الرئيسية / كتاب الرآي / مراقبة برلمانية صارمة على تعيينات رئيس الجمهورية في الوظائف العليا بفرنسا

مراقبة برلمانية صارمة على تعيينات رئيس الجمهورية في الوظائف العليا بفرنسا

آخر تحديث :2017-02-27 17:34:33

مراقبة برلمانية صارمة على تعيينات رئيس الجمهورية في الوظائف العليا بفرنسا

أحمد الميداوي

 

العلم: باريس – بقلم // أحمد الميداوي

في قراءة سريعة لشروط وأحكام التعيينات بالوظائف السامية المنصوص عليها في بعض دساتير البلدان الديمقراطية، يتجلى أن هيمنة رئيس الدولة على سلطة التعيينات، تقلصت بشكل كبير منذ العقود الأربعة الأخيرة بعد أن كانت السمة البارزة في سياسة توزيع الصلاحيات التنفيذية.

فلم يعد رئيس الدولة ينفرد، تحت غطاء الديمقراطية، بأقوى شرعية في البلاد من حيث التعيينات في القطاعات والوظائف الإستراتيجية، لمجرد أن شرعيته اكتسبها بالاقتراع الشعبي المباشر، مقابل شرعية حكومية مجزأة ومحدودة الفعالية. فتحت تأثير المد الديمقراطي بالدول الغربية، انتقلت هذه الدول وفي مقدمتها فرنسا، في غضون بضعة عقود، من طور المؤسسة الرئاسية القوية والمستفردة بالسلطة، إلى ما يمكن تسميته بالهيبة الدستورية لرئاسة الحكومة التي تعطي صلاحيات واسعة للوزير الأول في ممارسة سلطة التعيينات على نطاق واسع بكل الوظائف العليا في البلاد، مدنية كانت أم عسكرية، وحتى في ما يخص العفو الرئاسي الذي لا يمكن أن يتم إلا بتوقيع من رئيس الحكومة.

ويمكن اعتبار القانونين، العضوي والعادي، المصادق عليهما يوم 23 يوليوز 2014 في إطار الإصلاحات الدستورية واللذين دخلا مؤخرا حيز التنفيذ، بمثابة ثورة حقيقية على أنماط التعيينات في الوظائف العليا بالدولة الفرنسية، حيث يضبط القانونان، من خلال أحكام ونصوص واضحة، نظاما دقيقا للمراقبة البرلمانية على التعيينات التي يقوم بها رئيس الجمهورية.

وبمقتضى هذين القانونين، فإن سلطة التعيينات المخولة لرئيس الجمهورية في الوظائف العليا الإستراتيجية، أصبحت، بناء على الفصل 13 من الدستور، موضع استشارة علنية من لدن لجنتين مختصتين بكل من مجلس النوال ومجلس الشيوخ. وهكذا فإن الفصل 13 من الدستور الفرنسي أصبح يتضمن في صياغته الجديدة إمكانية إلغاء تعيين رئيس الجمهورية لشخصية ما في وظيفة سامية، وذلك في حال ما إذا عارض  60 في المئة من النواب بداخل كل مجلس هذا التعيين.

ويضع القانون الجديد لائحة بنوعية الوظائف السامية المخولة لرئيس الجمهورية والتي أصبحت موضع استشارة علنية من لدن المجلسين. وتهم على الخصوص كبار مستشاري الدولة، والسفراء، والولاة، وجنرالات الأركان العامة، ورؤساء شركات “فرانس تليفزيون” و”راديو فرانس” والمجلس الأعلى للسمعي البصري..

وإلى جانب التعيينات الرئاسية المعرّضة للإلغاء من طرف البرلمان، فإن التعيينات الأخرى ببعض الوظائف السامية المصنفة في “فئة أ”، تتم بتنسيق وتشارك بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ويتم طرحها بمجلس الوراء.

وفيما هناك قواسم مشتركة من حيث الشكل بين مشروع القانون التنظيمي الخاص بالتعيينات في الوظائف السامية بالمغرب، وبين المقتضيات الدستورية ذات الصلة بفرنسا، فإن الاختلاف قائم من حيث الغاية والمضمون. فمن حيث الشكل تتفق الأحكام الدستورية بين البلدين على طرح هذه التعيينات في مجلس الوزراء، كما تتفق على مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، وأيضا على معايير التجربة والكفاءة بعيدا عن كل اعتبار حزبي أو نقابي أو ما شابه ذلك. لكنها تختلف من حيث المضمون في تحديد الدور المنوط برئيس الحكومة في هذا المجال.

وينيط الدستور الفرنسي الوزير الأول بالدور الرئيسي في مجال التعيينات الإستراتيجية المدنية والعسكرية، باعتباره الإداري الأول في البلاد ورئيس السلطة التنظيمية بها. فعدد النصوص التنظيمية وخاصة المراسيم المرتبطة بالشؤون العامة للفرنسيين، والصادرة عن سلطة الوزير الأول يفوق 1500 مرسوم في السنة. وتشمل الوظائف السامية التي تدخل في اختصاصات الوزير الأول عددا من المؤسسات الإستراتيجية مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، ووكالة البيئة والتحكم في الطاقة، وبنك فرنسا، وصندوق الإيداع والتدبير، والمركز الوطني للأبحاث الفضائية، والمركز الوطني للبحث العلمي، ومندوبية الطاقة الذرية والمكتب الوطني للغابات والشركة الوطنية للسكك الحديدية، والمكتب الوطني للمطارات وغيرها…

وتتجلى السلطة الإدارية للوزير الأول الفرنسي أيضا في الصلاحيات المخولة له دستوريا بشأن تعيينات الموظفين السامين من فئة أ (مدنيين وعسكريين) والتي تتم إما بواسطته مباشرة أو بواسطة الوزير المعني الذي يعرضها عليه للموافقة عليها. ويتعلق الأمر بعدد من ممثلي الدولة من رؤساء ومديرين عامين ومندوبين ورؤساء مقاولات القطاع العام والمؤسسات العمومية الصناعية والتجارية، وجميع المؤسسات التي توفر خدمة عمومية ذات طبيعة صناعية أو تجارية فضلا عن الشركات المختلطة التي تملك فيها الدولة أزيد من نصف رأس المال.

عن فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

فرنسا - بقلم: أحمد الميداوي

شاهد أيضاً

ويتحدثون عن إنجازات التنمية البشرية… بقلم // محمد أديب السلاوي

ويتحدثون عن إنجازات التنمية البشرية… بقلم // محمد أديب السلاوي

ويتحدثون عن إنجازات التنمية البشرية… بقلم // محمد أديب السلاوي   تقول الحكومات المغربية المتلاحقة مند …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *