الرئيسية / كتاب الرآي / مع هنري لاووست في كتابه: نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (14)

مع هنري لاووست في كتابه: نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (14)

آخر تحديث :2017-02-04 17:55:06

مع هنري لاووست في كتابه: نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (14)

أركان مذهب أهل السنة والجماعة ومن يلتزم بها..؟

محمد السوسي

  • بقلم // ذ. محمد السوسي

يزداد مع ما يعرفه العالم من تطورات وأحداث تخبط العالم الإسلامي وازدياد حدة خلافاته وانكشاف سلوك المسؤولين فيه، ويتضح مدى ابتعادهم عن واقع ومصالح الأمة الإسلامية وشعوبها وان هؤلاء المسؤولين لا يعنيهم من أمر الأمة الا ما يضمن استقرار قبضتهم وتحكمهم في مصائرها ودوام استنزاف إمكاناتها وقدراتها المالية والمادية بتظافر جهودهم وجهود الاستعمارين القديم والجديد.
لقد كانت الأحداث البارزة خلال الأسبوع الذي نودعه تتميز بأمور ثلاثة وأساس اتضح من خلالها ما تعانيه الأمة الإسلامية من تشرذم وتمزق على مستوى الحاكمين والمسؤولين وإذا كانت قضية القدس أولى القبلتين ومسرى الرسول (ص) ومن خلالها فلسطين أرض النبوات مما اهتم به المسلمون وتهتم به الشعوب الإسلامية فإن الدولة الصهيونية ماضية بعزم وإصرار في تهويد الأرض واستيطانها وإضفاء الطابع الصهيوني لها مع التزام الرئيس الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية بنقل سفارة بلده إلى المدينة المقدسة وهو أمر دفع الصهاينة إلى اتخاذ مزيد من القرارات لبناء المستوطنات وإسكان عشرات الآلاف في المدينة، وفي الضفة حتى يصبح فيها الفلسطينيون أقلية يسهل طردها وإبادتها، ومع ذلك فالحاكمون في ديار الإسلام لا يأبهون لذلك، فهم لديهم الحلف الإسلامي لمقاومة الإرهاب وكان ما تقوم به إسرائيل ليس إرهابا، ولديهم حلف عربي لمواصلة هدم اليمن وإبادة شعب بكامله دفاعا عن الشرعية، وهذا من طبيعته لا يتعارض مع تجنيد وتجييش الجيوش بتنسيق مع التحالف الدولي لهدم العراق وسوريا ولا مفهوم للشرعية في البلدين ما دام راعي الشرعية الدولية قرر هدم سوريا والعراق، فالأمر موكول إلى هذا الراعي وتوجيهاته.
وهذا في حد ذاته يدل على مقدار احترام الحاكمين في ديار الإسلام لمشاعر الشعوب ومصالحه ولوحدة الأمة العربية والإسلامية وإذا كنا أدرجنا ضمن ما حدث في الأسبوع الأخير هذا رغم استمراره منذ سنوات فلأن الأمر فيه جديد في كل لحظة وليس في كل أسبوع.
ولعل الحدث الأهم والأبرز كذلك القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي الجديد في شأن مواطني سبع دول إسلامية وأثار الكثير من ردود الفعل في العالم، إلا لدى المسؤولين العرب والمسلمين، فحتى المنظمات العالمية والحقوقية في القارات الخمس اتخذت مواقف للتنديد والاحتجاج بما فيها حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، كلها أدانت واستنكرت ولكن منظمة التعاون الإسلامي التي يعني الأمر فيما سبع دول فإنها أبدت قلقها من هذا القرار!؟
فهذه المنظمة التي يعنيها أمر مواطني سبع دول من دولها أسقطهم تآمر بعض المسلمين على بعض وإثارة الفتن والحروب المدمرة في براتين الفوضى والهجرة واللجوء ولكنها لا تدين ولا تستنكر ولكنها قلقلة ولعل قلقها ناشيء عن أن تدابير الرئيس الأمريكي لا تكفي لعقاب هؤلاء الذين ما كان ينبغي لهم أن يفروا من الموت والتشريد والإعاقة والجوع ونقص التمرات والأموال، فلا يصيبها نصيبها مما دبرته بعض هذه الحكومات النافذة في هذه المنظمة التي تفعل كل شيء، إلا التعاون من أجل الخير والسلام في ديار الإسلام والمسلمين أو على أقل تقدير لا يظهر اثر هذا التعاون وبعضها يقاتل البعض ويتعاون بعضها على حساب البعض.
ويظهر أثر هذا التمزق كذلك في الحدث الذي عرفه مؤتمر القمة الأخير للاتحاد الإفريقي، هذا المؤتمر الذي امتاز بعودة إحدى الدول المؤسسة لفكرة التعاون الإفريقي، منذ انبثاق فجر الحرية في إفريقيا، والتي كان ملكها وشعبها نموذجين لقادة وشعوب إفريقيا لتنهض وتنطلق لمناشدة الحرية والاستقلال، كان المغرب المؤسس والراعي لمؤتمر الدار البيضاء عام 1961 وكان مؤسسا لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1963 وكان رجوعه أمرا بديهيا متى أراد، فالأمر يتعلق بواحد من الأسرة ان لم يكن من أكابرها ومؤسسها ومع ذلك فالدولة الجارة التي رعى المغرب نضالها وقدم لها كل عون لا ترى في عودته ما يسرها، وهذا في الواقع إنما يمثل هذا الفيروس فيروس التفرقة والتآمر التي تعاني منها الأمة الإسلامية، وينخر كيان وحدتها وتماسكها.
إنها أحداث ثلاثة تدل على ضعف وازع الأخلاق الإنسانية، وانعدام روح التعاون الإسلامي، وانتشار الأحقاد، وانعدام تقدير مشاعر الشعوب والأمة الإسلامية لدى بعض الساسة والقادة في العالم الإسلامي، ومع ذلك فان وعي الشعوب وإصرارها على الحرية والوحدة والتعاون والعدالة سيجرف قريبا هذه النزعات الانهزامية والانتهازية لدى بعض الساسة ومن يخدمونهم من القوى الأجنبية التي ترى في تضامن الإسلام والمسلمين ما يبدد أحلامنا في السيطرة والتحكم.
ونعود بعد هذا للحديث عن ابن تيمية وأهل السنة والجماعة مواصلة لتحليل كتاب “هنري لاووست”.

الأفكار لم تمت
قلنا في أحاديث سابقة أن ابن تيمية أثار من الجدل والنقاش حول عقائد الناس ومواقفهم ما خلق له كثيرا من الخصوم والأعداء لدى كل المذاهب والطوائف، ومن أجل ذلك تعرض لكثير من النقد والتجريح، والرمي بكثير من الأوصاف والنعوت قد لا تكون صحيحة ولا سليمة، ولكنها من الشبه التي تلقي بظلالها على الأفكار والمواقف، وإذا كان ابن تيمية قد خفت صوته بعد موته، ولم تكن الأفكار والمواقف التي تبناها ذات أصداء كثيرة وقوية، وان كانت باستمرار موجودة وحاضرة، في تمثيل مذهب السلف في الدراسات الكلامية والفكرية على قلتها فيما بعد وفاته، فإنه في القرنين الأخيرين عاد لفكره الألت والأثر بعدما تبناه الكثير من الباحثين وان بدرجة من الاختلاف قوة وضعفا، وفهما وإدراكا.
النزوع نحو الغلو
لقد تبني البعض هذا الفكر على نحو يذهب به منازع ومذاهب لم يكن ابن تيمية رحمه الله يسعى إليها ولا قصدها ولكن النزوع لدى البعض إلى الغلو والاغراب ذهب بهم إلى متاهات فكرية وسلوكية أثرت على سمعة الرجل لدى الكثير من الناس الذين يقتنعون بما يسمعون دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والدراسة والتتبع حتى إذا كانوا من أهل النظر ويمكنهم أن يفعلوا ذلك، اما إذا كانوا ممن لا تتوفر لهم هذه الإمكانية العلمية فإن تأثرهم وهم مقلدون ومقتنعون بما يسمعون، ومن بين الأشياء التي أصبحت اليوم متداولة بين الناس وعمت بها البلوى كما يقال الادعاء إلى الانتماء لأهل السنة والجماعة.
سلفية المظهر
لقد حاول البعض قصر هذا الاسم على مجموعة من الناس تحاول أن تجد لها زيا خاصا بين الناس وسمة تتسم بها وحدها باعتبار هذه السمة دالة على الانتماء والاصطفاف ضمن أهل السنة والجماعة وهذا هو أخطر ما تعاني منه الأمة، وما جر على الرجل رحمه الله البحث عن مواقف فكرية وعلمية له تدل على القدح والنيل من عقيدته وسنينه وسلفيته.
لقد أصبح اليوم تداول السلفية وتصنيفها إلى أصناف مما يكاد يذهب بهيبة الاسم ووقاره ومكانته الدينية والتاريخية باعتبار ان للسلف مكانة خاصة في العقلية الإسلامية قديما وحديثا إذ هي الفئة القريبة من صاحب الرسالة وصحابته ومن على نهجهم في القرون الثلاثة الأولى، ولكن اليوم تكاد سمة لمن يقتل ويسلك الدماء ويثير الفتنة بين المسلمين.
مزيدا من التأصيل
وفي هذه الأحاديث التي عقدناها للكلام عن ابن تيمية من خلال دراسة وتحليل ما كتبه «لاووست» تعرضنا لتحليل بعض المفاهيم التي لها ارتباط بالموضوع وبالأخص ما اشرنا إليه أخيرا في موضوع تحديد مفهوم أهل السنة والجماعة، واليوم نواصل بشيء من التفصيل توضيح وتأصيل وبيان معنى أهل السنة والجماعة باعتبار الفئات والشرائح التي يشملها هذا التحديد معتمدين في ذلك على ما كتبه أحد مؤرخي الفرق الإسلامية ومن بين أقدمهم (عبد القاهر البغدادي) في كتابه (الفرق بين) الفرق في الباب الخامس والذي ذكر فيه الأوصاف التالية وعندما نذكر هذا ونتوسع فيه.
عموم البلوى
فذلك لأن البلوى عمت بمن يتبني الأفكار دون علم ووعي وحتى تتيح الفرصة لمن يهتم للعودة إلى المنابع الأصلية للفكر الإسلامي الصحيح دون الاعتماد على الغوغائية، ونذكر في البداية عناوين الفصول التي عقدها لبيان أوصاف الفرقة الناحية وهي فرقة أهل السنة والجماعة كما يرى ذلك أهل الإسلام يقول:
لأوصاف الفرقة
في بيان أوصاف الفرقة الناجية، وتحقيق النجاة لها، وبيان محاسنها
هذا باب يشتمل على فصول هذه ترجمتها:
1 – فصل: في بيان أصناف فرق السنة والجماعة.
2 – فصل: في بيان تحقيق النجاة لأهل السنة والجماعة.
3 – فصل: في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة.
4 – فصل: في بيان أهل السنة في السلف الصالح من الأمة.
5 – فصل: في بيان عصمة أهل السنة عن تكفير بعضهم بعضا.
6 – فصل: في بيان فضائل أهل السنة، وأنواع علومهم، وذكر أمتهم.
7 – فصل : في بيان آثار أهل السنة في الدين والدنيا، وذكر مفاخرهم فيهما.
فهذه فصول هذا الباب، وسنذكر في كل منها مقتضاه بعون الله وتوفيقه».
وبعد هذا يعقد البغدادي الفصل الأول يحدد فيه بتفصيل من يدخل تحت مسمى أهل السنة والجماعة ونريد من هذا التفصيل بيان خطأ احتكار التسمية من لدن بعض الناس ورمي غيرهم بالبعد عن مفهوم أهل السنة والجماعة يقول:
الفصل الأول
من فصول هذا الباب
في بيان أصناف أهل السنة والجماعة
اعلموا –أسعدكم الله- أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:
أصول الدين
1 – صنف منهم أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة، وأحكام الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، وشروط الاجتهاد، والإمامة، والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهية والنجارية، وسائر أهل الأهوال الضالة».
من الواضح أن البغدادي يحدد هذا الصنف وواضح من هذا التحديد أن المقصود به هم اعتني بأصول الدين وعلم الكلام.
الفقهاء
2 – والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية، وتبرءوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر من القبور، مع إثبات السؤال في القبر، ومع إثبات الحوض والصراط والشفاعة وغفران الذنوب التي دون الشرك».
زيادة بيان
ويزيد البغدادي وصفا لهؤلاء وتوضيحا بقوله:
وقالوا: بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة، وقالوا: بإمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرءوا من أهل الأهواء الضالة، ورأوا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إجماع الصحابة، ورأوا جواز المسح على الخفين، ووقوع الطلاق الثلاث، ورأوا تحريم المتعة، ورأوا وجوب طاعة السلطان فيما ليس بمعصية».
الأئمة وأتباعهم
ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك، والشافعي، والأوزاعي والثورى، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأصحاب أبي ثور، وأصحاب أحمد بن حنبل، وأهل الظاهر، وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصول الصفاتية، ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة».
الأمة … والسنة
من الواضح أن البغدادي في هذه الفقرة يخرج كثيرا من الطوائف الإسلامية من أهل السنة والجماعة لا يخرجهم من امة الإسلام كما سبق الأمر في الحديث السابق.
3 – والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علما بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه السلام، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.
الأدباء
4 – والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علما بأكثر أبواب الأدب والنحو والتصريف، وجروا على سمت أئمة اللغة، كالخليل، وأبي عمر بن العلاء وسيبويه، والفراء، والأخفش، والأصمعي، والمازني، وأبي عبيد وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين، الذين لم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج، ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة، ولا كان قوله حجة في اللغة والنحو».
القراء
ويذكر في الفقرة التالية أهل القراءة والقراء.
5 – والصنف الخامس منهم: هم الذين أحاطوا علما بوجوه قراءات القرآن، وبوجوب تفسير آيات القرآن، وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة، دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.
الصوفية والزهاد
6 – والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا، واختبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور، وقنعوا بالميسور، وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدوا خير الإعداد، ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث، دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء، دينهم الوحيد، ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، والقناعة بما رزقوا، والإعراض عن الاعتراض عليه: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم».
المجاهدون
إن البغدادي يغلق الباب على من يريد أن يخرج الصوفية من جماعة أهل السنة وذلك على نحو ما يفعل بعض الناس اليوم.
7 – والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين، ويحمون حمى المسلمين، ويذبون عن حريمهم وديارهم، ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم قوله: «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سلبنا، وإن الله لمع المحسنين» زادهم الله توفيقا بفضله ومنه».
الإطار الجغرافي
إن البغدادي في الفقرة الموالية يتحدث عن الإطار الجغرافي لأهل السنة والجماعة ويحددهم بما يميز أهل السنة دون من يرى لنفسه موقفا مغايرا ولاشك أن الإمامة هنا وما يتبعها أساس ذلك التميز كما وضح ذلك. وواضح أنه هنا يشير كما أشار فيما سبق إلى أن الشيعة وإن كانوا من أمة الإسلام فهم ليسوا من أهل السنة والجماعة مثلهم بقية الفئات التي لا تقول بمقولات أهل السنة.
8 – والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.
وإنما أردنا بهذا الصنف من العامة الذين اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، ورجعوا إليهم في معالم دينهم وقلدوهم في فروع الحلال والحرام، ولم يعتقدوا شيئا من بدع أهل الأهواء الضالة وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية «حشو الجنة».
ويختم بقوله:
أصحاب الدين
فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة ومجموعهم، أصحاب الدين القويم، والصراط المستقيم، ثبتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه بالإجابة جدير، وعليها قدير».
لقد أوردنا هذا التفصيل كما أورده البغدادي لنؤكد ما أسلفناه وهو أن احتكار اسم السلف أو السنة والجماعة أمر أحدثه بعض الناس في العقود الأخيرة ونشأ عنه من الفرقة والتطاحن وسفك الدماء ما يعرفه الناس ويتحركون مرارته حتى الآن.
أركان وأسس مذهب أهل السنة والجماعة
قد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين، كل ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته، ولكل ركن منها شعب، وفي شعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على قول واحد، وضللوا من خالفهم فيها.
1 – وأول الأركان التي رأوها من أصول الدين إثبات الحقائق والعلوم، على الخصوص والعموم.
2 – الركن الثاني: هو العلم بحدوث العالم في أقسامه، من أعراضه وأجسامه.
3 – والركن الثالث: في معرفة صانع العالم وصفات ذاته.
4 – والركن الرابع: في معرفة صفاته الأزلية
5 – والركن الخامس: في معرفة أسمائه وأوصافه.
6 – والركن السادس: في معرفة عدله وحكمته
7 – والركن السابع: في معرفة رسله وأنبيائه
8 – والركن الثامن: في معرفة معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء.
9 – والركن التاسع: في معرفة ما أجمعت الأمة عليه، من أركان شريعة الإسلام
10 – والركن العاشر: في معرفة أحكام الأمر والنهي، والتكليف
11 – والركن الحادي عشر: في معرفة فناء العباد وأحكامهم في المعاد.
12 – والركن الثاني عشر: الخلافة والإمامة، وشروط الزعامة.
13 – والركن الثالث عشر: في أحكام الإيمان والإسلام في الجملة.
14 – والركن الرابع عشر: في معرفة أحكام الأولياء، ومراتب الأئمة الأتقياء.
15 – والركن الخامس عشر: في معرفة أحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء.
فهذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها، وضللوا من خالفهم فيها، وفي كل ركن منها مسائل أصول ومسائل فروع، وهم مجمعون على أصولها وربما اختلفوا في بعض فروعها اختلافا لا يوجب تضليلا ولا تفسيقا».
الأشاعرة في المقدمة
هذه هي الأسس والأركان التي يستند إليها مذهب أهل السنة والجماعة ولاشك أن المسلمين السنة في عمومهم يقومون بدورهم في فهم وتوضيح هذه الأركان، وإذا أردنا إسقاط هذه الأركان وتوابعها على النزعات والتيارات الفكرية السائدة في المجتمع الإسلامي فإن الأشاعرة سيكونون في مقدمة أهل السنة والجماعة وهذا ما حصل حتى أتى على الناس زمان لا يرون فيه تمثيلا لأهل السنة إلا فهيم وفي أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم في هذا يستوعبون المحدثين وأهل الأثر لأنهم جزء من تحديد ومفهوم أهل السنة والجماعة وذلك في مقابل من لا يلتزم بما تلتزم به من أحكام فقهية وكلامية وأصولية، ولا يعني ذلك أبدا إخراج من لا يتفق عن ملة الإسلام كما سبقت الإشارة.
انا من أصولهم كما سبق أنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة.
شبهة التجسيم
وإذا كنا اشرنا في مقدمة هذا الحديث إلى ما أثير حول ابن تيمية وفكره وهل هو ملتزم بما يحدد صفات أهل السنة أو غير ملتزم فإننا لا نعقد هنا محاكمة لفكره فهو عالم متبحر ومجتهد متميز في الأصول والفروع وإن كان محسوبا على المذهب الحنبلي ولكن في كلامه شطحات في بعض الأحيان ومبالغات أثارت حوله كثيرا من الشبهات ولعل من أهمها التجسيم الذي يتعارض مع التنزيه وهو أمر ينفيه البعض عنه ويحاول البعض الآخر وسمه به ومن الدارسين المعاصرين الذين أشاروا إلى هذا الأمر الدكتور (علي سامي النشار) في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام الجزء الأول ص619 وما بعدها، والدكتور النشار لا يمكن اعتباره متحاملا على ابن تيمية إذ دافع عنه في كتابه (مناهج البحث عن مفكري الإسلام) كما نشر نصوصا سلفية فهو على أي حال ليس متهما في هذا الباب ومع ذلك فإنه عندما تحدث عن (الكرامية) وعلاقتها بالمذهب الفلسفي وتبنيها للنزعة الحشوية مما دفع بالاشاعرة السنة إلى مهاجمتها ولكنها وجدت أثرها إلى فكر ابن تيمية في نظر النشار يقول:
ابن تيمية والكرامية
«وبعد، فهذه هي الكرامية: مذهب فلسفي وعملي، خاضت الفلسفة، وتأثرت بنظرياتها، كما بحثت في الأخلاق، وفي الإنسان وفي السياسة. ورسمت صورة متكاملة بديعة من الناحية الفلسفية، ولقد أخذت من مختلف الآراء ولكنها صاغتها أجمل صياغة، وتابعها الأنصار العديدون بجلبة وضوضاء، ولكن ما لبث أن قام مشيخة الاشاعرة، يهاجمون تجسيمها، وآراءها الشاذة، وشغلت المجادلات بين الاثنين المجامع الإسلامية جميعا، وملأت هذه المجادلات، كتب الأشعري والباقلاني وإمام الحرمين والغزالي وفخر الدين الرازي والآمدى. وحفظ هؤلاء المشيخة الكثير من آراء الكرامية، وهم يجادلونها وينقضون على أسس مذاهبها. بحيث لابد لباحث الكرامية من أن يعود إلى كتب المذهب الأشعري –مبتدئا من شيخ المذهب نفسه حتى الآمدى لمعرفة آراء الكرامية .
ولقد كان هؤلاء بلا شك أكثر حيادا ونزاهة من كثير من كتاب الفرق كالشهرستاني والبغدادي والاسفراييني والايجي. غير أن هؤلاء الأواخر قدموا لنا مادة طيبة عن الكرامية، حقا قد شابها الإلزامات، ولكنها أبانت عن نظريات نقدية في مآخذ الكرامية، ومصادرهم. ولاشك أن العين الناقدة تستطيع بمنهج النقد الداخلي أن تكشف حقيقة المذهب الذي أثار العالم الإسلامي أشد الثورة.
الهروي والتجسيم
لقد كان الهروي الأنصاري صورة من الكرامية، فهو مجسم مثلها، وهو يؤمن بالكسب، وإلغاء الأسباب كما آمنت الكرامية بالكسب وإلغاء الأسباب وكان الكرامية زهادا، وكذلك كان الهروي زاهدا، ثم انقلب صوفيا، وكما سقطت الكرامية في مذهب يؤدي إلى وحدة الوجود، سقط الهروي الأنصاري في نفس المذهب، ولا يمكن أبدا فهم الهروي الأنصاري بدون مقارنة آرائه ووصلها بمذهب الكرامية.
بقي التشبيه والتجسيم في بيت المقدس وفي دمشق وفي حران، وفي هذه الأخيرة ولد عالم السلف المتأخر الكبير تقي الدين بن تيمية عام 661ه. نشأ ابن تيمية في أسرة حنبلية، يحيط بها التشبيه والتجسيم، وقد وقع فيهما ابن تيمية وقوعا كاملا، ولسنا هنا نعرض لفلسفة هذا الفيلسوف المجسم النادر المثال، فإن عصره متأخر عن العصر الذي نكتب فيه وهو عصر النشأة، وقيام الأفكار، غير أن من المؤكد أن مذهبه خليط من مذهب الصفاتية المغالية ممتزجة بسالمية وكرامية.
وعاشت مدرسة ابن تيمية –(المتوفي عام 727ه) بعده حتى عصورنا هذه.
هكذا يرى الدكتور علي سامي النشاز ذو النزعة الاشعرية وليس وحده في هذا الصدد ومع ذلك فإن نصوصا كثيرة من إنتاج ابن تيمية من شأنها تفنيد هذه الشبهة.

عن محمد السوسي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *