الرئيسية / تقارير / هل تتمكن أوروبا من الخروج من تحت عباءة الهيمنة الأمريكية ؟.. واشنطن وتل أبيب ودول الشرق الأوسط والتوازنات الجديدة

هل تتمكن أوروبا من الخروج من تحت عباءة الهيمنة الأمريكية ؟.. واشنطن وتل أبيب ودول الشرق الأوسط والتوازنات الجديدة

آخر تحديث :2017-06-13 19:14:16

هل تتمكن أوروبا من الخروج من تحت عباءة الهيمنة الأمريكية ؟.. واشنطن وتل أبيب ودول الشرق الأوسط والتوازنات الجديدة

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

هل تتمكن أوروبا من الخروج من تحت عباءة الهيمنة الأمريكية، لتكون قطبا عالميا جديدا يقيم حالة من التوازن المتعدد الأركان بين روسيا الفدرالية وريثة الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية التي تريد الإستمرار في احتلال مركز القوة الأولى عالميا، والصين الشعبية؟. سؤال عاد ليطرح بإلحاح مع إقتراب العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين من نهايته، ومع تشتت إنشغالات وتطلعات واشنطن بين آسيا ومنطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء.

يرى المؤرخ الفرنسي جان جاك بيكر أن الحرب العالمية الأولى، “سجلت وصول الولايات المتحدة إلى الحياة الدولية التي لم تخرج منها بعد ذلك حتى إنها احتلت فيها تدريجيا المكانة الأولى على حساب أوروبا”.

ويقول المؤرخ والخبير الاقتصادي الفرنسي أوليفيه فيرتاغ: “ما من شك قطعا أن الحرب العالمية الأولى بتغييرها النهائي لتوزيع الاحتياطات المعدنية كانت السبب في التفوق العالمي للعملة الأمريكية الذي طبع كل القرن العشرين مشيرا إلى أن أوروبا انتقلت بين 1914 و1919 من موقع الدائن لبقية العالم إلى موقع المدين”.

في صيف عام 1916 قال الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى واصفا الصراع الأوروبي “أن بريطانيا تمتلك العالم وألمانيا تريده”، وكان ذلك إشارة منه لضرورة البحث عن مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وسط الأطراف الأوروبية المتهالكة إثر الحرب. وكان تحليله ذلك تحولا تاريخيا في الحياة الاقتصادية الأمريكية ومسارها الفعلي نحو الهيمنة على مقاليد الأمور في العالم بعد أن كانت إمكانياتها الاقتصادية العظيمة مكبوتة قبل حرب عام 1914 بفعل نظامها السياسي غير الفعال ونظامها المالي المختل وصراعاتها العمالية والعرقية العنيفة، وأضاف أن أمريكا كانت مثالا للفساد المدني وسوء الإدارة والسياسات المدفوعة بالجشع، بالإضافة إلى النمو والإنتاج والربح، وكان ويلسون يبحث عن ترسيخ السيادة الأمريكية في ظل التهاوي الأوروبي وقد تعضد هذا الوضع لمن تبعوه من ساسة واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية، وهكذا كانت أوروبا نافذة الولايات المتحدة الأمريكية للهيمنة على العالم.

 أوروبا انتقلت كذلك من مرتبة الدول الإستعمارية الأوسع سيطرة عالميا إلى مرتبة ثانوية بعد أن حلت الولايات المتحدة محلها كقوة استعمارية بأساليب متجددة.

أوروبا مقسمة

 خرجت أوروبا مقسمة وضعيفة ومدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، وإعتمدت دول القارة في الجزء الغربي منها على مشاريع إعادة البناء التي دعمتها واشنطن والحماية العسكرية الأمريكية في إطار حلف شمال الأطلسي، فيما خضع شرق القارة للإتحاد السوفيتي سياسيا وإقتصاديا وحصن عسكريا تحت غطاء حلف وارسو. بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي في بداية عقد التسعينات من القرن العشرين بدأت مؤشرات تململ من أجل تبديل التوجهات والتحالفات في القارة التي يصفها الأمريكان بالعجوز، ولكن واشنطن وعدد من حلفائها في أوروبا وخاصة بريطانيا عملوا كل ما في وسعهم لمنع خروج أوروبا من تحت عباءة الهيمنة الأمريكية.

الأوضاع تغيرت مع مرور الوقت وبدأت مراحل الصراع المستتر بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تطفوا على السطح، حيث عمل البيت الأبيض على ترويض القوى الأوروبية وكان ذلك واضحا خاصة خلال الأزمات المالية التي واجهها الإتحاد وعملته اليورو، ثم مع بروز تشجيع كثيف من البيت الأبيض وعدد كبير من الساسة الأمريكيين لخروج بريطانيا وغيرها من الإتحاد الأوروبي.

زمن قد ولى

 يوم الأحد 28 مايو 2017 قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إنه يتوجب على الأوروبيين تولي مصيرهم بأنفسهم لمواجهة الانقسامات التي يشهدها التحالف بين دول الغرب، إثر بريكسيت ووصول دونالد ترامب لرئاسة للولايات المتحدة الأمريكية. وأكدت أن “الزمن الذي كانت الثقة فيه سائدة وكان بإمكاننا الاعتماد كليا على بعضنا البعض قد ولى”.

وتابعت “علينا أن نقاتل من أجل مصيرنا” مشيرة إلى أن العلاقات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يجب أن تكون وطيدة أكثر. وأضافت ميركل أن “الزمن الذي كانت الثقة فيه سائدة وكان بإمكاننا الاعتماد كليا على بعضنا البعض قد ولى. هذا ما اختبرته في الأيام الأخيرة”. وكانت تشير بذلك إلى العلاقة مع الولايات المتحدة التي اهتزت خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أوروبا.

وألقت ميركل خطابا في عاصمة بافاريا غداة قمة مجموعة السبع وهي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وكندا والولايات المتحدة وبريطانيا في تاورمينا بجزيرة صقلية حيث انهارت وحدة الدول السبع الأكثر ثراء في العالم أمام رفض ترامب الالتزام باتفاق باريس حول ظاهرة الاحتباس الحراري. وكانت ميركل قد اعتبرت المباحثات حول المناخ “غير مرضية إطلاقا”.

وخلال أولى جولاته إلى الخارج منذ تنصيبه، زار ترامب بروكسل حيث وجه ضربة إلى حلفائه في حلف شمال الأطلسي برفضه تأييد نظام دفاعهم الجماعي بشكل صريح. كما وصف أساليب الألمان في التجارة بأنها “سيئة وسيئة جدا” بحسب مجلة “دير شبيغل”.

لهجة تحد

  يوم الثلاثاء 30 مايو 2017 تصاعدت حدة اللهجة بين ترامب وأنغيلا ميركل، بعد أن شن ترامب هجوما لاذعا على ألمانيا ليصل التوتر بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق في التاريخ الحديث.

وكتب ترامب في تغريدة “لدينا عجز تجاري هائل مع ألمانيا، إضافة إلى أنهم يدفعون أقل مما يجب لحلف شمال الأطلسي والجانب العسكري. هذا أمر سيء جدا للولايات المتحدة، وسيتغير”.

وقبل ساعة من ذلك، اعتبرت ميركل التي تنتقي كلماتها عادة بانتباه شديد أنه “من الضرورة القصوى” أن تصبح أوروبا “لاعبا نشطا على الساحة الدولية” وخصوصا بسبب السياسة الأمريكية.

وأكدت المستشارة بالطبع أن العلاقة بين جانبي الأطلسي “ترتدي أهمية كبرى” لكنها أضافت “نظرا للوضع الراهن، هناك دافع إضافي كي نمسك في أوروبا مصيرنا بأيدينا”.

وأضافت المستشارة على هامش استقبالها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أنه “على أوروبا أن تصبح لاعبا ناشطا في القضايا الدولية كذلك، ولذلك أهمية قصوى باعتباري”.

وأوضحت أنه من الضروري أن يمتلك الأوروبيون “سياسة خارجية مشتركة” من أجل الضغط “لحل النزاع في ليبيا”، على سبيل المثال.

تابعت ميركل “إننا نفتقر إلى الأداء المطلوب في بعض النقاط، خصوصا ملف سياسة الهجرة”.

وجاءت تصريحات ترامب ردا على وابل الانتقادات التي وجهته له ألمانيا بعد اختتامه أول جولة خارجية رسمية له الأحد والتي شملت السعودية وإسرائيل وبروكسل وإيطاليا التي شارك فيها في قمة مجموعة السبع.

وخلال جولته رفض ترامب ضغوط حلفائه من مجموعة السبع للالتزام باتفاق باريس للمناخ المبرم في 2015، وانتقد 23 من الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي الـ28 ومن بينها ألمانيا، “لتخلفها عن دفع المبالغ المستحقة عليهم” لتمويل الحلف.

إضعاف الغرب

 قبل أيام وفي السعودية وقع ترامب أكبر صفقة بيع أسلحة أمريكية في تاريخ بلاده بلغت قيمتها 110 مليار دولار خلال العقد المقبل وتشتمل على سفن ودبابات وأنظمة مضادة للصواريخ.

والاثنين وجه وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل انتقادات حادة لترامب قائلا إن “أي شخص يعمل على تسريع التغير المناخي من خلال إضعاف حماية البيئة، ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق النزاع ولا يرغب في حل النزاعات الدينية سياسيا، يعرض السلام في أوروبا للخطر”.

وأضاف أن “سياسات الحكومة الأمريكية القصيرة النظر تلحق أضرارا بمصالح الاتحاد الأوروبي” مضيفا أن “الغرب أصبح أصغر وأضعف”.

لكن هذا التوتر بين البلدين ليس جديدا. فمنذ يوم انتخاب ترامب نبهته المستشارة الألمانية إلى ضرورة التزام قيم الديمقراطيات الغربية، بعد حملة انتخابية تخللتها الهفوات ونقاط الجدل.

وقد أطلق ترامب وابلا من الانتقادات لصادرات السيارات الألمانية إلى الولايات المتحدة وقال إن “الألمان سيئون جدا” وذلك خلال اجتماع مع عدد من كبار المسؤولين الأوروبيين في بروكسل، بحسب ما أوردت مجلة دير شبيغل الأسبوعية.

وكان ترامب قد بدأ في انتقاد ألمانيا وميركل في حملته الإنتخابية العام الماضي.

وفي ضوء أجندته الاقتصادية القومية انتقد بشكل خاص فائض التجارة الألماني الكبير مع الولايات المتحدة وهدد بفرض ضرائب جمركية للرد على ذلك.

وبعد اجتماع فاتر مع ميركل في واشنطن في مارس 2017 وصفه في البداية بأنه “عظيم” شن حملة انتقادات في اليوم التالي متهما ألمانيا بأنها “تدين بمبالغ مالية كبيرة” لحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة.

ورغم كل ما سبق لا ترى الخبيرة الألمانية زيلكه تيمبل رئيسة تحرير “مجلة السياسة الدولية” الألمانية أي تغير في السياسة الألمانية. وتقول في تصريحات لدويتشه فيله: “بالعكس، المستشارة أكدت على أن بلادها متمسكة بالعلاقات مع الولايات المتحدة، هي تعلق فقط على الرئيس الحالي الذي تعتبره غير مهتم أو ليس كما هو مطلوب، وهذا يعني أن الألمان أمام وضع جديد محير بالنسبة لطرف كان يمثل دائما عامل أمان”.

وعن ما إذا كان الأوروبيون قادرين بالفعل على “أخذ مصيرهم بيدهم” كما قالت ميركل، تقول تيمبل إنه لا يمكن للأوروبيين القيام بهذا الدور لأنهم لا يتوفرون على السلاح النووي كعامل ردع كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، “وبالتأكيد من الأفضل بالنسبة للأوروبيين البقاء إلى جانب الأمريكيين على ظهر سفينة واحدة، لكن لم تعد هناك ضمانات تؤكد رغبة واشنطن البقاء إلى جانب أوروبا”.

معارضون لهذا الرأي يشيرون إلى أن المحللة الألمانية نست أن فرنسا قوة نووية وأن في إمكان ألمانيا وبفضل مفاعلاتها النووية وتقدمها في هذا المجال قادرة على التحول إلى قوة نووية خلال أسابيع.

وبرأي الخبيرة الألمانية فان المحور الألماني الفرنسي يمكن أن يلعب دورا استراتيجيا في قيادة أوروبا قوية، لكن ذلك يتوقف على تحقيق شروط، كما تقول زيلكه تيمبل موضحة: “قائدة العالم الحر” هي عبارة لم تطلقها ميركل على نفسها وإنما، صحيفة نيويورك تايمز هي التي أطلقت عليها هذا الوصف. وبخصوص فرنسا، تلاحظ تيمبل أن “ميركل والرئيس ماكرون يسعيان معا وبقوة إلى إعادة إحياء المحور الفرنسي الألماني. وهناك زوايا محددة يجب معالجتها. أولها ملف الأمن، والبحث عن آليات التنسيق فيما يتعلق بالأمن الداخلي والخارجي والتبادل المعلوماتي” إضافة إلى تجاوز الإشكاليات المتصلة بالإصلاحات المالية في الإتحاد الأوروبي والتقدم في تحقيق إستثمارات مشتركة.

أزمة مفتوحة بين اسرائيل والمانيا

  سجل الملاحظون أن توتر علاقات برلين مع واشنطن تزامن مع أزمة غير مسبوقة مع إسرائيل. يوم 26 أبريل 2017 جاء في تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية:  بلغت الازمة في العلاقات بين ألمانيا واسرائيل في أعقاب أشهر من التوتر مستويات غير مسبوقة حاليا بعد أكثر من نصف قرن من الروابط الوثيقة خصوصا بسبب مسؤولية ما تعتبره تل أبيب برلين فيما يسمى بالمحرقة اليهودية.

وألغى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعا الثلاثاء 25 أبريل مع وزير الخارجية الألماني سيغمار غابريال بسبب تمسك الاخير بلقاء ممثلي منظمتين اسرائيليتين غير حكوميتين توجهان انتقادات محرجة للحكومة لا سيما بشأن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقال الوزير الالماني “يؤسفني هذا كثيرا”.

من جهتها، عبرت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل الاربعاء عن “أسفها” لالغاء نتنياهو اللقاء مع وزير الخارجية الالماني. وقال ستيفن سيبرت الناطق باسمها خلال مؤتمر صحافي في برلين ان “المستشارة تأسف هي ايضا لعدم انعقاد اللقاء”.

وأكد الناطق ان “برامج زيارات المستشارة يشمل أيضا بانتظام لقاءات مع منظمات غير حكومية وممثلين عن المجتمع المدني ويفترض ان يكون ممكنا في بلد ديموقراطي للزوار الاجانب التحدث مع ممثلين عن المجتمع المدني الذين لديهم مواقف منتقدة، بدون ان يسبب ذلك مشاكل”.

ويساهم هذا الخلاف الدبلوماسي في تشويه “العلاقات الخاصة”، وفق تعبير ألمانيا التي تربطها باسرائيل منذ 70 عاما.

وقد تشكل الأزمة نقطة تحول في العلاقة. وكتبت مجلة “دير شبيغل”الاربعاء إن “المعاملة الخاصة لاسرائيل لأسباب تاريخية بلغت حدها مع حكومة نتنياهو”.

واضافت ان “خطأنا التاريخي لا يمكنه أن يدفع ألمانيا الى قبول أن تبتعد الحكومة الإسرائيلية أكثر فأكثر عن القيم التي كانت مشتركة حتى الان”.

ويعبر إلداد باك، مؤلف كتاب “ميركل وإسرائيل واليهود” عن اعتقاده “ان الاتجاه في المانيا منذ عشرين عاما يميل نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والتطبيع يعكس عموما دلالة إيجابية، لكنه هنا يعني العكس، اي إنهاء وضع العلاقة الفريدة من نوعها مع إسرائيل”.

ويقول هذا الخبير في العلاقات الألمانية الإسرائيلية، ان الأمر يتعلق بتغيير عميق في المجتمع الألماني، وخصوصا جيل الشباب الذي “يريد إنهاء هذه الشوائب التي تمنعه من أن يكون أمة مثل غيرها”.

وغداة الحرب العالمية الثانية، كانت الدولة اليهودية الشابة قررت مقاطعة ألمانيا الغربية الى حين توقيع “اتفاق التعويض الاقتصادي” العام 1952 ثم اقامة علاقات دبلوماسية بين الطرفين عام 1965.

واقيمت في الذكرى الخمسين لهذه الصداقة عام 2015 احتفالات في برلين وتل ابيب. وكانت مناسبة لألمانيا كي تجدد دعمها الراسخ لدولة اسرائيل التي قالت أنغيلا ميركل عام 2008 ان وجودها “جزء من اسباب وجود الدولة الألمانية”.

وقد ظهرت بوادر التصدع الأولى في يناير 2017 عندما أعربت وزارة الخارجية الألمانية للمرة الاولى عن “شكوكها” في رغبة نتنياهو في تحقيق حل الدولتين بعد تصويت الكنيست على قانون يسمح لإسرائيل بتملك أراض جديدة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

وفي اعقاب ذلك، أعلنت حكومة ميركل في فبراير ألغاء المشاورات السنوية بين الحكومتين عازية الأمر رسميا الى مشاكل في التوقيت.

وقال فولكر بيك، وهو رئيس لجنة برلمانية ألمانية حول العلاقات مع إسرائيل، لوكالة فرانس برس انه لأسباب دبلوماسية، “تم تقديم تأجيل مشاورات الحكومة باعتباره مشكلة فنية، هناك رغبة في عدم السماح بتصعيد المسالة”.

من جهته، قال خبير الشؤون الالمانية موشي زيمرمان من الجامعة العبرية في القدس ان “ميركل حاولت أن تكون مهذبة، لكن الحكومة الإسرائيلية لم تلتقط الاشارة”.

تأثير ترامب

  وثمة تقديرات في برلين بأن تشهد العلاقات مزيدا من التدهور في ظل رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة.

فقد اتسم موقفه بالغموض فيما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية التي تعد من الأهداف المحورية للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط، ولم يوجه سوى أدنى قدر ممكن من الانتقادات للمستوطنات الإسرائيلية.

ويسلم مسؤولون إسرائيليون بصفة غير رسمية بأن العلاقات انحدرت إلى مستوى متدن رغم أنهم يقولون إن الصلات بين الطرفين مازالت قوية.

وتأكد مدى توتر العلاقات بين ألمانيا وإسرائيل في شباط فبراير عندما ألغت ميركل اجتماع قمة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان من المقرر أن ينعقد في القدس خلال شهر مايو  2017. وكان التفسير الرسمي لهذه الخطوة هو أن برلين منشغلة للغاية برئاستها لمجموعة العشرين.

غير أن مسؤولين ألمانا قالوا بصفة غير رسمية إن السبب الرئيسي هو الاستياء مما تم الكشف عنه في الأسابيع التي أعقبت تولي ترامب منصبه من خطط نتنياهو لزيادة وتيرة البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية وإضفاء الصبغة القانونية على آلاف الوحدات السكنية المبنية على الأراضي الفلسطينية.

واعترف مسؤول ألماني كبير بتردي العلاقات مع الحكومة اليمينية في إسرائيل وقال “نتنياهو لا ينصت إلينا والوضع قد يزداد سوءا في وجود ترامب”.

وفي إسرائيل وصف مسؤول إلغاء لقاء القمة بأنه علامة على “استياء عميق” من نتنياهو لكنه أضاف أن ترامب هو السبب الرئيسي في استياء برلين.

وذكر المسؤول “ألمانيا غاضبة حقا من ترامب لكن لا يمكنهم التعبير عن ذلك أو انتقاده مباشرة لأنه قوي جدا”.

وقالت كرستين مولر التي تدير مكتب تل أبيب لمؤسسة هاينريتش بويل وهي مركز أبحاث ألماني له ميول يسارية إن التطورات الأخيرة ربما ترغم برلين على إعادة فحص علاقاتها مع إسرائيل، العلاقة الخاصة بين ألمانيا وإسرائيل ليست محفورة في الصخر. بل إنها تبدو الآن في خطر”.

وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة برتلزمان عن العلاقة بين الطرفين عام 2015 أن 77 في المئة من الألمان يعتقدون أن الوقت قد حان للانفصال عن الماضي. وأبدى 66 في المئة منهم الغضب لأن الألمان مازالوا يتحملون اللوم عما ارتكب بحق اليهود من جرائم. وارتفعت تلك النسبة إلى 79 في المئة للمشتركين في المسح فيما بين سن 18 و29 عاما.

العلاقات الاقتصادية قوية. فقد بلغ حجم التبادل التجاري للسلع والخدمات بين الطرفين 5.5 مليار دولار عام 2016 وهو ضئيل مقارنة بالتبادل التجاري بين إسرائيل والولايات المتحدة البالغ 25.5 مليار دولار.

لحظة حرجة

 صرح دبلوماسي ألماني نهاية ربيع سنة 2017: إن إقناع الرأي العام الألماني بالعلاقة الوثيقة مع إسرائيل يزداد صعوبة. وأضاف “تحقيق التوازن السليم مع إسرائيل يزداد صعوبة. فأنت تتعرض للانتقاد في وسائل الإعلام إذا لم تنتقد إسرائيل. وإذا انتقدتها فعلا فإنك تستعدي شريكا أساسيا”.

وذكر إن ميركل ليس لديها ما تكسبه من عقد لقاء صعب مع نتنياهو في عام ستجرى فيه انتخابات في ألمانيا.

والتوتر السياسي بين الجانبين ليس بالظاهرة الجديدة. ففي عام 2011 تردد أن ألمانيا هددت بوقف تسليم غواصات من طراز دولفين ردا على خطط الاستيطان الإسرائيلية. وبعد عام أثار غابرييل الذي كان رئيسا لحزب الديمقراطيين الاشتراكيين المعارض آنذاك عاصفة بتشبيه معاملة إسرائيل للفلسطينيين في الضفة الغربية “بالفصل العنصري”.

وقبل سنوات بدأ كبار الوزراء في الحكومة الألمانية يقللون زياراتهم لإسرائيل. ومنذ خطابها في الكنسيت عام 2008 لم تزرها ميركل سوى مرتين كانت آخرهما في أوائل عام 2014.

غير أن مسؤولين ومحللين ألمان يقولون إن الهوة السياسية الحالية أعمق فيما يبدو مما كانت في أي وقت فيما تعيه الذاكرة.

وقال مولر من مؤسسة هاينريتش بويل “إسرائيل كانت تعرف المدى الذي يمكن أن تصل إليه مع الحكومات السابقة. أما في وجود ترامب فقد تشجعت العناصر الأكثر تشددا في إسرائيل”.

وأضاف “نحن الآن في لحظة حرجة للغاية. والكيفية التي ستتفاعل بها ألمانيا مع هذا الواقع الجديد مهمة. فالعلاقة قد تتغير بسرعة كبيرة”.

المانيا تستعرض عضلاتها

بداية شهر يونيو 2017 كتب المحلل الصهيوني الداد باك في صحيفة اسرائيل اليوم:

المناوشات الكلامية بين برلين وواشنطن ليست أمرا عابرا، والازمة التي تتطور قد تمنح المانيا فرصة تحقيق حلم قديم وهو الانفصال أخيرا عن الامريكيين والتحول الى قيادة الاتحاد الاوروبي وقوة عظمى في الوسط بين الغرب والشرق، دون اعتمادها على واشنطن أو موسكو، بل لديها خط خاص بها.

يجب التمييز بين اقوال المستشارة انغيلا ميركل التي قالت إن اوروبا لم تعد تحتمل الاعتماد على الآخرين أي على الولايات المتحدة مثلما في السابق، وأنه يجب أخذ مصيرها في أيديها، وبين التصريحات المبالغ فيها لوزير خارجية المانيا زغمار غبرئيل، التي جاء فيها أنه على ضوء سلوك دونالد ترامب “تحول الغرب الى اصغر”. في الوقت الذي تقوم فيه ميركل بتقليص طموح قيادة المانيا لاوروبا، فان غبرئيل الذي عبر أمام الجميع في زيارته الاخيرة لاسرائيل عن رغبة المانيا في أن تصبح “بوصلة الاخلاق للعالم الديمقراطي”، يقوم بتوسيع حدود قيادة المانيا للغرب. ومن الآن ليست الولايات المتحدة هي التي تقوم العالم الحر، بل المانيا.

الى أي حد تتعلق المانيا بالغرب. استعراض تاريخ سريع لـ 200 سنة الاخيرة سيبين أن الصلة بين المانيا والغرب والافكار التي يمثلها الغرب، الديمقراطية البرلمانية، الليبرالية، الرأسمالية، ليست قوية بشكل خاص. ايضا المانيا الموحدة منذ 27 سنة تعتبر مثالا على الغربية الناجحة والمتطورة. على مدى التاريخ وضعت المانيا نفسها، في مراحل تطور القومية المختلفة،كخصم لافكار الغرب ومبادئه. ورفضت المانيا “الغربية” حسب النموذج الفرنسي أو البريطاني الذي لا يناسب طابعها ومكانتها الجيواستراتيجية في قلب القارة الاوروبية. منذ عهد بسمارك “مستشار الحديد” الذي وحد المانيا في نهاية القرن التاسع عشر، وضعت المانيا لنفسها سياسة “اللاغربية”، التي تجد تعبيرها بشكل واضح في الحربين العالميتين. وقد اعتبرت المانيا في حينه نفسها وتعتبر نفسها الآن قوة عظمى تقود اوروبا دون أي اعتماد على بريطانيا أو الولايات المتحدة.

في نهاية الحرب العالمية الثانية وجدت المانيا الغربية نفسها ملتزمة بالتحالف مع القوى العظمى من الغرب وليس انطلاقا من رغبة ذاتية. العلاقة القريبة مع الولايات المتحدة سمحت لها باعادة بناء نفسها من الدمار واعمار قوتها الاقتصادية والتوحد من جديد فيما بعد. لكن غالبية الشعب الالماني لم يشعر بأنه يرتبط بالولايات المتحدة، لو عرفان بالجميل على انقاذ المانيا من نفسها. المظاهرات الاكبر التي حدثت في المانيا كانت ضد الولايات المتحدة. وفي الايام التي كان فيها التواجد العسكري الامريكي في المانيا الغربية يسعى الى منع الاتحاد السوفييتي من تحقيق برامج احتلال اخرى. العداء لامريكا لم يكن مجرد ظاهرة شرق المانية شيوعية، بل كان منتشرا في غربها ايضا، في اوساط اليسار واليمين. ومع توحيد المانيا من جديد اصبح هذا شعور الماني عام. هذه الطريقة تسير الى جانب اللاسامية وعداء اسرائيل. وليس صدفة أن المان كثيرين يعتبرون أن الولايات المتحدة هي نتيجة اقوال وافعال اليهود. الغرب بشكل عام، بأفكاره، يعتبر في الرأي العام الالماني عمل يهودي. من هنا يمكن فهم الرفض الغريزي للغرب.

وها نحن أمام تناقض: المانيا التي لا تؤمن بالغرب فعليا، تقدم نفسها على أنها تتحدث باسم الغرب وتقوده. هل يمكن التعامل مع هذا بجدية؟ بشكل لا يقل عن الادعاء بأن الاتحاد الاوروبي يدافع عن الديمقراطية في العالم، لم يُطلب من شعوب اوروبا التعبير عن مواقفهم حول سؤال فتح الحدود أمام الاجانب واللاجئين.

من المؤسف أنه في ظل قيادة ميركل، التي هي الاكثر قربا من امريكا والاكثر ليبرالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تنشأ ازمة خطيرة الى هذا الحد مع الولايات المتحدة. على ضوء التحديات الكبيرة التي تواجه الغرب، وعلى رأسها محاربة التطرف، فان التعاون بين برلين وبروكسل وموسكو وواشنطن هو الأمر المطلوب. ويتحمل ترامب جزء من المسؤولية عن الازمة الحالية، لكن مثلما أن ادارته تريد تحقيق المصالح الأمريكية، فان ميركل لا يمكنها تجاهل الظروف التي تمنحها وتمنح المانيا القدرة على تحقيق المصالح الألمانية وتحقيق الحلم القديم: التحول الى قوة عظمى دولية في الوسط.

شراكة أوروبية عربية

 في حوار مع لدويتشه فيله نهاية شهر مايو 2017 يرسم الخبير السياسي والإقتصادي ورئيس تحرير سابق لصحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية “النسخة العربية” الدكتور سمير العيطة، سيناريوهات متعددة لمستقبل العلاقات بين أوروبا وأمريكا وتداعياتها في منطقة الشرق الأوسط، في حال ترجمت ألمانيا تصريحات قادتها الأخيرة إلى توجهات جديدة في سياستها الخارجية.

يقول الدكتور العطية: بعد قمتي الناتو في بروكسيل ومجموعة الدول الصناعية السبع في إيطاليا، والتي شهدتا توترا بين الرئيس الأمريكي وحلفائه الأوروبيين، قالت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل الاثنين 29 مايو 2017 إن على الأوروبيين الأخذ بمصيرهم بأيديهم في إشارة لصعوبة الاعتماد على الحليف الأمريكي.

وقبل ذلك بيوم، قال مارتن شولتس، منافس ميركل، على منصب المستشارية في انتخابات سبتمبر 2017، في مقابلة مع القناة الأولى بالتلفزيون الألماني “ايه.آر.دي”، إنه “لا ينبغي علينا أن نخضع لمنطق ترامب الخاص بالتسلح”. وطالب شولتس بموقف أوروبي أكثر حسما حيال ترامب، وقال “أعتقد أنه كان يتعين خلال قمة حلف شمال الأطلسي وبكل تأكيد خلال قمة السبع، اتخاذ موقف بالغ الوضوح ضد رئيس للولايات المتحدة يريد إخضاع الآخرين ويظهر بأسلوب حاكم مستبد”.

وانضم وزير الخارجية زيغمار غابرييل لمنتقدي سياسة ترامب وقال في تصريحات لصحيفة “راينيشه بوست” الألمانية “من لا يقف في وجه هذه السياسة الأمريكية سيكون مشاركا في المسؤولية… من يسرع وتيرة تحول المناخ عبر تقويض حماية البيئة ويبيع المزيد من الأسلحة في مناطق الأزمات ومن لا يريد حل نزاعات دينية سياسيا فإنه يعرض السلام في أوروبا للخطر”. وأضاف غابرييل أن السياسة قصيرة النظرة للإدارة الأمريكية تتعارض مع مصالح الاتحاد الأوروبي.

ويضيف سمير العيطة: تكشف هذا التصريحات عن ارتفاع في اللهجة الألمانية. كما تعكس توافق سياسي ألماني بين مختلف الأقطاب السياسية المتصارعة على الانتخابات القادمة على أن ألمانيا وأوروبا في خطر. هذا أمر غير مسبوق وله دلالات تعكس قلق ألمانيا من شخصية ترامب ومعاداته لألمانيا ولسياسات ميركل.

لفت نظري في تصريحات مارتن شولتس كلامه عن “خلخلة التوازن في المنطقة ومنطق ترامب في التسليح”. وهذا يأخذنا إلى ما فعلته قطر اليوم بكسر تحالفاتها. هذه التحالفات، والتي يمكن أن يكون لها تداعيات كبيرة على صعيد كل المنطقة، ليس العربية فحسب، بل وأفغانستان وباكستان ايضا.

فيما يخص الحرب على أرض الشام من الواضح أن ميركل وماكرون يريدان التوصل لتوافق مع روسيا ويغازلان نوعا ما الصين. بما أن الأمريكيين لا يرغبون بمنح الأوروبيين دورا في سوريا، سيبحث الأوروبيون عن دور لهم عبر الروس.

حتما ستأتي دول إقليمية كتركيا وإيران وقطر ومصر لتستفيد من هذا الوضع. طبعا في حال كانت هذه الدول تملك حيزا للحركة. ولكن كل هذه الدول محشورة بين القوة الضاربة للولايات المتحدة وقدرتها على الإخلال بالأنظمة في المنطقة من جهة وبين الدور الضعيف للاتحاد الأوروبي، الذي لا يعرف منذ بداية 2011 أين يذهب.

أطلقت الصين مبادرة “الحزام والطريق”، التي تستهدف دول المنطقة وأوروبا. في خضم التنافس مع الصين، وبعيدا عن الولايات المتحدة ستجد أوروبا مكانا لها لتكون بين الأقطاب الأربعة الكبرى: الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وسيكون هذا في صالح روسيا والصين على حساب الولايات المتحدة.

ما يؤجج الصراعات هي المبادرة الغريبة العجيبة التي تقول بحلف سني إسرائيلي أمريكي، مدى صدق هذا الحلف وقلبه للمعادلات التي نعرفها هي المخاطرة الكبرى. الأوروبيون يريدون خلق موقف مختلف عن هذا الحلف.

نلاحظ فيما يتعلق بالملف السوري، أن الروس يحصرون الموقفين التركي والإيراني بحديهما الأدنى. وأمام الأوروبيين أحد خيارين، إما الانخراط  في التحالف السني الإسرائيلي الأمريكي أو الانخراط في المشروع الروسي، الذي يقول بتحجيم القوتين الصاعدتين، تركيا وإيران، لكي لا تتفجر المنطقة أكثر من حالها اليوم.

تملك أوروبا أوراقا وإمكانيات تخولها خط اتجاه سياسي خارجي خاص بها والتغريد بعيدا عن الولايات المتحدة.

تملك أوروبا، والألمان والفرنسيون خاصة، اقتصادات قوية مصدرة، دون اللجوء للتصنيع الرخيص والبخس. كما يتمتع الأوروبيون بعلاقات مع كل الأقطاب الصاعدة من الهند للصين للبرازيل لأمريكا اللاتينية. إذا تخلصت أوروبا من الفكرة القديمة، والتي تقول أن أوروبا تستطيع التحرك فقط عندما تكون أمريكا بظهرها، عندها ستتمكن من خط سياسة إرادية.

لا ننسى أن ألمانيا تتمتع أيضا بحضور قوي فاعل بما نطلق عليه بـ”القوة الناعمة” والدبلوماسية الذكية، المضبوطة بشكل أكبر من نظيرتها الأمريكية وخصوصا اليوم في عهد ترامب. انظر كيف تعامل الألمان مع الملف السوري، حافظوا على علاقات مع بعض القريبين من السلطة مثل عبد الله الدردري “نائب رئيس وزراء أسبق للشؤون الاقتصادية”، وفي نفس الوقت دعموا المعارضة ومولوا اجتماعات جنيف لدفع المعارضة لتأخذ موقفا موحدا.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

عن بقلم: عمر نجيب

شاهد أيضاً

بدأ الشطر الثاني من برنامج رحلات مشجعي الأسود إلى المونديال

بدأ الشطر الثاني من برنامج رحلات مشجعي الأسود إلى المونديال

بدأ الشطر الثاني من برنامج رحلات مشجعي الأسود إلى المونديال   أعلنت وزارة الشباب والرياضة، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *