلى حركة الترجمة بمختلف ممارساتها وأبعادها في فرنسا وعالمنا العربي، بموازاة عمل ميداني ضخم قادها إلى القيام بأكثر من مئة مقابلة شملت روائيين وشعراء عرب وناشرين فرنسيين أصدروا نصوصا عربية معاصرة وناشرين لبنانيين ومصريين نشروا النصوص الأصلية لكتاب عرب ترجموا إلى الفرنسية، إضافة إلى مترجمين للأدب العربي المعاصر وصحافيين وموظفين كبار في اليونسكو ووزارة الخارجية الفرنسية ومعهد العالم العربي بباريس.

ويحاول القسم الأول من الكتاب شرح الأسباب التي جعلت عددا هاما من المثقفين العرب يتهافتون على باريس خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وكيفية اندماجهم بسهولة داخل المحيط الجغرافي الباريسي. وفي هذا السياق، تقف الباحثة بشكل مفصل على شارع الحمراء بمقاهيه ومكتباته ودور نشره والحضور الثقافي العربي في الدائرة الخامسة في باريس، وبشكل خاص في المنطقة الممتدة من معهد العالم العربي وحتى الحي اللاتيني.

ولأن المثقفين العرب توجهوا في معظمهم لباريس نظرا للظروف السياسية الصعبة في أوطانهم، ولكن أيضا بسبب جاذبية هذه المدينة المتميزة، تخصص الباحثة فصلا كاملا للدور الذي لعبته باريس منذ القرن التاسع عشر كعاصمة للأدب والفن على مستوى العالم حتى نهاية الستينات، ثم النشاط المعاصر الفريد من نوعه الذي تضطلع به على مستوى ترجمة الآداب العالمية والتعريف بها.. ومن المعطيات الواردة في هذا الفصل طغيان اللبنانيين والمشرقيين بشكل عام، على شبكة المكتبات الشرقية، ودور بيروت المركزي في نشاط هذه المكتبات والذي يعود إلى الوظيفة التقليدية لهذه المدينة كمركز للكتاب العربي إلى جانب القاهرة.

وتتناول الباحثة في في القسم الثاني من بحثها الآليات والطاقات المسخرة في ميدان الترجمة، من خلال عملية تشريح دقيقة لهذا الجانب بخصوصياته وشبكاته وخلفياته السياسية والاجتماعية والأدبية. ونفهم من بعض المعطيات والأرقام الناتجة عن هذا التشريح، ازدياد اهتمام الفرنسيين والأوروبيين بشكل عام، بالأدب العربي المعاصر منذ فترة الخمسينات، وتناوُل معظم الترجمات جنسا أدبيا خاصا ينتمي إلى الإرث العربي الكلاسيكي هو القصة، واختصار الأدب العربي المعاصر في خمسة أسماء : محمود تيمور، توفيق الحكيم، طه حسين، جبران خليل جبران ونجيب محفوظ. ويجب انتظار فترة السبعينات كي تدخل أسماء عربية جديدة إلى كاتالوغات دور النشر الفرنسية: محمود درويش، بدر شاكر السياب، أدونيس ونزار قباني. وتحصي سانتيني خلال الفترة ما بين 1980 ـ 2000، أكثر من مئة ناشر فرنسي أصدر كتابا عربيا واحدا على الأقل، و379 إصدارا لنصوص عربية معاصرة، تبلغ نسبة دار “أكت سود سندباد” منها 28 %، بينما لا تتعدى نسبة كل من دور النشر الفرنسية الأخرى 7 %.

وتلاحظ الباحثة حضور الأدب العربي المعاصر في كاتالوغ خمسة من أهم دور النشر الفرنسية هي: “غاليمار” و”سوي” و”مينوي” و”ألبان ميشال” و”فلاماريون”، غير أن معدل الإصدارات العربية لهذه الدور لا يتعدى 10 % من مجموع النصوص العربية المعاصرة الصادرة في فرنسا. كما تلاحظ من خلال إيقاع هذه الإصدارات، عدم اهتمام الناشرين الفرنسيين بشكل منتظم بالأدب العربي، باستثناء دار “أكت سود سندباد” التي تخصص الباحثة لها فصلا كاملا نظرا لدورها الرائد والفريد داخل مشهد النشر في فرنسا. ويتراوح عدد نسخ الإصدارات العربية في فرنسا بين ألفين وخمسة آلاف نسخة لكل نص مترجم وفقا لشهرة صاحبه.

ويتبيّن من الأرقام التي حصلت عليها سانتيني من المركز الوطني للآداب، تقدُّم اللغة العربية على اللغتين الروسية والصينية وعلى معظم لغات أوروبا الوسطى والشرقية، فيما يباع الأدب العربي في المكتبات الفرنسية أكثر من الأدب الألماني وأكثر بكثير من أدب أوروبا الشرقية.

وتحتل مصر الموقع الأول على صعيد هوية النصوص المترجمة إلى الفرنسية، يتبعها لبنان فالعراق فالسودان ثم المغرب وفلسطين. وبعد إنجاز بورتريه دقيق للمترجمين الفرنسيين والعرب ودورهم البارز في مواكبة الكاتب العربي داخل مشهد النشر الفرنسي، وقدراتهم على التحرك والتوجه داخل جغرافيا مختلفة ومتغيرة، تتوقف سانتيني في نهاية بحثها عند طريقة تسويق النص العربي من قبل دور النشر الفرنسية لتُظهر طغيان النظرة الاستشراقية عليها إلى حد اليوم. 

عن فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *