الرئيسية / مع الناس / مع الناس: السلطان أردوغان..

مع الناس: السلطان أردوغان..

آخر تحديث :2017-01-25 12:54:25

مع الناس: السلطان أردوغان..

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

تعيش‭ ‬تركيا‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬و‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬عملية‭ ‬تحول‭ ‬سياسي‭ ‬كبير‭ ‬يقودها‭ ‬الرئيس‭ ‬أردوغان‭ ‬عبر‭ ‬تعديلات‭ ‬دستورية‭ ‬عميقة‭ ‬تحول‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬برلماني‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬رئاسي،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬مساندة‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭.‬

أردوغان‭ ‬شكل‭ ‬منذ‭ ‬وصوله‭ ‬للسلطة‭ ‬ظاهرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تركيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬ونموذجا‭ ‬للتيار‭ ‬السياسي‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬حقول‭ ‬ألغام‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬بثقله‭ ‬الأتاتوركي‭ ‬العلماني‭ ‬الصارم،‭ ‬حيث‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يتجنب‭ ‬المواجهات‭ ‬القاتلة‭ ‬التي‭ ‬أوقفت‭ ‬زحف‭ ‬الإسلاميين‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬السبعينات،‭ ‬وقد‭ ‬حقق‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬جعل‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬الخلف‭ ‬وقدم‭ ‬حزبه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حزب‭ ‬علماني،‭ ‬وصار‭ ‬يصنع‭ ‬معجزة‭ ‬إقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها،‭ ‬وحرم‭ ‬الجيش‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬للانقلاب‭ ‬عليه،‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬القيام‭ ‬بذلك،‭ ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬فات،‭ ‬وكان‭ ‬أردوغان‭ ‬بسط‭ ‬سلطته‭ ‬الفعلية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬فالبلاد‭ ‬وفق‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المراقبين،‭ ‬تسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬سلطوي‭ ‬مغلق،‭ ‬فالتعديلات‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬يحسمها‭ ‬اليوم‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬أغلبيته‭ ‬البرلمانية،‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬جدي‭ ‬ومنطقي‭ ‬لتحويل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬برلماني‭ ‬إلى‭ ‬رئاسي،‭ ‬غير‭ ‬تمكين‭ ‬السيد‭ ‬أردوغان‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬الفعلية،‭ ‬مادام‭ ‬وضعه‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬بأدوار‭ ‬رمزية‭ ‬وأخرى‭ ‬برتوكولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬دولة‭ ‬بحجم‭ ‬تركيا‭ ‬تحول‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬بالكامل،‭ ‬إرضاء‭ ‬فقط‭ ‬لزعيمها‭ ‬الوحيد‭ ‬و‭ ‬الأوحد‭ ‬سلطان‭ ‬الزمان‭ ‬السيد‭ ‬أردوغان،‭ ‬وذلك‭ ‬بما‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬الإستمرار‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬2029،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يضمن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬الأمر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬خاصة‭ ‬أمام‭ ‬إغراء‭ ‬الظاهرة‭ ‬البوتينية‭ (‬نسبة‭ ‬للرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭)‬،‭ ‬و‭ ‬ماقام‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬تناوب‭ ‬مثير‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬الرئاسة‭ ‬مع‭ ‬رفيقه‭ ‬ميدفيديف‭.‬

أردوغان‭ ‬حقق‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬نهضة‭ ‬قوية‭ ‬لتركيا،‭ ‬واستطاع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬استقرارا‭ ‬مثاليا‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬لكن‭ ‬أردوغان‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يبقى‭ ‬بشرا‭ ‬قد‭ ‬يصيب‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬يخطئ،‭ ‬وخطأه‭ ‬الأكبر‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬سماع‭ ‬الرأي‭ ‬المخالف،‭ ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬في‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬حجمه،‭ ‬وعندما‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬لصالحه‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬أو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تعطش‭ ‬كبير‭ ‬للسلطة،‭ ‬أكيد‭ ‬أنها‭ ‬قابلة‭ ‬للإنحراف‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬كلمة‭ “‬لا‭”.‬

شارل‭ ‬دوغول‭ ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬عظيما‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬فرنسا،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تذكر‭ ‬فرنسا،‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬دوغول،‭ ‬لقد‭ ‬إستطاع‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬ربيع‭ ‬باريس‭ ‬سنة‭ ‬1968‭ ‬بخبرته‭ ‬وتجربتهت‭ ‬الكبيرتين،‭ ‬وفاز‭ ‬بالانتخابات‭ ‬النيابية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬ذلك‭ ‬الربيع،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الفرنسي‭ ‬سيستثمر‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬لفائدته‭.‬

في‭ ‬سنة‭ ‬1969‭ ‬دعا‭ ‬دوغول‭ ‬الشعب‭ ‬الفرنسي‭ ‬لإستفتاء‭ ‬سعى‭ ‬من‭ ‬ورائه‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬تهم‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬الحيوية،‭ ‬بل‭ ‬ربط‭ ‬إستمراره‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬بنتيجة‭ ‬التصويت،‭ ‬الفرنسيون‭ ‬كانوا‭ ‬يقدرون‭ ‬دوغول‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬لكن‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬منهم‭ ‬لم‭ ‬ترقه‭ ‬تلك‭ ‬الاصلاحات،‭ ‬فجاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬التصويت‭ ‬ب‭ “‬لا‭” ‬بنسبة‭ ‬52%،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الكبير‭ ‬دوغول‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬سارع‭ ‬لإعلان‭ ‬إستقالة‭ ‬من‭ ‬سطرين‭ ‬أمام‭ ‬ذهول‭ ‬الجميع‭ ” ‬أعلن‭ ‬توقفي‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬مهامي‭ ‬رئيسا‭ ‬للجمهورية‭.‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬نافذا‭ ‬ظهر‭ ‬اليوم‭ ‬29‭ ‬أبريل‭ ‬1969‭”‬،‭ ‬بعدها‭ ‬بسنة‭ ‬فقط‭ ‬غادر‭ ‬دوغول‭ ‬الحياة‭ ‬للأبد‭ ‬تاركا‭ ‬وصية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬سطرين،‭ ‬حيث‭ ‬طلب‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬ألا‭ ‬يحضر‭ ‬جنازته‭ ‬رؤساء‭ ‬و‭ ‬لاوزراء،‭ ‬وطلب‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬ألا‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬قبره‭ ‬سوى‭ “‬شارل‭ ‬دوغول‭ ‬1890-1970‭”.‬

مات‭ ‬دوغول‭ ‬رجلا‭ ‬عظيما،‭ ‬بينما‭ ‬آخرون‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬سبيلا‭ ‬للنهايات‭ ‬الجميلة‭.‬

بقلم // د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com

عن عادل بنحمزة

النائب عادل بن حمزة، هو من مواليد سنة 1975 بمدينة الخميسات متزوج وأب لطفلين، نشأ بالخميسات وبها حصل على شهادة الباكالوريا بثانويتها الشهيرة موسى ابن نصير سنة وذلك سنة 1995، وبالنظر إلى عدم وجود مؤسسة جامعية بإقليم الخميسات إضطر إلى الإنتقال إلى الرباط لمتابعة دراساته العليا بجامعة محمد الخامس، حيث حصل سنة 2000 على الإجازة في علم السياسة وكان موضوع بحث التخرج " المعيقات البنيوية للانتقال الديمقراطي بالمغرب "،

شاهد أيضاً

عادل بنحمزة

مع الناس: قمم قمم قمم…

مع الناس: قمم قمم قمم… بقلم // د. عادل بنحمزة القمة العربية التي احتضنتها عمان، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *