الرئيسية / كتاب الرآي / هكذا صنعوا “أسلمة الإرهاب” في الثقافة الغربية

هكذا صنعوا “أسلمة الإرهاب” في الثقافة الغربية

آخر تحديث :2017-02-03 19:02:25

هكذا صنعواأسلمة الإرهابفي الثقافة الغربية

محمد أديب السلاوي

  • بقلم // محمد أديب السلاوي                 

-1-

لاشك إن عداء الغرب وأمريكا للإسلام، ليس جديدا على الإطلاق، إن المتتبع للحياة الثقافية والفنية الغربية خلال القرنين الماضيين يدرك بسهولة، منهجية الحرب التي شنها ويشنها الفنانون والكتاب والسينمائيون، على الإسلام والعروبة، قبل أحداث “الثلاثاء الأسود” (11 شتنبر 2001) بعقود طويلة. فإن الصورة النمطية التي اختزلت العربي والمسلم في الآداب الغربية والأمريكية عامة، لا تبتعد كثيرا عن الصورة النمطية التي ظهرت لهذا “الكائن” بالسينما الأوروبية والأمريكية. فهو في القصة والرواية والشعر والسينما غالبا ما يمثل ذلك” الوحش” الذي يهدد “الحضارة الإنسانية” بتطرفه ونظرته الدينية الضيقة.

فالسينما في القارتين الأوروبية والأمريكية، ترجمت إلى حد بعيد فكر وقيم المجتمع الغربي، أنتجت (بهوليود وروما وباريس) خلال القرن الماضي سلسلة من الأفلام تعبر عن هذا العداء الدفين بلغة صريحة وواضحة، تربط جميعها العرب والمسلمين بالعنف والفساد والجنس والإرهاب. وتظهرهم في مشاهد على درجة قصوى من الهمجية والوحشية والبربرية، وذلك دون “الصورة” المريضة التي تقدمها القصة والرواية والمسرح والفنون الأخرى للإنسان العربي، ولبيئته وتاريخه.

ونذكر أن السينما الأمريكية والأوروبية بذلت من خلال سلسلة من الأفلام جهدا مضاعفا من أجل إبراز صورة “العدو” العربي الإسلامي الخارق الذي ينتظره العالم بوجل وترقب كبديل للشيوعية المتحضرة والعربي المسلم إما يملك أسلحة نووية ذات خواص تدميرية شاملة وصواريخ يهدد بها الأبرياء الذين يتدخل “الغرب الطيب” من أجل إنقاذهم وحمايتهم، وإما قتلة، إرهابيون، فاجرون، بالفطرة والسليقة والعقيدة والنشأة والثقافة، حتى وإن كانوا يعيشون في المجتمع الغربي الديمقراطي / الإنساني / المتحضر / الشامخ / المستقر ؟.

وكما تجاهلت الثقافة الأمريكية الغربية، المعاناة التي عاشها ويعيشها العرب المسلمون من جراء الإرهاب الغربي / الاحتلال / الاستغلال، خلال القرنين الماضيين، تجاهلت أيضا معاناتهم وعذاباتهم كمهاجرين إلى هذا الغرب المتقدم / المتحضر / الإنساني.

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كمنطقة الشرق الأدنى والعديد من المناطق الإسلامية الأخرى عانت خلال القرنين الماضيين، مهانات الاحتلال الغربي والتهميش والازدراء والبطش الأوروبي / الأمريكي وانتهت حملاتها بزرع كيان يهودي / صهيوني غريب على الأرض الفلسطينية العربية و”السيطرة” على خيراتها واستغلالها في بناء قوته وجبروته، كل ذلك لا أثر له في هذه الثقافة ولكن مع ذلك فدورها بارز في ربط الإرهاب بالعرب والمسلمين.

-2-

يقول الأكاديمي السعودي الدكتور عبد القادر طاش، الذي حصل على درجتي الماجيستر والدكتوراة في الإعلام من جامعتي أوكلاهوما وجنوب البنوي بالولايات المتحدة أن جذور الصورة النمطية المشوهة عن الإسلام والعرب في العقل الغربي تعود إلى بداية العلاقة التي نشأت وتطورت بين الإسلام والمسيحية خلال القرون الأولى لظهور الدين الإسلامي إلى القرون الممتدة من القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي / صورة أسطورية مزيفة عن الإسلام والعرب ظلت مهيمنة على العقل الغربي حتى وقتنا الحاضر.

ومع حلول العصر الحديث كانت القوة الإسلامية العثمانية تدك معاقل أوروبا حتى وصل السلطان محمد الفاتح إلى قلب أوروبا وحاصر مدينة فيينا بالنمسا وأضاف إلى دولته أجزاء من أوروبا مثل ألبانيا ويوغسلافيا واليونان وغيرها، وأدى ذلك إلى تعميق الشعور الغربي بأن الإسلام يمثل تهديدا خطيرا لوجود الغرب وكينونته.

ويلخص الباحث السعودي نظرة الغرب في القرون الوسطى إلى الإسلام فيقول : لقد كان الإسلام في التقليد المسيحي خلال  القرون الوسطى مخربا، يدعو العاطفة تحديدا لأنه يدعى الوقوف على الأرضية نفسها مع المسيحية، وإن نجاحاته مهما تكن كبيرة فهو ليس سوى قادم جديد، سيء التسليح، بدائي ودون إعداد عقائدي ومع كل الحسابات إنه تبسيطي.

وكان تشويه صورة الإسلام في القرون الوسطى يركز على إلصاق صفتين مشينتين بالإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم : الأولى أن الإسلام  شهواني ومادي في فكره ومفهومه للجنة، والثانية ان الإسلام دين العدوان والقوة والعنف وان استعمال العنف من الخصائص العامة المكونة للدين الإسلامي ودلالة رعب بديهية.

ويشير د.عبد القادر طاش في بحثه التاريخي / العلمي،إلى أنه في الحقيقة المعاصرة ظهرت وسائل الإعلام الجماهيرية لتضيف إلى المشكلة بعدا جديدا يتمثل في إسهامها الخطير في نقل الصورة النمطية المشوهة للإسلام والعرب في التراث الغربي من دوائر الدراسات الاستشرافية والسياسية والأكاديمية إلى الدائرة الشعبية، حيث تمكنت هذه الوسائل بما تمتلكه من قدرة على الانتشار وقوة الجذب والتأثير من أن تجعل الصورة النمطية المشوهة عن الإسلام ضمن اهتمامات الفرد الغربي حتى أصبحت في وقت الأزمات حديث المجالس والمنتديات الشعبية.

نتيجة ذلك اجتهدت العديد من الفعاليات الإسرائيلية في أمريكا، في الدفع بهذه الأطروحة الخطيرة، لتجعل من الإسلام والمسلمين، مصدرا للتهديد والخطر الرئيسي الذي يواجه عالم الحضارة المادية وقيمها، وفي الوقوف بقوة في وجه أي محاولة لتأسيس حوار إسلامي غربي، بشأن “الإرهاب” أو أية قضايا أخرى ذات طبيعة إنسانية أو دينية.

ونتيجة لذلك أيضا، وقعت الحكومة الأمريكية أسيرة للخوف من الإسلام والمسلمين، وعملت بتحريض من “اللوبي الإسرائيلي” على اعتقال وملاحقة عشرات الأفراد والزعماء والمؤسسات الإسلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها، الذين كانوا يمثلون صوت العقل والحوار والاتصال الإنساني، مما ترك فراغا واسعا تبينت أهميته خلال أحداث 11 شتنبر بواشنطن ونيويورك بوضوح وشفافية.

-3-

هكذا أدت أحداث يوم”الثلاثاء الأسودبواشنطن ونيويورك (11 شتنبر 2001) إلى وضع العالم أمام وضع شاد وغريب، ليس ناجما بالضرورة عن ما أصاب الولايات المتحدة الأمريكية من خسائر في الأرواح والممتلكات بقدر ما هو ناتج عن عقود طويلة من الصراع والحروب والمجاذبات بين “الشرق” و “الغرب”، حيث ابتلى عالم “الشرق” العربي الإسلامي خاصة بالاستعمار والاحتلال والغزو، ومن خلاله بالتخلف والتقهقر والتهميش، في الوقت الذي كان “الغرب” يحصد تقدمه المذهل في مجالات التكنولوجيا العلمية، والصناعة، والبناء الاقتصادي / الاجتماعي / الثقافي / العسكري، الذي أعطى هذا “الغرب” هيمنته الاقتصادية / العسكرية / الحضارية التي جعلت من العروبة والإسلام وكل الديانات والإيديولوجيات والحضارات الأخرى في الأرض، مجرد “مجرات” تائهة في “الفلك” الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، المؤمنة بقوة وشدة بتفوقها الحضاري وبحقها في السيطرة والسيادة على العالم وحضاراته المتعددة الأخرى، وهو ما جعل “العداء” الصامت يتبلور مع أحداث الزمن بين العالمين المتباعدين. حتى إذا جاءت أحداث “الثلاثاء الأسود” قامت  القيامة ضد العرب والمسلمين في كل مكان من الأرض، في الإعلام والسياسة والثقافة والشارع الاجتماعي، بتخطيط محكم، تقوده وتبرمجه نيابة عن أمريكا والغرب، وبتفويض منها المؤسسات اليهودية والصهيونية في إسرائيل، وفي مختلف العواصم الغربية.

-4-

نعم إن أحداث”الثلاثاء الأسود” وضعت العالمين العربي والإسلامي داخل حرب الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ضد ما تسميه ب “الإرهاب” في موضع لا يحسد عليه، فسواء بالنسبة للدول (العربية والإسلامية) المؤيدة للحملة الأمريكية أو التي تعارضها… أو التي تبحث عن موقع في هذه الحملة، فإنها جميعا وجدت نفسها مرغمة على الانخراط في هذه الحملة باعتبارها دولا عربية وإسلامية، من صلبها – حسب أمريكا والغرب- تفجر إرهاب “الثلاثاء الأسود“، الذي ضرب “سلام” و”هيبة” و”حضارة” أمريكا والغرب، والذي وزع العالم إلى معسكرين، الأول مع أمريكا وحلفائها والثاني مع “الإرهاب” ومنابعه الجنسية والدينية.

وبالرغم من اجتهاد العديد من القيادات العربية والإسلامية وانضمامها إلى المعسكر الغربي / الأمريكي، الذي اتخذ من ضرب أفغانستان والقضاء على دولتها وشعبها، مرحلة أولى نحو القضاء الشامل على “الإرهاب“. فإن الإدارة الأمريكية لا تعتبر هذا الانضمام كافيا للإفلات من العقاب، ففي نظرها إن ” الإرهاب الأسود” الذي يتهددها ما زال حيا يرزق على تضاريس الخريطة العربية الإسلامية، وان العقاب آت لا محالة، وهو ما يجعل العرب والمسلمين في قلب “الحرب المفتوحة” ضد الإرهاب، كما حددت أمريكا مواصفاته ومقاييسه، والمناطق التي يتواجد بها كتنظيمات…أو كفعاليات…وهو ما يجعل هؤلاء العرب والمسلمين أيضا، وقودا “للحرب المفتوحة” لأنهم يشكلون في واقع الحال، هدفها الاستراتيجي.

لأجل ذلك رأى العديد من الخبراء والباحثين ( مباشرة بعد أحداث 11 شتنبر 2001)  أن وجود الدول العربية والإسلامية على لائحة التحالف مع أمريكا خارج أي شروط موضوعية، لا يشكل فقط كارثة عليها، لأنها ستساهم إلى جانب “الدولة الأعظم” في ضرب أي دولة عربية أو إسلامية، تأوي حسب رأيها منظمات إرهابية، لا حجة لها سوى أنها تدين بالإسلام أو تنتمي إلى العروبة.

إن الحرب الأمريكية ضد أفغانستان في البداية وضد العراق بعد ذلك، أكدت قبل انطلاقها أن الاعتبارات السياسية لدى العديد من الدول الإسلامية والعربية، تتقدم الاعتبارات العقائدية والدينية، فدولة أفغانستان وهي الثانية على الخريطة الإسلامية بعد السعودية، التي تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية، كان لها أن تكون أحسن وضعا في هذه الحرب، ولكن مع ذلك فهي مرشحة للإبادة والاندثار بتوافق تام مع العديد من الدول العربية والإسلامية.

إن مقولة : الذين هم ليسوا مع أمريكا هم مع الإرهاب، وضعت سيفا على رقاب العشرات من البلدان الضعيفة والفقيرة، وفي مقدمتها الدول العربية والإسلامية، التي هرع العديد منها للاستجابة لشروط الولايات المتحدة الأمريكية خوفا من بطشها وشر “سيفها”.

ولاشك أن ادعاء العديد من هذه البلدان لمطالب وشروط أمريكا، لا يعني فقط تمكينها من هذه البلدان سياسيا واقتصاديا فحسب، بل وعسكريا أيضا وهو ما قاد إلى تعظيم القدرة الأمريكية على فرض إطارها المفاهيمي عن “الإرهاب“، وهو ما خدم مصالحها في العديد من المناطق العربية والإسلامية، بحرية وتحكم، في مقدمتها استكمال حلقات التطويق للدول النفطية (الخليج العربي) والدول المستعصية (العراق وسوريا ولبنان وإيران…) وأيضا لروسيا والصين والهند والباكستان وافغانستان، التي كانت خارج قبضتها قبل أحداث “الثلاثاء الأسود” وما حمله من قرارات وتحركات وحروب.

إن الصناعة الأمريكية، ورغم انضمام غالبية الدول العربية والإسلامية إلى صفها ومعسكرها، حصرت حربها ضد “الإرهاب” بتضاريس هذه الخارطة، حتى وإن كانت المنظمات الإرهابية العالمية، التي تهدد سلامة وامن وحضارة الغرب (الجيش الأحمر الياباني / منظمة ايطاليا الباسكية / ا لجيش الايرلندي السري / حركة ايرا / وعشرات المنظمات الإرهابية الأمريكية…) لم تبارح مكانها، وما زالت حية، فاعلة على أرضها.

-5-

اليوم، وبعد وصول” أبو لهب ترامب” إلى البيت الأبيض، ليقود أقوى دولة في العالم ضد العرب والمسلمين، يمكننا أن ندرك بسهولة، أنه لم يصل إلى هذا الموقع بسهولة أو بالمجان، بل إن الأمر يتعلق بإستراتيجية محكمة، وطويلة الأمد، وتمتد على عشرات السنين، ذلك لأن الإسلام كان وما يزال هو المستهدف، وأمريكا لم تجد أقوى من ترامب لمواجهته بتهمة الإرهاب الإسلامي.

والسؤال : هل يستطيعوكيف؟

أفلا تنظرون؟

عن بقلم: محمد أديب السلاوي

شاهد أيضاً

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة..

إن يسألونك عن نكبة فلسطين… قل لهم المقاومة مستمرة.. بقلم // محمد أديب السلاوي -1- تابع العالم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *