الرئيسية / كتاب الرآي / مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

آخر تحديث :2017-03-28 16:37:27

Last updated on مارس 29th, 2017 at 08:13 م

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

مع إقتراب شهر مارس 2017 من نهايته زاد عدد المحللين في مراكز الرصد الذين غدوا يقدرون أن الحرب متعددة الأطراف شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ مارس 2011 ستعرف تصعيدا كبيرا خلال الأسابيع والأشهر القادمة وذلك رغم أن ما يسمى بمفاوضات التسوية قد تستمر بشكل أو بآخر.
الدافع لهذه التقديرات هو أن قسما مهما من الأطراف سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية المشاركة في هذا الصراع لم تتخل عن مخططاتها التي حولت أزمة داخلية إلى حرب متعددة الأطراف، حيث تحاول تلك القوى ومن جديد تحويل بوصلة المعارك الدائرة لصالحها مرة أخرى بعد أن نجح التدخل العسكري الروسي في دعم الجيش السوري في قلب مسار المواجهات لصالح حكومة دمشق.

نهاية أم بداية

يوم الأحد 19 مارس وبعده لعدة أيام دارت معارك تعد الأكثر عنفا منذ عامين في شرق دمشق، إثر شن مليشيات مختلفة أبرزها جبهة تحرير الشام النصرة سابقا وفيلق الرحمن ووحدات الجيش الحر هجوما مباغتا على مواقع قوات الجيش العربي السوري.
كما شنت مليشيات أخرى عدة بينها أيضا هيئة تحرير الشام مساء الثلاثاء 21 مارس هجوما ضد قوات الجيش في ريف حماة الشمالي وتمكنت من السيطرة على 11 قرية وبلدة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
ورغم أن الجيش السوري نجح في إستعادة أغلب المناطق التي دخلها خصومه وواصل تقدمه على جبهات أخرى خاصة في إتجاه إدلب والرقة فإنه لا يظهر أن المعسكر المعادي مستعد لتقبل النتيجة والعودة إلى إلتزامات وقف الأعمال القتالية التي تم التوصل إليها في لقاءات “إستانا” التي ضمنتها موسكو وأنقرة وطهران.
المبعوث الأممي في الأزمة السورية دي ميستورا صرح يوم الأربعاء 22 مارس بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو أن التطورات الأخيرة “تثير القلق”، مشددا على أهمية “التوصل إلى عملية سياسية بأسرع وقت ممكن”.
دمشق أكدت أن هذا التصعيد هو جزء من محاولة “لتقويض” مساعي الحل السياسي. ونقلت صحيفة “الوطن” السورية الخميس عن مصدر في الوفد السوري في جنيف أن “تصعيد الاعتداءات من قبل التنظيمات الإرهابية داعش وجبهة النصرة والمجموعات التابعة لها ضد الأحياء المدنية في دمشق وحماة وغيرها من المدن السورية، توضح بما لا يدع مجالاً للشك، أن تلك المجموعات والدول المشغلة لها تسعى إلى مواصلة استخدام الإرهاب كسلاح سياسي وتقويض أي فرصة لإيجاد حل ينهي الحرب ويوقف سفك الدم السوري”.
في المقابل، وضعت القوى المناهضة لدمشق ما يجري على الأرض في إطار “الدفاع عن النفس” تجاه “استمرار النظام في خرق وقف إطلاق النار وإستراتيجية التركيع”. ومن جانب آخر، “هي رسالة للنظام بأنه لن يستقر وان ادعاءه بان الأمور انتهت وهم”.
ويرى محللون في هذه الهجمات محاولة لتحسين شروط خصوم دمشق في ظل ضغوط عسكرية وسياسية تتعرض لها.
وصرح الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط يزيد صايغ أن هذه الهجمات “هي على الأرجح مجرد شكل من التفاوض بالنار في وقت يسعى النظام إلى إخضاع خصومه عبر ما يسمى باتفاقات المصالحة” التي يعقدها تدريجياً في محيط العاصمة ومناطق واسعة من سوريا.
ويضيف “ربما تكون أيضا وسيلة لدعم هامش المناورة لدى المعارضة في ظل الدبلوماسية المعقدة المحيطة بمحادثات جنيف”، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن “افتقار الفصائل للقدرة على مواصلة هذا الهجوم في دمشق وكذلك تحقيق مكاسب إستراتيجية”.
ويعتبر صايغ أن “مفاوضات جنيف أشبه ببديل في الوقت الضائع. لم تكن جنيف أبدا المكان الذي سيجري التوصل فيه إلى اتفاق ولن تكون كذلك”.
روبرت فورد السفير الأمريكي السابق لدى دمشق والذي استقال احتجاجا على تردد الرئيس السابق باراك أوباما في التدخل عسكريا في سوريا لإسقاط النظام عندما كانت الفرصة سانحة والذي لا يزال على اتصال بكثير من أطراف الصراع صرح “علينا أن نكون واقعيين. فالأسد ونظامه لن يرحلا”. ويضيف “بعد حلب لا توجد أي فرصة لتبديل النظام فهذه هي نتيجة الانتصار العسكري الذي حققه”. ويرى السفير السابق فورد، الذي كان يتوقع حتمية انتهاء حكم الأسد، أن نقطة الضعف في وضعه الحالي الذي يبدو حصينا تتمثل في أن خصومه لن يقبلوا قط استمرار حكمه.
السفير السابق فورد، ذكر بعد أن أجرى مناقشات مؤخرا مع خبراء روس مطلعين على سياسة موسكو، إنهم يعتقدون أن الجيش السوري مرهق وإنه سيكون من الصعب على الأسد استعادة السيطرة على بلاده بأكملها.
ويضيف أنه “لا بد من حدوث تحول عن المركزية وهذا وارد بالطبع في مقترح الدستور الذي طرحه الروس” حيث أنه لا يمكن للأسد حتى أن يأمل في إدارة سوريا بقبضة السيطرة المركزية الحديدية التي كان يديرها بها في وقت من الأوقات. غير أن الأسد رفض هذا المقترح.
ويقول مقربون من مراكز القرار في واشنطن أن عدة عواصم عربية وتركيا تعتبر أن نجاح دمشق في كسب النصر يشكل تهديدا لها وكذلك الأمر ولكن بشكل أكثر فداحة لإسرائيل التي تخشى من وصول قوات حزب الله اللبناني إلى الجولان وزيادة تعزيزه لقدراته العسكرية عبر أراضي سوريا.
ولا يتوقع آندرو تيبلر المتخصص في الشأن السوري بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن يضغط أحد على الأسد لاسيما حلفاؤه في روسيا وإيران لترك الرئاسة، لكنه يتصور ما قد يكون بديلا لتغيير النظام. يقول آندرو “علينا أن نتأهب لاحتمال أن يتعرض الأسد في هذا المناخ المتقلب للاغتيال”.
جوشوا لانديس مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما الأمريكية ذكر من جانبه إن قوى كانت تطالب بإسقاط الأسد تزداد تقبلا لفكرة استمرار حكمه ولو بشكل ضمني.
غير أن لانديس وآخرين يرون أنه حتى إذا كانت أطراف داخل الإدارة الأمريكية وروسيا وجيران سوريا يقبلون بقاء الأسد في جزء من سوريا فليس معنى ذلك أنهم سيحتضنونه أو يسددون فاتورة إعمار سوريا. ويضيف “العالم الغربي كله يكره الأسد وسيضغط عليه اقتصاديا، سيصبح مثلما كان العراق في عهد صدام حسين”.

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

إعداد مسبق

مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين والروسية موسكو سجلت وبشكل شبه متكامل أن الإعداد لهجمات منتصف شهر مارس 2017 من طرف المليشيات والتنظيمات المسلحة تم الإعداد والتجهيز لها منذ الثلث الأول من شهر فبراير 2017 من جانب أطراف إقليمية وبمساندة كثيفة من جانب الولايات المتحدة، وأنه تم توفير مئات الملايين من الدولارات من المعدات العسكرية المتقدمة وخاصة الصواريخ المضادة للدبابات والألغام والمرتبات للمقاتلين المتعددي الجنسية، زيادة على ذلك زودت أجهزة التجسس التابعة لإسرائيل وللجيش الأمريكي القوى المناهضة للجيش السوري بإحداثيات خطوطه العسكرية ونقاط الإختراق الممكنة فيها.
نفس المصادر ربطت بين هجمات الجماعات المسلحة والضغط العسكري الإسرائيلي على سوريا والذي كانت أخر فصوله الهجوم الجوي الصهيوني صباح يوم الجمعة 17 مارس 2017 قرب مدينة تدمر التي حررها الجيش السوري من تنظيم داعش.
كثافة الأدلة على زيادة التنسيق العسكري بين المليشيات العاملة في سوريا والقوات الإسرائيلية لم تمنع محمد علوش القيادي في “جيش الإسلام” من أن ينفي ما ذكر عن أن إسرائيل قامت بتحريض المعارضة ودفعها إلى تنفيذ الهجوم على دمشق، ردا على تصدي الجيش لغارات المقاتلات الإسرائيلية.
وأعلن علوش الذي تولى رئاسة وفد المعارضة المسلحة إلى مفاوضات أستانا، أن الهجوم الذي تعرضت له دمشق الأحد 19 مارس لا يعني انتهاء الحل السياسي التفاوضي، أو أن العمل والحسم العسكري قد صار خيارا نهائيا لدى المعارضة”، مضيفا “أن المعارضة ستظل موجودة عند الدعوة لأي مفاوضات شريطة أن تكون غير عبثية وتؤدي فعليا إلى حل عادل وحقيقي”.
نفي علوش جاء في وقت كشفت فيه صحيفة “لوموند” الفرنسية تقريرا بشأن محاولة إسرائيل تجنيد ضباط في المخابرات الفرنسية للعمل لصالحها بهدف جمع معلومات حول الأسلحة السورية. ويفيد التقرير إن “جهاز التجسس المضاد” الفرنسي، طلب التحقيق مع المدير السابق لهذا الجهاز حول علاقاته برئيس بعثة الموساد إلى فرنسا.
وقالت الصحيفة إن فرنسا طردت دبلوماسيين إسرائيليين اثنين، بعد تمكن المخابرات الفرنسية من تصوير الضباط مع عملاء الموساد. وبدأت الأحداث عام 2010 خلال عملية مشتركة بين الموساد و”جهاز التجسس المضاد” الفرنسي لجمع معلومات استخبارية عن السلاح السوري، وأطلق عليها اسم “راتافيا”، وحاولت العملية تجنيد مهندس سوري كبير، كان من المقرر أن يصل إلى فرنسا. في حينها نفت باريس إتهامات عن التعاون مع تل أبيب ضد دمشق.

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

إسرائيل في مأزق

موسكو وفي رد وتحذير موجه أساسا لإسرائيل والولايات المتحدة والأطراف المساندة للجماعات المسلحة ذكر أليكسي بورودافيكين، مندوب روسيا الدائم لدى فرع الأمم المتحدة في جنيف أن على مخترقي نظام وقف إطلاق النار في ريف دمشق، أن يتوقعوا “مصيرا لا يحسدون عليه” في حال واصلوا الانتهاكات.
واعتبر بورودافكين الذي يشارك بنشاط في دعم عملية التفاوض السورية بجنيف، أن لقاءات الدبلوماسيين الروس مع ممثلي الهيئة العليا للمفاوضات “معارضة الرياض” مفيدة بالدرجة الأولى بالنسبة للمعارضين أنفسهم، “لكي يدركوا بشكل صحيح الحقائق العسكرية السياسية المتعلقة بالتسوية السورية”.
وتابع قائلا: “إذا واصلت الهيئة العليا للمفاوضات الاسترشاد بنصائح أولئك الذين يدفعون نحو إفشال المفاوضات، فمن المستبعد تحقيق أي تقدم في سياق عملية جنيف”.
كما أشاد الدبلوماسي بموقف الوفد السوري الحكومي إلى جنيف، واصفا إياه بالبناء، موضحا أن دمشق أكدت خلال اللقاء الأخير مع الدبلوماسيين الروس استعدادها للتفاوض حول كافة البنود المدرجة على جدول الأعمال الذي اقترحه المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا.
وأكد بورودافكين أن موسكو ستواصل الإصرار على إشراك أكراد سوريا في المفاوضات. وذكر بأن الأكراد أصبحوا اليوم قوة سياسية مهمة ويتمتعون بقدرات عسكرية كبيرة في محاربة الإرهاب، ولذلك لهم الحق الكامل في أن يلعبوا دورا في ترسيم مستقبل بلادهم.

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

لعبة الروليت الروسية

حسب مصادر أمريكية نبه البنتاغون تل أبيب إلى أن الطيران الروسي في سوريا وسفنه العاملة في شرق المتوسط أصبحت تضع كل عمليات إقلاع الطائرات الإسرائيلية في مجال رصد أجهزتها مما سيعرضها لخطر الإسقاط، وأن مقر أسناد الأسطول السادس الأمريكي في نابولي بإيطاليا أعطى تعليمات جديدة لطياريه للتمييز الواضح للهوية حتى لا يقع خلط بين طائراتهم وتلك التابعة لإسرائيل.
وفي هذا الإطار حذر الصحفي الأمريكي المشهور، مارتين جاي، تل أبيب من تصعيد علاقاتها مع دمشق، مشددا على أن لعبة “الروليت الروسي” مع الرئيس السوري، بشار الأسد، لن تؤدي إلا لخلاف خطير مع روسيا.
وأشار جاي، في مقال له لشبكة “أر تي” يوم 26 مارس، إن “الأسبوع الماضي شهد حادثا صغيرا لم يلحظه إلا قليلون فقط في واشنطن ولندن، لكنه لفت انتباه المحللين الجيوسياسيين الذين يتابعون التطورات اليومية في دمشق”.
وأوضح الصحفي المحلل أن “إسرائيل شنت هجوما جويا في سوريا على ما وصفته بقافلة صواريخ تابعة لحزب الله”، مشيرا إلى أن مثل هذه الحوادث قد حصلت مرارا في وقت سابق، إلا أن ما يجعله فريدا من نوعه هو ردة فعل الرئيس السوري، بشار الأسد، الذي “لم يقتصر بإطلاق صواريخ باليستية نحو الطائرات الإسرائيلية وإنما وصل إلى حد الإعلان السريع لوسائل الإعلام أن أيا من مثل هذه الاعتداءات لن تلقى أبدا تعاملا متسامحا”.
وأعاد جاي إلى الأذهان أن المرة الأخيرة عندما أصدر الأسد تحذيرا خطيرا مثل ذلك جرت في العام 2013 على خلفية هجوم إسرائيلي على مرتفعات الجولان، إذ هدد الرئيس السوري باستخدام الاسلحة الروسية.
لكن التهديد هذه المرة، حسب المحلل الأمريكي، “أوسع ويطرح السؤال حول الحدود التي تستعد روسيا للالتزام بها في دعمها للأسد وكذلك حول مدى استعداد إسرائيل لتعريض علاقاتها الطيبة مع روسيا إلى خطر التدمير.
ولاحظ المحلل المتابع أن هذه المرة” يتحدث الأسد بحماس كبير، كما لو أنه يمتلك دعما عسكريا روسيا كاملا وراءه”.
والرد السريع من قبل إسرائيل جاء على لسان وزير دفاعها، أفيغدور ليبرمان، الذي هدد بتدمير جميع صنوف الدفاع الصاروخي السوري، موجها قليلا من الاهتزاز للعلاقات التي تتمتع بها بلاده مع روسيا، التي استدعت السفير الإسرائيلي مطالبة إياه بالتوضيحات.
وزادت هذه التطورات من تعقيد وضع إسرائيل، ولقد قال مايكل كوبلوف، الصحفي من “المنتدى السياسي” الإسرائيلي: “بصرف النظر عن مدى فعالية آلية التنسيق بين كلا البلدين، يكمن الخلاف الأصلي ضمن مواقف إسرائيل وروسيا من سوريا في أن الخط الأحمر لإسرائيل هو ترسخ وجود حزب الله الدائم في سوريا، في حين يتمثل الخط الأحمر بالنسبة لروسيا في إزالة هذه الوجود”. وقال جاي أيضا إن هذا الوضع يدل على أن كلا من روسيا وإسرائيل وسوريا تدخل حاليا مرحلة جديدة في إعادة ترتيب علاقاتها ومواقفها بين بعضها بعضا واختبار الأرضية بشأن الطرف الذي سيتراجع أولا عند وصول الوضع إلى ذروة سخونته.
وأشار جاي في هذا السياق إلى أن إسرائيل ليست في موقف يسمح لها إثارة نزاع عسكري حقيقي مع قوات الأسد لسببين، الأول يتمثل بأن مثل هذه العمليات العسكرية ستبعثر القوات العسكرية الإسرائيلية في جبهتين على الأقل، ما سيؤدي على الأرجح إلى بدء “حزب الله” بقصف المواقع الإسرائيلية، فيما يكمن السبب الثاني في أن حكومة نتنياهو بالمجرد لا يمكنها إغضاب روسيا.
وأشار في الوقت ذاته إلى أن بوتين بإمكانه اختبار قدراته في ما يخص بالخلافات مع إسرائيل ووضع الحدود السورية الإسرائيلية الحالية كخط أحمر جديد أمام تل أبيب.

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

تقلبات أنقرة

يشير عدد من المراقبين المتتبعين للصراع على أرض الشام إلى أن سياسة تركيا تجاه الحرب الدائرة منذ ست مفتوحة أمام كل الإحتمالات، فأنقرة كان لها منذ بداية الأزمة مشروعها الخاص لإعادة بناء الإمبراطورية وإدخال سوريا تحت سيطرتها، ولكنها أصطدمت بعدة عوائق. موسكو دخلت الحرب في 30 سبتمبر 2015 وأوقفت تقدم المليشيات التي كان الدعم الأساسي لها يقدم من أراضي تركيا. أنقرة وبتحريض أمريكي أسقطت طائرة سوخوي 24 روسية يوم 24 نوفمبر 2015 في عملية إمتحان لإرادة الكرملين، رد الفعل كان شديدا مما أجبر أنقرة لاحقا على التقارب مع موسكو لتجنب صدام مباشر خاصة وان حلف الناتو لم يقف معها ضد موسكو، وفي نفس الوقت وجدت حكومة أنقرة أن تهديدات واشنطن بالتدخل لمنع إنتصار الجيش السوري في حلب كانت فارغة، وأن المخابرات الأمريكية تكثف مساندتها للأكراد وهو ما يعتبر تهديدا خطيرة لوحدة أراضيها.
هكذا أخذت أنقرة تنتقل من موقف إلى ما هو نقيضه تجاه سوريا، محاولة دائما الميل نحو الكفة الراجحة.
موسكو أدركت جيدا أسلوب المناورة التركي ولذلك لجأت إلى تكتيك يمزج بين لعبة الإنتظار وتقنية العصا والجزرة تاركة للأحداث ترك تأثيرها على خيارات أنقرة النهائية. حكومة أردوغان دخلت في مواجهة مع واشنطن حول الداعية غولن المتهم بتدبير إنقلاب 15 يوليو 2015 الفاشل، ثم مع الإتحاد الأوروبي حول قضايا الهجرة والتأشيرات ومماطلات المفاوضات حول الإنضمام إلى الإتحاد وقضايا أخرى، ولكن رغم ذلك لم تتخل أنقرة حتى الحين عن عدائها لحكومة دمشق ودعمها لما يسمى جماعات الإسلام السياسي وتحالفاتها مع بعض الأطراف الإقليمية التي تريد إسقاط نظام دمشق. هذا التردد يفسر الضربات المحسوبة التي توجهها موسكو من حين لآخر لتركيا.
الواضح أن كل أطراف الصراع في الساحة السورية تترقب الإستراتيجية العملية للإدارة الأمريكية والتي لا تتناسب دائما مع التصريحات العلنية. أطراف تأمل حصول تغيير قد يفضي إلى تحسين موقعها، سياسيا وميدانيا، وأطراف تترقب تغييراً ما، تؤكد أنه سيؤول إلى الفشل. في سياق الانتظار، تعمل جميع الأطراف على تحسين مواقعها وأوراقها السياسية والميدانية، لتقلص خيارات واشنطن العملية، بما يتوافق ومصالحها.
ذكر أحد المحللين “لا خطأ في الحديث عن “استدارة” تركية في الساحة السورية، تماما كما لا خطأ في الحديث عن “ثبات” تركي. مشكلة تحليل “انزياح” أنقرة من عدمها، وهو التعبير الأدق، ينبع من زاوية رؤية الأفعال والمواقف التركية، التي تشي بالشيء ونقيضه.
مهما قيل عن ثبات الموقف أو نصف ثبات، أو استدارة أو نصف استدارة، فلا خطأ. لدى تركيا أهداف في الساحة السورية، ومنها باتجاه الإقليم، وهي أهداف واسعة جدا، تعبر عن المصالح التركية كما يراها صاحب القرار في أنقرة. لكن في سياق العمل على تحقيق هذه المصالح، واجهت تركيا إخفاقات وحققت نجاحات. وجزء من الأهداف بات بحكم المتعذر، ما يفضي إلى انزياح أنقرة عنه، لكن في الأساس يبقى التراجع قسريا لم يعقبه استسلام.
جزء آخر من الأهداف التركية، ترى أنقرة، وما زالت، أن لديها من الإمكانات وباستطاعتها، تحقيقه. من هنا يأتي الثبات.
أنقرة، وإن تراجعت عن هدف إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد لتعذر القدرة على تحقيق هذا الهدف، لكنها تأمل، رغم ذلك، وهي تسعى أيضا، كي تحقق ما يمكن من أهداف أخرى بوسائل أخرى، رغم القصور في إسقاط الأسد. فهل يكتب لها النجاح أو الفشل في ظل معاندة جزء من أعدائها وخصومها، ومداراة جزء آخر؟.
السؤال قد لا يكشف عن إجاباته إلا مع مرور الوقت، وفي انتظار الآتي. أنقرة لديها أوراق ضغط وأوراق مساومة، في موازاة الضعف، وهي على نقيض الدول الخليجية، لا تنكسر بانكسار المسلحين. وتركيا لم تتراجع، أساسا، عن جزء من أهدافها بناء على استسلامها، بل عن قصور يد، دون قطع هذه اليد.
جزء من أعدائها وخصومها روسيا أساسا، يرى أن تراجعها الظاهر هو واقع، من شأنه وبإمكانه أن يبني عليه لجذب أنقرة، مع إمكان تأمين جزء من مصالحها، بينما ترى هي أن هذا الموقف لروسيا بالإمكان البناء عليه، كي تزيد من مساحة المصالح التي تريد تحقيقها في سوريا.
مع ذلك، التموضع الأمريكي المقبل، الذي لا تنتظره تركيا وحسب، بل الآخرون أيضا، قد لا يكون كما يحكى ويؤمل منه. هو تموضع أمريكي قد لا يكون محصورا، من ناحية منطقية، ما بين الاستسلام المجاني لموسكو، أو إعادة استئناف مقاربة الإدارة السابقة في مناكفة الروس وحلفائهم بلا طائل. نعم، من الصعب أن تتمسك الإدارة الأمريكية تحت رئاسة ترامب بالسياسة السابقة، ابتداء، نتيجة فشل هذه السياسة في تحقيق أهدافها. لكن أيضا لا يمكن التصور رغم كل الإشارات والآمال، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب سترضى بالتخلي عن هذه الساحة للروس، دون أثمان. في نهاية المطاف، المصالح الأمريكية في سوريا، ومنها باتجاه الإقليم، محددة وواضحة، تماماً كما كانت تراها إدارة الرئيس باراك أوباما، وفشل استراتيجية تحقيقها، يعني تغيير هذه الاستراتيجية، لا تغيير المصالح.
نتيجة ذلك، إحدى الاستراتيجيات المقدرة لإدارة ترامب، الأكثر معقولية، قد تأتي مركبة في محاولة لإرضاء روسيا على حساب حلفاء الروس، وهي استراتيجية قد تحمل قدرا من التراجع أمام الروس، لكن يؤمل منها أمريكيا أن تحقق مصالح واشنطن على مستوى المنطقة، إلا أن عيبها أنها تضع روسيا أمام خيارات غير سهلة مع حلفائها، قد لا تكون قادرة على تأمينها. وفي حال قصور الروس أو عدم إرادتهم، أو الاتجاهين معا، بالنسبة إلى دفع الثمن الذي يريده الأمريكيون، سيعني ذلك عودة واشنطن الجديدة إلى التموضع في المربع الأول، لواشنطن القديمة، وعودة الحديث الميداني، من جديد.

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

تحذيرات

موسكو تتابع ضغوطها لتقليص حجم وقدرة إدارة الرئيس ترامب وخاصة هؤلاء الذين يوصفون بالصقور وأنصارهم في أوروبا على إستعادة جزء من القدرة على التحكم في المبادرات على ساحة الصراع السورية، وهكذا ويوم 25 مارس 2017 أكدت وزارة الدفاع الروسية أن تصريحات وزير الدفاع الفرنسي، جان إيف لودريان، حول اقتراب معركة تحرير الرقة، بعيدة عن الوضع الحقيقي على الأرض.
وجاء في بيان صدر عن المتحدث الرسمي باسم الوزارة الروسية، اللواء إيغور كوناشينكوف: “من الواضح لكل خبير عسكري أن تحرير الرقة لن يكون نزهة سهلة للتحالف الدولي”.
وشدد كوناشينكوف على أن “النتيجة الحقيقية لهذه العملية العسكرية ومواعيد انتهائها ستتوقف بشكل مباشر على مدى فهم الضرورة والاستعداد لتنسيق الخطوات مع جميع القوى التي تحارب الإرهاب الدولي في سوريا، أما تفاؤل وزير الدفاع الفرنسي، الذي أعلن يوم الجمعة 24 مارس عن إكتمال محاصرة الرقة، فإنه نابع عن مصادر وطنية خاصة للإلهام لا علاقة لها بالواقع والوضع على الأرض”.
المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية أعاد، في هذا السياق، إلى الأذهان أن “التصريحات الواعدة المماثلة حول محاصرة مدينة الموصل العراقية وقرب الانتصار فيها قد عادت بخسائر كبيرة للقوات العراقية وبكارثة إنسانية متنامية”.
وأضاف: “وحتى المتابعين المتفائلين بشكل أكبر باتوا يتخلون في الوقت الراهن عن الاعتقاد بأن التحرير الكامل للموصل من تنظيم داعش أمر ممكن خلال السنة الجارية”.
وكانت موسكو قد حذرت مرارا من أن أي تدخل أجنبي على الأرض السورية وليكون شرعيا يجب أن يحصل على موافقة دمشق.
فيما يعتبر ربما عملية رد من جانب واشنطن على تحذيرات الكرملين إعلان وليد فارس مستشار حملة الانتخابات الرئاسية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والأستاذ في جامعة الدفاع الوطنية وكبير الباحثين في “هيئة الدفاع عن الديمقراطيات” في الولايات المتحدة الأمريكية ومستشار للكونغرس في الإرهاب ومختص في الإرهاب والجهاد، إن واشنطن ستسعى إلى تسليم مدينة الرقة إلى أبناء سوريا من “العرب السنة” بعد تحريرها من تنظيم “داعش”.
وذكر وليد فارس أن ذلك من شأنه أن يمنع وقوع مدينة الرقة في يد المجموعات المتطرفة أو الحكومة السورية، بحسب ما جاء على لسانه.
وصرح وليد فارس في تسجيل مصور وزعه على الصحافيين: “النقطة الأساسية التي نركز عليها في واشنطن هو مستقبل المناطق التي تحرر من “داعش” في العراق وسوريا، فيجب أن تسلم هذه المناطق لقوى تنال ثقة المواطنين، وأن يكون هناك تمثيل سياسي لهذه المناطق، تمثيل بمستوى يطمئن الأهالي”.
وأضاف “في سوريا، نحن نرى أن هناك ثلاثة قوى تحاول التقدم باتجاه الرقة، قوى “سوريا الديمقراطية” وهي تتكون أساسا من الأكراد وحلفائهم من العرب السنة، والولايات المتحدة متواجدة في هذه الرقعة، وهناك قوات “درع الفرات”، وهناك القوات السورية بدعم حزب الله الذي يحاول التقدم من الجنوب”.
وأكد فارس أنه عندما تحرر الرقة يجب أن يكون هنالك قرار سريع من قبل الولايات المتحدة ومن قبل حلفائها في المنطقة ودوليا، مشيرا إلى ضرورة وجود قوى معتدلة من أبناء سوريا “العرب السنة” توكل إليهم حماية هذه المنطقة وإقامة مؤسسات مجتمع مدني، كي لا تقع هذه المنطقة مجددا في قبضة مجموعات متطرفة.
ولكن فارس لم يذكر السلوك الذي ستتبعه واشنطن إذا تقدم الجيش السوري لتحرير الرقة من أي وجود معارض له على أساس فرضية تسليم واشنطن المدينة إلى من تسميهم المعتدلين.
وذكر فارس أن استراتيجية الإدارة الأمريكية تركز على إرسال وحدات لوجستية ودعم أكبر للساحتين في العراق وفي سوريا، من أجل التعجيل في تحرير الموصل والمنطقة المحيطة بها، وتحرير المناطق من سيطرة “داعش” في سوريا والرقة.
جدير بالذكر أن القوات الأمريكية في التحالف الدولي قامت بعملية إنزال جوي يوم الأربعاء 22 مارس 2017، في مدينة الطبقة بمحافظة الرقة السورية، للسيطرة على المدينة من مسلحي التنظيم.
مؤرخون في أوروبا أشاروا أن تصريحات وليد فارس التي من المرجح أنها حصلت على رضا من ترامب تذكر بما كان يقوله مسؤولون أمريكيون خلال حرب الفيتنام، وأشار هؤلاء إلى التحذيرات المتكررة الصادرة من طرف الكرملين. فقد أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن أي عدوان أمريكي “مباشر” على سوريا سيؤدي إلى نتائج كارثية على منطقة الشرق الأوسط.
ونقل موقع روسيا اليوم عن زاخاروفا قولها خلال برنامج تلفزيوني “إن اعتداء الولايات المتحدة المباشر ضد سوريا والجيش السوري سيؤدي إلى تحولات تكتونية مرعبة ليس على هذه الدولة فحسب بل على المنطقة بأسرها”.
موقع “هافينغتون بوست” طرح خلال شهر مارس ثلاثة أسئلة في إطار فعاليات مؤتمر منتدى الشرق الذي تم تنظيمه تحت عنوان “نحو بناء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”. الأسئلة كانت:
هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟. وهل يمكن أن يحدث انهيار للنظام الإقليمي العربي بفعل عوامل خارجية أو داخلية لصالح ميليشيات مسلحة؟. وكيف يمكن ظهور هيكل أمني جديد في المنطقة العربية؟.

عمر نجيب
للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟
مخططات لصناعة هيكل أمني جديد في المنطقة العربية: هل تندلع حرب عالمية ثالثة بسبب الصراعات في الشرق الأوسط؟

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

تعليق واحد

  1. عبدالله عدالي

    الاستاذ عمر نجيب صدفة غريبة ان اقرا اسمك اليوم على مقاال بجريدة العلم التي كنت اسافر 14كلم من قريتي الصغيرة على هوامش مدينة الفقيه بن صالح في نهاية الستينيات من القرن الماضي ،الذي لم يكن ثمنه يتعدةى 30 سنتيما،كانت الصفحة الثقافية تصدر يوم الجمعة واذا اسعفتني ذاكرة الماضي فقد كان المشرف عليها المرحومان عبد الجبار السحيمي واحمد او محمد الصباغ .فجاة اكتشفنا ،انا وصديق عزيز ،ما يزال على قيد الحياة والذي يعمل اليوم مندوبا لوزارة الاوقاف بمدينة مراكش ،اسم عمر نجيب الذي يكتب مقالا سياسيا ، اعتقد كل اربعاء، فانضاف عشق جديد لجريدة العام وصفحة يوم الاربعاء .عشقنا ذلك الاسلوب الانسيابي الرائع واللغة الجميلة التي كانت تعطي مقالاته صيغة ادبية اكثر منها لغة المقالة السياسية ,كنا نقسم ونحن تلاميذ في الثانوي انك من الشرق ولست مغربيا لان اسلوبك ليس من *بضاعتنا* فشكرا لك فقد احييت في ذكريات عمر جميل غابت اتكثر من خمسين سنة اغتربت فيها في الوطن وخارج الوطن.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *