الرئيسية / مع الناس / مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬

مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬

آخر تحديث :2017-01-06 18:17:06

مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬ 

بقلم // د. عادل بن حمزة

‎قبل‭ ‬سنوات‭ ‬بالعاصمة‭ ‬التشيكية‭ ‬براغ،‭ ‬جمعني‭ ‬عشاء‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬معارضي‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ممن‭ ‬عاصروا‭ ‬تجربة‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬كانت‭ ‬الليلة‭ ‬الباردة‭ ‬مليئة‭ ‬بالحكايات‭ ‬حول‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وبنيات‭ ‬المجتمع،‭ ‬لكنها‭ ‬حكاية‭ ‬ظلت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وهي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أبسط‭ ‬ما‭ ‬حكى‭ ‬لي‭ ‬المعارض‭ ‬السابق،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬المختصر‭ ‬المفيد‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬مآسي‭ ‬منذ‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬1958‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬داعش‭ ‬اليوم‭.‬

‎حكاية‭ ‬المعارض‭ ‬العراقي‭ ‬كانت‭ ‬حول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭ ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬قرأتها‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أعداد‭ ‬مجلة‭ ‬االناقدب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬لندن‭..‬تروي‭ ‬الحكاية‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬أيام‭ ‬الجنرال‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬توجه‭ ‬وفد‭ ‬وزاري‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬القرى‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬للإطلاع‭ ‬على‭ ‬أشغال‭ ‬الفلاحين‭ ‬وتعبئتهم‭ ‬للمعارك‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬حيث‭ ‬خطب‭ ‬فيهم‭ ‬أحد‭ ‬الوزراء‭ ‬قائلا‭: ‬اإن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هي‭ ‬الخلاص‭ ‬الوحيد‭ ‬للبلاد،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬زرعها‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬جميع‭ ‬المواطنينب،‭ ‬تناوب‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬جل‭ ‬الوزراء‭ ‬أعضاء‭ ‬الوفد،‭ ‬وجميعهم‭ ‬ركزوا‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬زرع‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فاضطر‭ ‬أحد‭ ‬المزارعين‭ ‬البسطاء‭ -‬الفلاح‭ ‬أينما‭ ‬وجد‭ ‬يختصر‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭- ‬إلى‭ ‬مقاطعة‭ ‬أحد‭ ‬الوزراء‭ ‬قائلا‭ ‬ببساطة‭ ‬السهل‭ ‬الممتنع‭: ‬أعطيتمونا‭ ‬بذور‭ ‬البطاطا،‭ ‬زرعناها‭ ‬فنجحت،‭ ‬أعطونا‭ ‬بذور‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬نزرعها‭ ‬فتنجح‭…‬

‎بالطبع‭ ‬كان‭ ‬الفلاح‭ ‬البسيط‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخضراوات‭ ‬يمكن‭ ‬زرعها‭ ‬كباقي‭ ‬الخضراوات‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬طويلة‭ ‬ومنمقة،‭ ‬لكن‭ ‬بساطة‭ ‬ذلك‭ ‬الفلاح‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬ضواحي‭ ‬بغداد،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬التعقيدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬ببناء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬ترافقها‭ ‬فكريا‭ ‬وفلسفيا،‭ ‬فإن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هي‭ ‬مسألة‭ ‬إرادة‭ ‬وهي‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفلاح‭ ‬العراقي‭ ‬بذور‭ ‬نزرعها‭ ‬فتنجح‭…‬

‎البذور‭ ‬الفاسدة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعطينا‭ ‬خضراوات‭ ‬صالحة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وجزء‭ ‬كبير‭ ‬مما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬فمجمل‭ ‬التوافقات‭ ‬التي‭ ‬تمت،‭ ‬لم‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬الأزمة‭ ‬البنيوية‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬وركزت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اللحظات‭ ‬المفصلية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬بلادنا،‭ ‬على‭ ‬مخارج‭ ‬واتخريجاتب‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬سوى‭ ‬لإستعمال‭ ‬وحيد،‭ ‬وعاجزة‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬لغياب‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬مسألة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بناء‭ ‬ديمقراطي‭.‬

‎بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬صفاء‭ ‬فكري‭ ‬وذهني‭ ‬لنعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأخطاء‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬سوى‭ ‬بإهدار‭ ‬الزمن‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬وبثت‭ ‬ولاتزال،‭ ‬أمواجا‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬السياسة‭ ‬وجدوى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭…‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬واسعا‭ ‬للخطابات‭ ‬الراديكالية،‭ ‬ويدفع‭ ‬أجيالا‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬تلك‭ ‬الخطابات،‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ -‬للأسف‭- ‬لا‭ ‬يعزز‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬ويضعف‭ ‬باقي‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬الاصلاح‭ ‬التراكمي،‭ ‬الذي‭ ‬يتبين‭ ‬اليوم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬سحابة‭ ‬صيف‭…‬

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com

عن عادل بنحمزة

النائب عادل بن حمزة، هو من مواليد سنة 1975 بمدينة الخميسات متزوج وأب لطفلين، نشأ بالخميسات وبها حصل على شهادة الباكالوريا بثانويتها الشهيرة موسى ابن نصير سنة وذلك سنة 1995، وبالنظر إلى عدم وجود مؤسسة جامعية بإقليم الخميسات إضطر إلى الإنتقال إلى الرباط لمتابعة دراساته العليا بجامعة محمد الخامس، حيث حصل سنة 2000 على الإجازة في علم السياسة وكان موضوع بحث التخرج " المعيقات البنيوية للانتقال الديمقراطي بالمغرب "،

شاهد أيضاً

عادل بنحمزة

مع الناس: قمم قمم قمم…

مع الناس: قمم قمم قمم… بقلم // د. عادل بنحمزة القمة العربية التي احتضنتها عمان، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *