الرئيسية / تقارير / معركة الولايات المتحدة الأمريكية لمنع انكسار ودفن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية

معركة الولايات المتحدة الأمريكية لمنع انكسار ودفن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية

آخر تحديث :2017-10-25 09:27:38

Last updated on أكتوبر 29th, 2017 at 12:50 م

معركة الولايات المتحدة الأمريكية لمنع انكسار ودفن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية

قدرات كوريا الشمالية وإيران تعصف بنظام فرض سنة 1968

عمر نجيب

  • بقلم// عمر نجيب

منذ الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر وبداية شهر أكتوبر 2017 دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما يبدو سباقا مع نفسه في توجيه التهديدات والإنذارات إلى كل من كوريا الشمالية وإيران.

يوم السبت 7 أكتوبر 2017 صرح الرئيس ترامب أن الجهود الدبلوماسية حيال كوريا الشمالية فشلت على الدوام، مؤكدا ان “شيئا واحدا فقط سيكون له مفعول” بدون ان يذكر اي توضيحات.

وانخرط ترامب في سجال حاد ومتصاعد مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون إذ تبادلا التهديدات والاهانات ورفعا درجة التوتر بين بلديهما.

وكتب ترامب على تويتر “الرؤساء وإداراتهم عكفوا على الحديث مع كوريا الشمالية على مدى 25 عاما، ووقعوا اتفاقات وصرفوا مبالغ طائلة من الاموال”.

وتابع “لكن لم يكن لذلك مفعول. فقد تم خرق الاتفاقات حتى قبل أن يجف الحبر، في استهانة بالمفاوضين الامريكيين. عفوا، لكن شيئا واحدا فقط سيكون له مفعول”.

العاصفة

  يوم الجمعة 6 أكتوبر دعا الرئيس ترامب عددا من قادته العسكريين وزوجاتهم إلى قاعة الطعام في البيت الأبيض ولالتقاط الصور بعد حفلِ عشاء، وعلى هامش الحفل وصف موقف بلاده في اللحظة الراهنة من إيران وكوريا الشمالية بأنه “الهدوء الذي يسبق العاصفة”، وأنه بحث الخيارات العسكرية مع قادة الجيش ضد هذين البلدين، وعندما سأله أحد الصحافيين عن “أي عاصفة” يتحدث؟. قال ستعرفون قريبا.

قبل ذلك بأربع وعشرين ساعة تقريبا أي الخميس 5 أكتوبر اعتبر ترامب ان ايران لم تحترم “روح” الاتفاق النووي، وقال “لم يحترموا روح هذا الاتفاق” الموقع في 2015 بين طهران والقوى الست الكبرى وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا والذي يهدف الى ضمان الطابع غير العسكري للبرنامج النووي الايراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات عن ايران.

كلمات ترامب الغامضة عززت الشكوك التي تصاعدت بعد ما قاله أحد المسئولين في البيت الأبيض بشأن اقتراب إعلانه انسحاب واشنطن من الاتفاق مع طهران والذي من المفترض أن يستمر حتى العام 2025.

صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية ذكرت من جانبها، إن ترامب يعتزم الإعلان أنه لن يجدد التصديق على الاتفاق النووى مع طهران.

ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة، قولها إن ترامب سيتخذ تلك الخطوة بدعوى أن الاتفاق “لا يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة”.

ووفق التشريع الأمريكي الذي تم بموجبه الحصول على مصادقة الهيئة التشريعية على الإتفاق مع طهران، فإن رئيس البلاد، لابد أن يدلي بإفادة أمام المشرعين في الكونغرس كل سنتين، بخصوص مدى التزام طهران بالاتفاق النووي وتجديد التصديق عليه، وذلك اعتمادا على نتائج التقارير والتحقيقات التي تجريها وزارة الخارجية الأمريكية.

ومن المقرر أن يبلغ ترامب الكونغرس في موعد غايته 15 أكتوبر، إذا كان يعتبر أن طهران تفي بالتزاماتها في إطار الاتفاق النووي أم لا.

وفي حال اعتبر أنها لا تلتزم، فسيفتح ذلك المجال أمام إعادة فرض عقوبات أمريكية على إيران، وقد ينتهي الأمر إلى انهيار الاتفاق.

وحذرت الصحيفة من أن ترامب بهذا التوجه سيفتح الباب أمام تعديل الاتفاقية، التي أبرمتها إيران في 14 يوليو 2015، مع مجموعة “5+1″ الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، وتلزمها بتقليص قدرات برنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها.

وكان ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 18 سبتمبر قد إتهم إيران بدعم الإرهاب وتصديره، وزعزعة أمن منطقة الشرق الأوسط، أما كوريا الشمالية فقد توعدها بالتدمير التام، إن دعت الحاجة، دفاعا عن أمريكا وحلفائها.

خطر التورط في حرب

 مصادر سياسية ألمانية ترى أن ترامب يسعى إلى تعديل الاتفاقية بإضافة بعض البنود مثل السماح بشكل تام لخبراء الأسلحة النووية التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى كافة المناطق العسكرية السرية الإيرانية وليس فقط المنشآت الإيرانية النووية الرسمية. ويقول الدكتور مصطفى اللباد الخبير بالشأن الإيراني في مقابلة مع موقع دويش فيله الألماني، إن ترامب لا يريد إلغاء الاتفاق وإنما يريد إلقاء الكرة في ملعب الكونغرس، وكل ذلك في إطار رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تتحالف معه فيها إسرائيل ودول خليجية.

وأضاف أن واشنطن لديها قلق كبير من تطوير إيران برنامج صواريخها الباليستية التي قد يصل مداها إلى أكثر من 500 كيلومترا، وهي النقطة التي يرغب ترامب في ضمها إلى الاتفاقية، إلى جانب القلق الأمريكي من تعاظم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وما يمثله من تهديد لإسرائيل والحلفاءالخليجيين.

ويرى اللباد أن ترامب لن يلغي الاتفاقية وإنما سيرفض عمل ما يسمى بـ “المراجعة”، فالرئيس الأمريكي بحكم منصبه عليه كل عامين إبداء الرأي في الاتفاقية باستمرار العمل بها أو الرفض، ومنذ موافقة اوباما في 2015 مر عامان الآن، وترامب غالبا ما سيقول إنه لا يوافق على الاتفاقية وسيحيل الأمر إلى الكونغرس -ذي الأغلبية الرافضة للاتفاقية ليقرر في الأمر، ما اتخاذ القرار من خلال مؤسسات ديمقراطية.

الرفض الروسي والصيني والاوروبي

  تنص الاتفاقية على أنه عند إجراء أي تعديل على الاتفاقية لابد من موافقة كافة الأطراف الموقعة عليها، وهو أمر لا ترغب فيه دول مثل ألمانيا. لكن فرنسا وعلى الرغم من عدم اتفاقها مع الموقف الأمريكي، إلا أنها تطالب باتفاق تكميلي للاتفاق الأساسي في مرحلة ما بعد عام 2025. لكن الأطراف تتفق على تصاعد القلق من النشاط الإيراني في المنطقة، فوزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل قال إن سياسة إيران “ليست بناءة في الشرق الاوسط”. لكن هذا القلق لا يصل إلى حد الموافقة على إلغاء الاتفاقية، إضافة إلى القلق المشترك من التطور المتسارع في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني.

يقول اللباد “بفرض انسحاب أمريكا من الاتفاقية فإن ذلك لن يجعل لا أوروبا ولا الصين ولا روسيا تنسحب منها وبذلك لن يكون لأمريكا حلفاء في هذا الموقف، كما أنه ليس من المتوقع من باقي الأطراف المشاركة في أي عقوبات على طهران خصوصا أن العديد من الشركات ولاسيما الألمانية تضررت كثيرا من وقف التعامل مع إيران التزاما بقرار العقوبات الاقتصادية السابق”. والمشكلة الأكبر حسب رأي اللباد أنه لا يوجد بديل للانسحاب من الاتفاق وقد يصل الأمر إلى فتح الباب أمام حل عسكري لاحقا، وهو أمر ترى أوروبا أنه ليس من مصلحتها وكذلك الصين وروسيا وهي الأطراف التي ترى أن إيران ملتزمة بما ورد في الاتفاقية وتتعاون بشكل جيد في هذا الإطار.

السيناريوهات المتوقعة

 بالتأكيد لا أحدا يريد أن تنشب حرب جديدة في منطقة الشرق الأوسط، لكن إلغاء أمريكا للاتفاقية من جانب واحد وفرضها عقوبات على إيران قد يدفع بالأمور في هذا الاتجاه، وهذا ما يراه اللباد، حيث يعتقد أن الخيار العسكري “لا يطرح فورا وإنما بمجرد إلغاء الاتفاق من جانب أمريكا أو انسحابها منه وفرض عقوبات جديدة ستراها إيران عملا عدائيا وهي الدولة الملتزمة ببنود الاتفاق، فهذا أول طريق التصعيد الذي سينتهي بخيار عسكري”. ولهذا نجح الخيار الدبلوماسي عام 2015 لأنه أبعد الخيار العسكري من على الطاولة وانتهى الأمر إلى اتفاق تمتنع بموجبه إيران عن تخصيب اليورانيوم لدرجة امتلاك سلاح نووي مقابل رفع العقوبات عنها. ويضيف الخبير في الشأن الإيراني “أن أمريكا لم يعد لديها الكثير من أوراق الضغط على إيران خاصة مع عدم وجود حلفاء لها في هذا الاتجاه”.

إيران بدورها ردت بحدة على تصريحات ترامب بشأن الاتفاقية رافضة إجراء أي تعديل عليها، مؤكدة على أن الاتفاق معني فقط بالمنشآت النووية وليس غيرها وأن مواقعها العسكرية الحساسة لا يمكن أن تكون مستباحة لأنه أمر يتعلق بالسيادة الوطنية، وأكدت طهران على أن تقارير المنظمة الدولية تؤكد التزامها بالاتفاقية وبأنها تتعاون مع الوكالة. وشددت على أن البرنامج الصاروخي برنامج دفاعي وهو أمر خارج إطار الاتفاق النووي، مشيرة إلى التزامها ببند في الاتفاقية متعلق بعدم تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.

ويقول اللباد “بموجب الاتفاقية إيران لم تمتلك السلاح النووي، وإذا ما انسحبت منها أمريكا وبدأت في فرض عقوبات حتى وإن كانت غير مؤثرة، فإن إيران قد تفكر بأنها قد أخطأت في الاتفاق وأن الضامن لأمنها القومي هو حيازة السلاح النووي ولبس اتفاقا دوليا وهذا بالتأكيد سيفتح بابا لسباق تسلح في المنطقة”.

الرفض الإسرائيلي

 أبدت إسرائيل أكثر من مرة رفضها للاتفاقية كما أن بعض دول الخليج لديها قلق متصاعد من الدور الإيراني في المنطقة سواء سياسيا أو عسكريا، وفي هذا السياق يقول مصطفى اللباد في حواره، إن إسرائيل ترى من البداية أن “الحل الوحيد هو ضرب إيران بالإضافة إلى إلغاء تدريس مادة الفيزياء النووية في المدارس والمعاهد الإيرانية لمنع وجود قاعدة علمية قد تستند إليها إيران مستقبلا في تطوير قدراتها النووية وهو هدف أبعد بكثير جدا من الهدف الأمريكي”. وعن الموقف الخليجي يقول، إن “القلق والريبة تجاه إيران هو ما يؤثر في الموقف وبالتالي فإن أي ضغط على إيران تراه دول الخليج في صالحها”.

ترامب الآن لديه تأييد خليجي إسرائيلي كبير فيما يتعلق بالضغط على إيران، مقابل فقدان ذلك الجانب الأوروبي والصيني والروسي، وهذا ينطبق على الموقف من رسم خرائط جديدة للشرق الأوسط تضمن تقليص دوار ونفوذ إيران الإقليمي، وهذا هو هدف ترامب وهذا ما تود بعض دول الخليج أن تراه يتحقق وكذلك اسرائيل. ويتوقع اللباد أنه إذا ما فرضت عقوبات جديدة على إيران فإن ذلك قد يدفعها لتخصيب اليورانيوم لندخل في “دوامة التصعيد والتصعيد المقابل”.

على الرغم من التصريحات العدائية الأمريكية المتزايدة، والتلويح بإلغاء أو تعديل الاتفاقية النووية، فإن هناك أطرافا في الداخل الأمريكي لا ترغب في تعقيد الأمور إلى درجة يصعب معها حلها، ومثال ذلك تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الذي طالب بضرورة الحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران.

ويقول اللباد إن إدارة ترامب غير مستعدة لمثل هذه التعقيدات حاليا، على الرغم من أن ترامب في موقف صعب بعدما وعد قبل انتخابه بإلغاء الاتفاق، إلا أن “تراجع الوزن النسبي للولايات المتحدة في النظام الدولي والذي سمح لروسيا بأن تتدخل بقوة في الملف السوري، وغيرها من الأمثلة هو ما سيمنع إدارة ترامب من خوض حرب مكلفة ضد إيران”. ويضيف: ” لو كانت أمريكا تستطيع التصعيد عسكريا مع إيران وهي قوة عسكرية لا تقارن بطهران طبعا، فلماذا لا تفعلها مع كوريا الشمالية التي تقع في منطقة ليست مكتظة بمصالح جيوسياسية أمريكية كما هو الحال في الشرق الأوسط؟ لكن الأمر فيما يبدو مرتبط بشكل أكبر بالتحالفات السياسية داخل امريكا إلى جانب محاولات إرضاء الحلفاء في الشرق الأوسط دون التورط في حرب”.

لافروف: مجرد شائعات

 يوم الجمعة 6 أكتوبر أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، ان الحديث الدائر عن خطة الرئيس الأمريكي، للخروج من الاتفاق النووي الإيراني، ما هو إلا مجرد “شائعات”.

وذكر لافروف، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الكازاخستاني، خيرت عبد الرحمنوف، في أستانا: “الحديث الدائر عن خروج أمريكا من الاتفاق النووي مع إيران مجرد شائعات، وموسكو تسمع إشارات من البيت الأبيض حول الاتفاق النووي مع إيران تؤكد أهمية الصفقة”.

وأضاف لافروف: “نأمل… أن يكون القرار النهائي الذي سيتخذه الرئيس الأمريكي متزنا، وأن ينطلق من الوقائع الحالية”. وتابع “نعتقد أن هذا البرنامج يعد حقيقة أحد أهم إنجازات المجتمع الدولي، وأن تنفيذه يسهم في تعزيز نظام عدم انتشار الأسلحة النووية، ومن الضروري الحفاظ عليه بشكل كامل. بالطبع، مشاركة الولايات المتحدة ستكون عاملا هاما للغاية”.

يذكر أن موقف موسكو متطابق تقريبا مع باريس حيث أن وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان كان قد أكد يوم الاثنين 18 سبتمبر ان الاتفاق النووي بين ايران والقوى الكبرى “اساسي” لتجنب “دوامة انتشار الاسلحة النووية، وعدم تشجيع الاطراف الاكثر تشددا في ايران على حيازة السلاح النووي. من المهم فعلا الحفاظ على هذا النهج، فرنسا ستحاول اقناع الرئيس ترامب بان هذا هو الخيار الملائم”.

واضاف لودريان “سنسهر على التطبيق البالغ الدقة” للاتفاق، مضيفا ان “التنفيذ يتطلب اليقظة، ليس هناك خطوة من جانب ايران تتيح لنا الاعتقاد انه لا يطبق”.

واعتبر ان التراجع عن الاتفاق النووي “قد يؤدي الى عملية انتشار للاسلحة من الصعب ان نحتويها”، مؤكدا انه اذا “تمكن بلد ما من الحصول على اسلحة نووية فان ذلك قد يشجع الجيران على سلوك الاتجاه نفسه، ما يعني اذن ان الاتفاق مع ايران اساسي”.

يذكر أن تقارير للمخابرات المركزية الأمريكية كانت قد حذرت من أن عدة دول عربية خاصة التي تملك مفاعلات نووية ستقدم على صنع السلاح النووي آجلا أم عاجلا أولا بسبب إمتلاك إسرائيل له وثانيا أن تجربة الغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003 وتدخل حلف الناتو في ليبيا سنة 2011 قد أثبتت أن إمتلاك السلاح النووي هو الضمانة الأكبر لمنع الغزو الأجنبي وحماية سيادة الدول.

إخضاع الأضعف

 السؤال الذي يطرحه الكثيرون لماذا لا يمكن لكوريا الشمالية ولإيران أو لدول أخرى امتلاك السلاح النووي الذي تمتلكه رسميا 7 قوى حاليا؟. يسمح” لبعض الدول في الواقع امتلاك هذا السلاح دون غيرها؟ كيف يفسر تاريخ عدم انتشار الأسلحة النووية الوضع الحالي؟.

يرى الباحث الأكاديمي وواضع الاستراتيجيات السياسية وبالنزاعات اللانظامية، جايرار شاليان، أن “الحد من انتشار الأسلحة النووية يستهدف أيضا تأخير بقدر المستطاع إمكانية أن يصبح للقوى المتوسطة، خاصة إذا ما كانت عدائية، ملاذا. وبالنسبة للأقوى، يتعلق الأمر بالحفاظ على القدرة على إخضاع الأضعف”.

يقول جايرار شاليان إن البعض يحلم بعالمٍ خال من الأسلحة النووية، لكن ذلك تصور غير قابل للتحقيق. إن أفضل ضمانة للأمن اليوم هي في امتلاك الأسلحة النووية. لا يمكن تصور دولة قوية، أو مهددة في وجودها تتخلى عن مشروع كهذا. ولكن التخفيف من تسلح أكبر قوتين نوويتين ممكن ومستحب.

نظام لا بد أن ينهار

  جاء في بحث نشره حسن السيد نافعة الرئيس السابق لقسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة:

من الحقائق التي كثيراً ما تغيب عن أذهان بعض من يتحدثون عن مخاطر السلاح النووي وما يمثله من تهديد للسلم والأمن الدوليين أن “حظر الانتشار النووي “نظام موقت بطبيعته ولا بد أن ينهار إذا جرت محاولة لفرضه كنظام دائم. ذلك أن مفهوم “حظر الانتشار” ينصرف إلى مجموعة من الإجراءات تستهدف الحد من سباق التسلح النووي والحيلولة دون ظهور قوى نووية جديدة، أي تجميد حال العالم النووية عند نقطة معينة لئلا تنتشر العدوى انتشارا يستحيل معه الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن المطلوب.

والمعروف أن ميثاق الأمم المتحدة الذي تم التوقيع عليه بالأحرف الأولى في 26 يونيو 1945 في ختام مؤتمر تأسيسي عقد لهذا الغرض في سان فرانسيسكو، لم يشر من قريب أو بعيد إلى مفهوم “حظر الانتشار” لكنه تحدث عن مفاهيم أخرى مثل “نزع السلاح” و”تنظيم التسلح”… إلخ، وحدد آليات يتعين على المنظمة الدولية الجديدة أن تناقش من خلالها كيفية الوصول إلى نظام دولي مقبول لتنظيم التسلح بصفة عامة من دون أي ذكر للسلاح النووي الذي لم يكن العالم يعلم شيئا عنه حتى تلك اللحظة بما في ذلك نزع السلاح. ولو أن الولايات المتحدة التي كان برنامجها النووي السري تمكن بالفعل من التوصل إلى انتاج وتصنيع السلاح النووي، استخدمت هذا السلاح أو أعلنت عن وجوده قبل إبرام الميثاق لعالج المجتمع الدولي قضية تنظيم التسلح بطريقة مختلفة كليا. ولأن المجتمع الدولي يدرك تمام الإدراك أن تجميد الحال النووية عند وضع معين وعلى نحو دائم يعني تقسيم العالم إلى فئتين من الدول: واحدة تملك الحق في امتلاك السلاح النووي وأخرى لا تملك الحق نفسه، وهو أمر يستحيل قبوله، أصبح من المسلم به أن” حظر انتشار السلاح النووي “هو بطبيعته نظام موقت لمرحلة انتقالية تمهد لنظام دائم يقوم على “نزع السلاح النووي” وتخليص العالم نهائيا من مخاطره. ولو كان نظام “حظر الانتشار النووي” صمم كنظام دائم لكان من الضروري تضمين معاهدة 1968 نصوصا صريحة تحدد الشروط والمعايير اللازم توافرها في الدول التي يحق لها وتلك التي لا يحق لها امتلاك هذا السلاح، كما كان من الضروري أيضا تحديد الجهة المنوط بها فحص وتقدير مدى توافر الشروط المطلوبة من عدمه، وهو ما لم يحدث، ولا كان متصور الحدوث أصلا.

إن نظرة عابرة على ما يدور الآن على الساحة الدولية متعلقا بقضايا التسلح النووي يكشف بوضوح تام أن نظام “حظر الانتشار النووي”، شأنه في ذلك شأن نظام “الأمن الجماعي”، تعرض للتشويه ثم للتحريف ليتحول في النهاية، وخصوصا بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي، إلى أداة ابتزاز وبلطجة دولية. ويكفي للتدليل على ذلك التذكير بعدد من الحقائق نجملها على النحو الآتي:

الحقيقة الأولى: أن الولايات المتحدة هي أول من أنتج السلاح النووي وصنعه، وهي الدولة الوحيدة التي استخدمته على طول التاريخ البشري. وهي لم تكتف باستخدامه مرة واحدة، حين ألقت قنبلتها الأولى على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945، وإنما كررت استخدامه مع سبق الإصرار حين ألقت قنبلتها الثانية على مدينة ناغازاكي بعد ذلك بثلاثة أيام فقط، على رغم تأكدها التام من حجم الأضرار التي أحدثها سلاحها الرهيب عقب الضربة الأولى، وعلى رغم تأكدها التام من استحالة استمرار اليابان في الحرب. ولذلك فمن الواضح أن أي ادعاء يستند إلى التمييز بين النظم الديموقراطية وغير الديموقراطية في ما يتعلق بقرار ظروف وملابسات استخدام السلاح النووي هو مجرد لغو لا معنى له.

الحقيقة الثانية: أن احتكار الولايات المتحدة للسلاح النووي لم يصمد سوى سنوات قليلة. فقد تمكن الاتحاد السوفياتي من كسر هذا الاحتكار عام 1949، ثم لحقت بهما كل من المملكة المتحدة وفرنسا. ومع ذلك لم يبدأ موضوع الانتشار النووي يثير القلق الفعلي ويرتب حقائق جديدة على الأرض إلا بعد نجاح الصين في القيام بأول تجاربها النووية في منصف الستينات.

التمييز بين الدول

 يستند المبدأ الأساسي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية على التمييز بين الدول التي تمتلك السلاح النووي والتي فجرت قنبلة نووية قبل يناير عام 1967 وبين الدول الأخرى التي لا تمتلك السلاح النووي، إذ تلتزم الدول الأولى وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة وفرنسا والصين الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن الدولي، من خلال التوقيع على المعاهدة بعدم مساعدة الدول الأخرى بالحصول على الأسلحة النووية، أما الدول الثانية فتلتزم بعدم صنع الأسلحة النووية وعدم السعي إلى الحصول عليها.

وعلى هذا الأساس، حددت ترسانة من النصوص بما في ذلك دور الرقابة الموكل إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أنشئت في عام 1957 آليات تطبيق الحد من انتشار الأسلحة النووية الموجهة إلى الدول الموقعة على المعاهدة.

الاعتبار الوحيد الذي يمكن أن يقلل من عدم التوازن المنصوص عليه في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، يكمن في الالتزامات التي تفرضها المادة السادسة من نص المعاهدة والقائلة: “تتعهد كل دولة من الدول الأطراف في المعاهدة بمواصلة إجراء المفاوضات اللازمة بحسن نية عن التدابير الفعالة المتعلقة بوقف سباق التسلح النووي في موعد قريب وبنزع السلاح النووي، وعن معاهدة بشأن نزع السلاح العام الكامل في ظل مراقبة دولية شديدة وفعالة”.

دول غير موقعة

 على الرغم من معاهدات الحد من انتشار الأسلحة النووية، عادت القنبلة من جديد في آسيا من خلال تجارب الهند وباكستان في عام 1998، ولكن الدولتين غير موقعتين على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.

فقد “رفضت الهند دائما التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، بسبب طابعها التمييزي، إذ ترى الهند أن المعاهدة تضفي ببساطة الشرعية على احتكار حيازة الأسلحة النووية وتكرسه من قبل الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة” حسب إيزابيل كابات التي قامت بأطروحة حول هذا الموضوع. كما رفضت الهند أيضا التوقيع على المعاهدة التي تحظر التجارب النووية. أما باكستان فقد بنت دائما سياستها وفقا لسياسة الهند: “لن توقع طالما أن الهند لم توقع”.

وتعرضت الدولتان إلى عقوبات من قبل الولايات المتحدة التي انتهت برفع أغلبها.

إسرائيل وكوريا الشمالية وإيران

  بدأ تطوير النووي الإيراني في عام 1950 بمساعدة الولايات المتحدة ناهيك عن فرنسا في عام 1970، وقد وقعت إيران على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية في عام 1968، وصادقت عليها في عام 1970. وفي نهاية عام 1980، وضعت إيران تكنولوجيات تخصيب بالتعاون مع باكستان ووجدت إيران نفسها بعد الاشتباه بأنها تريد الحصول على السلاح وهي الطرف في المعاهدة، في صراع مع الدول الغربية أساسا وفرضت عليها عقوبات.

أما حالة كوريا الشمالية فمختلفة، لأن البلاد قد انسحبت من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية قبل أن تبدأ بتجاربها النووية.

وأخيرا، تحافظ إسرائيل التي لم توقع على المعاهدة على الغموض حول قدراتها النووية العسكرية، وهناك شبه إجماع دولي على أن الكيان الصهيوني يملك 200 رأس نووي على الأقل، واشنطن طبعا تحرص على عدم وضع أي قيود على أنشطة تل أبيب النووية.

“تمتلك دول أخرى التكنولوجيا والمعرفة العلمية الضروريتين لصنع الأسلحة النووية بسرعة، ويمكن بالتالي لهذه الدول أن تؤكد رسميا على عدم امتلاكها لأسلحة كهذه” حسب موقع ديبلو ويب.

تبقى الآن حالة “الدول العتبة” أي الدول المعروفة بقدرتها على الحصول سريعا على السلاح النووي ولكنها لم تطوره، ومن بين هذه الدول، وضعت الولايات المتحدة العراق كذبا وغزته، ولكن يمكن لدول أخرى أن تدخل ضمن هذا التصنيف، ولكن المفهوم لا يزال غامضا، ويبدو أن إيران تتواجد ضمن هذه الفئة، وهناك أيضا دول أخرى قادرة على تخصيب اليورانيوم مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل واليابان وألمانيا وأوكرانيا.

محمد مصطفى البرادعي الذي ترأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية صرح لصحيفة الغارديان البريطانية بتاريخ 15 مايو 2009 أن عدد الدول التي يحتمل أن تصبح مسلحة نوويا قد يرتفع إلى أكثر من الضعف في السنوات القليلة المقبلة إذا لم تتخذ الدول الكبرى خطوات جذرية لنزع السلاح، وخص دول الشرق الأوسط في عملها على امتلاك السلاح النووي من ضمن 20 دولة، ووصف الشرق الأوسط بأنه قنبلة موقوتة لأن الناس يشعرون بأن العالم الخارجي يعاملهم بظلم. يشار أن البرادعي ساند الإتهامات الأمريكية الكاذبة عن تطوير العراق لقدراته النووية.

كسر الإحتكار

  أحد الجوانب الخفية في حملة واشنطن وتل أبيب تجاه برامج إيران أو كوريا الشمالية النووية، نابع من إدراكهما أن الفشل في التعامل الردعي الفعال مع هذين البلدين سيسفر عن نهاية ودفن معاهدة حظر الإنتشار وسيفتح الطريق أمام دول أخرى وخاصة في الشرق الأوسط لكسر الإحتكار وإنهاء كون واشنطن صاحبة القول الفصل والكلمة الأخيرة فيمن يحق أو لا يحق له امتلاك هذا السلاح، أو يستحقه.

تناولت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية قبل أشهر، في تقرير لها، تاريخ تطوير الصواريخ المصرية، والذي بدأ في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، مشيرة إلى أن أعين الجمهور الإسرائيلي متجهة إلى إيران فيما يخص برنامجها النووي، ولكن بنظرة فاحصة لما تفعله مصر التي تظهر نوايا لا تختلف كثيرا.

كما جاء تقرير أورده موقع “إسرائيل ديفنس” تحت عنوان “مصر والخيار النووي” مكتظا بالشكوك والتحذيرات حول البرنامج النووي المصري وخاصة مشروع الضبعة الذي ستنجزه روسيا، مدعيا أن عجز الطاقة ليس الدافع المصري الوحيد وراء الاهتمام بالبرنامج، محذرا من إمكانية دخول مصر سباق تسلح نووي إقليمي.

ووجه “إسرائيل ديفنس” انتقادات ضمنية لرفض مصر التوقيع على بروتوكول إضافي في معاهدة “حظر الإنتشار النووي، أو تلك الخاصة بالأسلحة الكيماوية.

وقال التقرير: ”حاجة مصر المتزايدة للطاقة ليست الدافع الوحيد وراء اهتمامها ببرنامج الطاقة النووية.. مصر ترى في نفسها قائدة للعالم العربي، لذلك فإن قرار مواصلة برنامج الطاقة النووية، يخدم أغراضا سياسية على المستويين الداخلي والدولي”.

وحذر التقرير من سباق تسلح نووي متوقع مدعيا أن مصر قد تكون أحد أطرافه قائلا: ”الأنشطة النووية لإيران قد تثير سباقا نوويا إقليميا، حيث يستطيع منافسو إيران في الشرق الأوسط، مصر والسعودية وتركيا والأردن ودول الخليج مجابهة التهديد الإيراني عبر برامج نووية خاصة بها”.

وإذا أرادت مصر تطوير القدرات النووية، بحسب الموقع، فلن تبدأ من الصفر، وفسر ذلك بقوله: ” لقد بدأ برنامج مصر النووي عام 1958، عبر مفاعلي أبحاث، ومختبر لـ” الخلايا الساخنة”، تقع في “إنشاص” بالدلتا، وتستخدم في أغراض مدنية، مع الالتزام بضمانات “الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. واتفق محللون على وجود محاولة مصر الحصول على أسلحة نووية في ستينات القرن المنصرم، لكنها امتنعت عن ذلك، لأسباب سياسية واقتصادية”.

واستطرد: ”المحاولات النووية الماضية منحت مصر مجموعة من الفيزيائيين والمهندسين من ذوي الخبرة، وعدد من الجامعات القادرة على تدريب جيل جديد من العلماء النوويين.. خلال حكم حسني مبارك، فتحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحقيقا حول “تجارب إشعاعية” و”استيراد مواد نووية”، بشأن وجود آثار لليورانيوم عالي التخصيب في إنشاص، لكن تقرير المنظمة جاء “مختصرا ولطيفا”.

وواصل: ”بالرغم من امتلاك مصر إمكانيات متقدمة نسبيا في التكنولوجيا النووية، إلا أن قدرتها على إنتاج أسلحة نووية، ما تزال بعيدة، بسنوات طويلة، إذا اختارت فعل ذلك”.

بدأ البرنامج النووي المصري كمشروع في نفس الوقت الذي بدأت فيه الهند مشروعها النووي، وكان المشروعان المصري والهندي بمثابة توأمين ترعاهما علاقة وثيقة ربطت بين جمال عبد الناصر ونهرو، أخفقت مصر حتى الأن ونجحت الهند.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟

…وأموال المغرب كيف أهدرت…؟ بقلم// محمد أديب السلاوي   -1-         لم يعد خفيا على أحد، أن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *