الرئيسية / كتاب الرآي / متى تقطع جامعة الدول العربية مع الماضي وتستثمر في المستقبل؟

متى تقطع جامعة الدول العربية مع الماضي وتستثمر في المستقبل؟

آخر تحديث :2016-08-24 09:46:26

أكثر القمم العربية فشلاً وأشدّها إفلاساً هي القمة السابعة والعشرون التي عقدت يوم الإثنين 25 يوليو الماضي في نواكشوط. وأسوأ الظروف التي عقدت فيها مؤتمرات القمة العربية هي الظروف التي التأمت فيها هذه القمة. إذ لم تصل الأوضاع في العالم العربي من قبل إلى هذا المستوى من التدهور والانهيار وسقوط الاعتبار وذهاب الريح وتمزق النسيج العربي، ولم يحدث أن اهتز اهتزازاً شديداً ما يصطلح عليه بالنظام العربي، أو ما يعبر عنه بالأمن القومي العربي، وهما مصطلحان لا دلالة واقعية لهما، وحسبنا أننا نأتي بهما هنا على سبيل المثال ليس إلا.

لقد أفلست جامعة الدول العربية حين صودرت ووقع الهيمنة عليها وخضعت لإرادة دولة عربية واحدة، فلم تعد جامعة للدول العربية التي هي اثنتان وعشرون دولة، حتى صار الأمين العام لهذه الجامعة يتلقى سياسته من الدولة التي ينتمي إليها والتي رشحته لمنصبه. ولابد أن نذكر هنا أن أحمد أبو الغيط، الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، كان وزيراً للخارجية في عهد الرئيس الفاسد المتلاعب بالمال العام (بناء على الحكم الصادر من محكمة النقض في قضية القصور الرئاسية) الذي ثار عليه الشعب المصري، فأطاح به ودحـر نظامه. فأحمد أبو الغيط أُسقط من منصبه في آخر حكومة قبل ثورة 25 يناير 2011، فلا يعقل أن يرشح لهذا المنصب وأن يفوز به. ولكن مادام حكام مصر اليوم يصفّـون الحساب مع ثورة يناير، ويسترجعون دولة الجنرال الذي خان شرف العسكرية المصرية العظيمة، فلا يستغرب أن يعود الوزير الهمام ليجلس على مقعد عبد الرحمن عزام باشا، الأمين العام الأول لجامعة الدول العربية، ليقود العمل العربي المشترك، إذا كان هذا (العمل العربي) حقاً لا يزال قائماً ومشتركاً.

إن إفلاس العمل العربي المشترك جاء من إفلاس السياسة العربية التي عجزت عن الدفاع عن المصالح العليا للأمة العربية، إذا استخدمنا المفهوم الإيديولوجي، بدلاً من الشعوب العربية بمفهوم القانون الدولي، و(الوطن العربي)، بدلاً من العالم العربي، لأن الوطن يقتضي وجود الدولة، ومادام العرب اثنتين وعشرين دولة، فهي إذن اثنان وعشرون وطناً، وليس هو وطناً عربياً واحداًُ، إذا شئنا أن نكون واقعيين ومنطقيين مع أنفسنا، ولسنا حالمين هائمين على وجوهنا، نضلل أنفسنا ونخدعها ونبعدها عن الواقع.

للخروج من هذه المآزق يتوجب أن نقطع مع الفكر السياسي العائم في الأوهام الذي قاد جامعة الدول العربية إلى هذه الأوضاع المعقدة، مما يقتضي « تعزيز الإيمان بالاستثمار في المستقبل وبالتضامن الفعلي (لا الوهمي) والربح المتدرج المتأني». كما قال جلالة الملك في الرسالة التي وجّهها إلى القمة العربية السابعة والعشرين في نواكشوط، والتي تميزت بطرح أفكار بناءة لا عهد للقمم العربية بها، من منطلق (التحليل الموضوعي المتجرد للواقع العربي)، و(ضرورة التنبيه إلى المخاطر الداخلية والخارجية التي تستهدف تقسيم الدول العربية)، سعياً إلى (استنهاض الهمم لمواجهة المخططات، ولاسترجاع سلطة القرار، ولرسم معالم مستقبل يستجيب لطموحات الشعوب العربية في التنمية، ويليق بالمكانة الحضارية للأمة العربية).

لقد قدم جلالة الملك أمام القمة العربية مشروعاً استراتيجياً مبدعاً للإنقـاذ وللخروج من هذه الأزمات والإخفاقات والانهيارات التي تفتك بالعرب، ولتصحيح النظام العربي العام، جاء فيه : « إن التحدي الأكبر يتمثل في ربح معركة التنمية، من خلال استدراك تأخر مسارات بناء قدراتنا، في معالجة مظاهر الفقر والهشاشة في بلداننا، وتجاوز عوائق النهوض بتعاوننا الاقتصادي والتجاري». فالمهمة الأشدّ إلحاحاً خلال هذه المرحلة الصعبة، هي محاربة الفقر بكل أنواعه الذي بات يعشش في غالبية الدول العربية، بل يمكن القول دون مبالغة، إن بعضاً من الدول القادرة توجد بها عشوائيات وأحزمة للفقر والهشاشة تحيط بالمدن. وهو الأمر الذي يقتضي أن تتضافر من أجله الجهود على جميع المستويات، لبناء التنمية الشاملة المستدامة. وذلك هو العمق الاستراتيجي للاستثمار في المستقبل الذي اقترحته الرسالة الملكية إلى القمة من أجل كسب الرهان الحضاري المتمثل في بناء الدولة العصرية المبنية على المواطنة والحق والقانون، والتشبث بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية.

ودعا جلالته في الرسالة التي وجّهها إلى القمة العربية إلى « أن يبقى تركيزنا منصبّاً على إيجاد ووضع هندسة الشراكات المناسبة بين أفراد البيت العربي، من حيث الاحتياجات والأولويات والفضاءات، للنهوض بالبعد التنموي في عملنا المشترك، مسخرين كل قدراتنا الذاتية من أجل تحقيق العيش الكريم والطمأنينة للمواطن العربي». وبذلك رسم جلالته خريطة المستقبل أمام الدول العربية انطلاقاً من النهوض بالبعد التنموي في العمل العربي المشترك، وهو البعد الغائب في السياسة التي تعتمدها جامعة الدول العربية.

وجاء في الرسالة الملكية أيضاً : « لسنا فاقدين للفكر المبدع، ولا للطاقات البشرية المؤهلة، ولا للإطار المؤسساتي اللازم، ولا للثروات الطبيعية المحفزة. ما نحتاج إليه هو تعزيز الإيمان بالاستثمار في المستقبل، وبالتضامن الفعلي والربح المتدرج المتأني».

وأكد جلالة الملك مخاطباً القمة العربية في صراحة وبقوة المنطق السياسي السليم والوعي الرشيد بالمخاطر التي تحيط بالعرب : « أن إنجاز مشاريع تنموية، بناء على هذه المبادئ، ووفق تلكم الهندسة، وعلى أساس مقاربة تشاركية، لاسيما مع القطاع الخاص، لكفيل بخلق قصص نجاح، تشكل محفزا حقيقيا لانسياب الاستثمارات، والتنافس على المشاريع، في مختلف بقاع الوطن العربي». ولاشك أن انسياب الاستثمارات يتطلب استقرار الأوضاع واستتباب الأمن والسلم الأهلي، وذلك كله يتوقف على القطع مع الماضي الحافل بالنكسات والهزائم التي تراكمت لشيوع الأوهام وأضغاث الأحلام التي تعطل القدرات، وتضعف الهمم، وتشل الحركة الفوارة بالحياة في الجسم العربي.

واستشرافاً للمستقبل، وتجاوزاً للحالة الراهنة الداكنة السواد، ومن منطلق واقعي صرف، أعربت الرسالة الملكية عن الأمل الكبير في « أن تتحدث الدول العربية اليوم بروح التضامن، وفي أن يجني أبناؤها غداً، ثمار مشاريع بنيوية واقتصادية وتجارية، وتقنية وعلمية وثقافية، أنجزت في إطار جامعة الدول العربية، لتكبر هذه المؤسسة العتيدة في عيون المواطنين العرب، ولتتبوأ مكانتها في تحريك عجلة التبادل والتعاون بين التكتلات الإقليمية الأخرى، والتأثير الإيجابي على الاقتصاد العالمي». وهذا مطمح من المطامح الكبرى التي يرسم لها المشروع الاستراتيجي الذي طرحه جلالة الملك، معالم الطريق إلى التنفيذ. وهو هدف على قدر كبير من الأهمية يرقى إلى مستوى الأهداف الإنمائية البعيدة المدى.

إن التركيز على البعد التنموي يُـعيـد للعمل العربي المشترك حيويته ومصداقيته وفعاليته، بعيداً عن الشعارات التي لا جدوى فيها ولا فائدة ترجى منها، وعن المفاهيم الوهمية التي لا صلة لها بالواقع، وعن الأدبيات الخشبية التي طبعت الخطاب العربي خلال الستينيات من القرن الماضي، وهيمنت عليه حتى صارت من لوازمه الملتصقة به. ومن جملة تلك القوالب الإيديولوجية الفاسدة، ما يعرف بميثاق الوحدة الاقتصادية العربية المبني على الوهم لا على الواقع، والمستند إلى الباطل لا على الحق. ولذلك كان الاهتمام بتطوير العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، في مجالات التنمية الشاملة المستدامة، والتركيز على تشجيع الاستثمارات وفتح المجال أمام نقل الأموال وتبسيط الإجراءات القانونية، من الضرورات الحيوية التي لابد من أن تدفع الدول العربية إلى الدخول في منافسات إيجابية ينتج عنها تسريع وتيرة النموّ في أجواء من التوافق والتضامن والتعاون في إطار القانون الدولي.

ذلك هو التحدي الكبير الذي يتوجب على الدول العربية أن تواجهه حتى تخرج جامعتهم من أزمتها المزمنة، وتدخل مرحلة عودة الوعي واسترجاع الرشد والتحرّر من الخرافات التي أفسدت العقل العربي، كما أفسدت العمل العربي المشترك. وذلك هو البعد الاستراتيجي، كما سبق القول، الذي انطوت عليه الرسالة الملكية إلى قمة نواكشوط التي كشفت المستور، وفضحت العرب كما لم يفضحوا سياسياً من قبل.

عن عبد الـقـادر الإدريـسـي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *