استقالة رئيس وزراء لبنان ومحاولة تعديل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط

استقالة رئيس وزراء لبنان ومحاولة تعديل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط

المواجهة الأمريكية في شرق آسيا تخفف مخاطر حرب كبرى في بلاد الشام

 

عمر نجيب

  • بقلم// عمر نجيب

استقالة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري التي أعلنها من العاصمة السعودية الرياض عبر كلمة متلفزة بثتها قناة “العربية” يوم السبت 4 نوفمبر 2017، اعتبرها الكثيرون مفاجئة غير أن آخرين ذكروا أنها كانت متوقعة بسبب الخلافات الداخلية في لبنان، وأن اللافت فقط هو أنها صدرت من العاصمة السعودية التي يحمل الحريري -47- سنة جنسيتها إلى جانب جنسية اللبنانية.

الحريري قال في كلمته “أعلن استقالتي من رئاسة الحكومة اللبنانية”، واصفا ما يعيشه لبنان حاليا بما كان سائدا ما قبل اغتيال والده رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وتحدث عن أجواء “في الخفاء لاستهداف حياتي”.

ملاحظون أشاروا إلى أن الحريري، توجه إلى السعودية يوم الجمعة 3 نوفمبر في زيارة ثانية خلال أيام، التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وجاءت إستقالة الحريري، المولود في السعودية، بعد عام من توليه رئاسة الحكومة في نوفمبر عام 2016 بموجب تسوية سياسية أتت بحليف حزب الله الأبرز ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي.

وخاض الحريري منذ دخوله معترك السياسة قبل 12 عاما مواجهات سياسية عدة مع دمشق وحزب الله، لكنه اضطر مرارا الى التنازل لهذين الخصمين القويين.

لا حرب ولا سلام

 بدأ الحريري كلمة إستقالته بتصريحات هاجم فيها كلا من إيران وحزب الله اللبناني، وقال إن إيران “ما تحل في مكان إلا وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب، ويشهد على ذلك تدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية في لبنان وسوريا والعراق واليمن.

واعتبر الحريري أن إيران “زرعت بين أبناء البلد الواحد الفتن وتطاولت على سلطة الدولة وأنشأت دولة داخل الدولة وانتهى بها الأمر ان سيطرت على مفاصلها واصبح لها الكلمة العليا والقول الفصل في شؤون لبنان واللبنانيين.

عدد من المحللين العرب والدوليين قدروا أن إستقالة الحريري مؤشر قوي على قرب نشوب مواجهات عسكرية وسياسية ليس داخل لبنان فقط بل في نطاق المحاور والتحالفات التي تشكلت وتقوت وتبدلت في أحيان عديدة في المنطقة خاصة على ضوء تطورات الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ مارس 2011 والتي توشك على الوصول إلى فصلها النهائي بإنتصار دمشق بفضل دعم روسيا العسكري والسياسي ومشاركة قوات حزب الله اللبناني.

السؤال الذي يطرح حاليا يتعلق بالأبعاد السياسية والعسكرية لإستقالة الحريري الذي يقود كتلة المستقبل في البرلمان اللبناني.

بعض المحللين يرون أن الأوضاع تتجه نحو حرب جديدة في لبنان وسوريا تستهدف تبديل موازين القوى الحالية وهو ما يفرض تدخل أطراف دولية كبرى وإقليمية وازنة عسكريا وإقتصاديا. آخرون يرون أنه من المستبعد نشوب مواجهات عسكرية كبيرة لأن ذلك يستلزم دعم واشنطن بكثافة لإسرائيل في مواجهة دمشق وحزب الله وربما معهما روسيا وإيران، في حين أن البيت الأبيض المنشغل بالصراع مع كوريا الشمالية لا يميل للمواجهة على جبهتين في وقت واحد، زيادة على ذلك فإن حشد القوى المادي لواشنطن مركز في منطقة المحيط الهادي المتاخمة لآسيا في حين أن ميزان القوى في ساحة بلاد الشام ومحيطها يميل لصالح موسكو وحلفائها.

لبنان والتعايش

  في بيروت لم تثر أخبار إستقالة سعد الحريري أية إضطرابات سواء أمنية أو إقتصادية وحافظت العملة اللبنانية على إستقرارها ولا يتوقع رجال المصارف عملية سحب كبيرة للأرصدة عندما تفتح البنوك يوم الإثنين أبوابها ويشير هؤلاء إلى أن لبنان عاش بدون رئيس لمدة تزيد عن 30 شهرا دون أن يتسبب ذلك في أزمات إقتصادية أو أمنية خطيرة.

الرئاسة اللبنانية أعلنت، أن سعد الحريري أبلغ الرئيس ميشال عون باستقالة حكومته عبر الهاتف، ولكنها لم توضح ما إذا كان ذلك قد حدث قبل أم بعد الكلمة التلفزيونية، وأفاد بيان للرئاسة اللبنانية أن عون ينتظر عودة الحريري إلى بيروت للاطلاع منه على ظروف الاستقالة ليبني على الشيء مقتضاه.

وفي أول تعليق من التيار الوطني الحر، الذي كان يرأسه عون، قال وزير العدل سليم جريصاتي في تغريدة “ان استقالة الحريري ملتبسة ومرتبكة ومشبوهة في أربعة: التوقيت والمكان والوسيلة والمضمون”.

وكالة فرانس برس نقلت عن استاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية هلال خشان قوله “هناك ضغوط رهيبة على الحريري، وهذا يعني أنه لن يعود إلى لبنان”، مضيفا ”هذا قرار خطير، وله تبعات أكبر من أن يتحملها لبنان”.

وأوضح خشان أن “الحريري بدأ الحرب البادرة اللبنانية، التي من الممكن ان تتحول إلى حرب داخلية”، محذرا أيضا من تصعيد إقليمي ضد حزب الله قد يتحول إلى مواجهة عسكرية.

في برلين أشارت مصادر رصد أنه من المستبعد جدا نشوب حرب داخلية في لبنان لأنه لا توجد قوة عسكرية مناهضة قادرة على الصمود أمام حزب الله وحلفائه اللبنانيين، ولهذا فالتدخل الخارجي هو السبيل الوحيد الممكن لمواجهة الحزب.

بعض المحللين في الغرب ذهبوا إلى القول أن هناك خريطةِ طريق أمريكية تَستهدف “حزب الله”، الذي بات يشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، وخطرا كبيرا على أمن عدد من دول الخليج العربي واستقرارها بسبب دعمه اللامحدود، الإعلامي والسياسي، والعسكري لتيار الرئيس السابق على عبدالله صالح وحلفائه “أنصار الله” الحوثيين، في اليمن.

التمهيد

  الذين يقدرون أن منطقة بلاد الشام مقبلة على مواجهة عسكرية كبرى يستعرضون عددا من الأحداث التي سجلت منذ نهاية صيف سنة 2017 والتي تثبت في نظرهم حتمية الصدام الكبير.

يوم الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 علق الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على صفحته الخاصة على “تويتر”، بمناسبة ذكرى حادثة التفجير التي حصلت في مقر مشاة البحرية الأمريكية في بيروت عـام 1983، قائلا: “لن ننسى أبدا الـ241 جنديا أمريكيا الذين قتلوا على يد “حزب الله” في بيروت”. وأعاد الرئيس الأمريكي تغريدة لنائبه مايك بنس، قال فيها: “نتذكر جيدا جنودنا الذين سقطوا، وواجبنا تكريمهم من خلال هزيمة العدو الذي كان سبب مقتلهم”.

تصريحات ترامب ونائبه جاءت متزامنة مع أقرار مجلس النواب الأمريكي، يوم الأربعاء 25 أكتوبر، عقوبات جديدة على حزب الله اللبناني وتم إقرار ثلاث إجراءات في تصويت جرى دون معارضة.

وبموجب أول إجراء، تفرض عقوبات جديدة على أي كيانات يثبت دعمها لحزب الله من خلال إمدادها له بالأسلحة على سبيل المثال. أما الإجراء الثاني فيفرض عقوبات على إيران وحزب الله لاستخدامهما المدنيين كدروع بشرية. والإجراء الثالث هو قرار يدعو الاتحاد الأوروبي إلى تصنيف حزب الله تنظيما إرهابيا.

وكانت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي قد أقرت بالإجماع، يوم الخميس 28 سبتمبر، مسودة قانون تسمح بتشديد العقوبات على “حزب الله”، وتتضمن إجراءات إضافية تحد من مصادر تمويله. وهدف مشروع القانون، إلى الحد من تمويل حزب الله اللبناني من خلال فرض عقوبات جديدة وقاسية على شبكات تمويل الحزب، للحد من قدرته على استعمال الأموال التي يدعم بها نشاطه.

هذا وتشمل العقوبات أيضا تجميد الأصول، وحجب التعاملات المالية، ومنع إصدار تأشيرات السفر إلى الولايات المتحدة، فضلا عن تضمين مشروع القانون إمكانية فرض عقوبات على دول أجنبية في حال قامت بتقديم دعم عسكري أو مالي ذي أهمية لـ”حزب الله” أو أحد الكيانات المرتبطة به.

كما يخول مشروع القانون للرئيس الأمريكي تحديد الأشخاص والكيانات الذين ستفرض عليهم عقوبات لتعاونهم مع “حزب الله”.

الولايات المتحدة التي صنفت حزب الله تنظيما إرهابيا أجنبيا منذ عام 1997، عرضت خلال شهر أكتوبر 2017 مكافأة قدرها 12 مليون دولار للمساعدة في القبض على اثنين من مسؤولي حزب الله هما طلال حمية وفؤاد شكر.

المخابرات الأمريكية تقول إن طلال حمية هو مسؤول الأمن الخارجي في حزب الله ويدير خلايا الجماعة في مختلف أرجاء العالم، وكان حمية نائبا ومرافقا للقائد العسكري السابق لحزب الله، عماد مغنية، الذي اغتاله جهاز الموساد الإسرائيلي في دمشق في انفجار سيارة مفخخة عام 2008.

كما لعب حمية دورا أساسيا في إرسال المقاتلين إلى العراق في أعقاب الغزو الأمريكي في عام 2003 للقتال مع المقاومة العراقية ضد القوات الغازية.

وحسب المصادر الأمريكية كذلك فإن فؤاد شكر حل مكان مصطفى بدر الدين، القائد العسكري في حزب الله، الذي أغتاله الموساد كذلك في سوريا في عام 2016، وقد لعب دورا أساسيا في الهجوم على مشاة البحرية الأمريكية في بيروت في عام 1983.

باريس تعترض

 

مصدر مطلع في باريس ذكر أن الحكومة الفرنسية قالت للجانب الأمريكي على مستوى الإدارة “إن العقوبات لن تؤثر في حزب الله، ولكنها ستقضي على الاقتصاد اللبناني وتعطل جهازه المصرفي”.

وأجابت الإدارة الأمريكية على الحجة الفرنسية، بحسب صحيفة “الحياة”، بأن فرنسا على حق ولكن باريس لا تعلم إذا كان ذلك يكفي لعدم تنفيذ هذه العقوبات، ذلك أن الكونغرس وضعها والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد النيل من إيران.

وقال المصدر إن “ترامب الذي طلب من الأوروبيين وضع حزب الله كله على لائحة الإرهاب، واجه رفضهم لأن ذلك غير ممكن، ويعني أن فرنسا وأوروبا تجبران على مقاطعة نصف حكومة لبنان وهذا غير عملي”.

وأضاف المصدر الفرنسي أن المؤتمر لمساعدة الجيش اللبناني الذي قررته مجموعة دعم لبنان سيعقد في إيطاليا في ديسمبر 2017 أو يناير 2018، أما المؤتمر الاقتصادي لمساعدة لبنان فانعقاده صعب، لكنه قد يعقد، ليس على أسس مساعدة الموازنة، وإنما لتمويل مشاريع إنمائية.

تخطيط

 استضاف معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى يوم 25 أكتوبر 2017 ندوة حوارية محورها حزب الله “وكيفية الحيلولة  دون نشوب حرب ثالثة في لبنان” خاصة بسبب الأخطار والخسائر التي ستواجهها إسرائيل، شارك فيها ثلة من ألمع القيادات العسكرية الغربية:

رئيس الأركان السابق للجيس البريطاني، ريتشارد دانات، قائد وحدة مكافحة “الإرهاب الدولي” في المخابرات البريطانية، ريتشارد كيمب، رئيس هيئة الأركان الألمانية ورئيس اللجنة العسكرية في حلف الناتو، كلاوس نومان. إنطلق الثلاثي من فرضية قيام “حزب الله بشن حرب أخرى ضد إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة وحلفائهما. ستشعر إسرائيل بأنها مجبرة على الرد بعدوانية وقوة وسرعة كبيرة”. وأضاف الفريق أن الرد “الإسرائيلي سيوقع أعداداً كبيرة من الضحايا بين المدنيين، وسيلجأ حزب الله لتحريض المجتمع الدولي ضد إسرائيل واتهامها بارتكاب جرائم حرب. ولهذا السبب بالذات، من غير المرجح أن تنظر إسرائيل في شن حملة إستباقية كبرى في لبنان”. واعتبر الثلاثة أن حزب الله راكم خبرات قتالية وقدرات استراتيجية وأصبح “الآن أقرب الى قوة عسكرية موحدة مع هيكلية وتسلسل واضح للقيادة.. ولدية نحو 25 ألف مقاتل ناشط و 20 ألف مقاتل احتياطي.

وشدد الثلاثي على أنه يتعين على “الغرب إدراك أن حزب الله أصبح يشكل تهديداً كبيرا، ليس على إسرائيل فحسب”. وحذر الثلاثي دول الغرب مجتمعة بأنه آن الآوان لتعديل سياساتها نحو لبنان والإقرار بأنه “لم يعد منفصلا عن حزب الله، وإذا فشل في ذلك فإن الخطر سيزداد سوءا.. وينبغي على إدرة الرئيس ترامب التصريح بأنه يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها في أعقاب هجمات حزب الله، وعلى الدول الاوروبية إدراج الحزب بكامله ككيان إرهابي.

تل أبيب وإستغلال الأزمة

  إسرائيل قفزت بسرعة لإستغلال التطورات اللبنانية الجديدة. فيوم السبت 4 نوفمبر اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استقالة الحريري، بمثابة “مكالمة إيقاظ” للمجتمع الدولي كي يتخذ إجراءات ضد ما أسماه بـ “العدوان الإيراني”.

وأضاف أن هذا العدوان يشكل خطرا ليس على إسرائيل فحسب بل أيضا على الشرق الأوسط برمته، يجب على المجتمع الدولي أن يصطف ويواجه هذا العدوان.

من جانبه علق وزير الدفاع الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان، قائلا: “الجيش الإسرائيلي مستعد لمواجهة حلف سوريا حزب الله”، مؤكدا “اننا لن نسمح لمحور إيران بتعزيز قوته على الحدود الشمالية” . واكد ان “لبنان يعادل حزب الله الذي يساوي إيران وهي تشكل خطرا على العالم وقد أثبت الحريري ذلك اليوم”.

يوم الأحد 5 نوفمبر كتب المحلل الصهيوني يوسي يهوشع المقرب من الجهاز العسكري: “ما كان يمكن لأفضل كتاب الخطابات في اسرائيل أن يصيغوا على نحو أفضل خطاب رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، ضد حزب الله وايران.

لقد وصف هذا الخطاب بدقة، حتى وإن كانت بلغة هجومية، التحدي الذي تقف أمامه اسرائيل والشرق الاوسط بأسره في مواجهة محور ايران سوريا حزب الله. فقد اختتم اسبوعا من الاحداث العاصفة في الجبهة الشمالية التي أعطت الانطباع بأنه لا توجد علاقة فيما بينها، ولكنها جميعها تشهد على مستوى التفجر العالي في المنطقة وتؤشر أساسا الى نهاية الحرب في سوريا، بآثارها على لبنان ايضا.

يوم الاربعاء الأول من نوفمبر، وحسب منشورات اجنبية، هاجمت اسرائيل ارسالية من الصواريخ الدقيقة كانت في طريقها الى مخازن حزب الله في لبنان. واذا كانت اسرائيل هي التي فعلت ذلك حقا في مثل هذه الفترة الحساسة، فلا يمكن التقدير بأن هذه كانت ارسالية استثنائية ولاحت الفرصة لضربها قبل وصولها الى لبنان، حيث لا توجه اسرائيل ضرباتها.

أما الحدث في قرية الحضر فهو جزء من محاولة لتصميم خط الحدود مع اسرائيل في ختام القتال في سوريا. فالثوار، من رجال جبهة النصرة، نجحوا في هجومهم بقتل تسعة من سكان القرية الدرزية التي تقع في الاراضي السورية، بمحاذاة الحدود مع اسرائيل. وبعد الهجوم وفي اعقاب ضغط شديد من وجهاء الطائفة الدرزية في اسرائيل، ممن دفعوا بمئات الشبان الى مجدل شمس وطالبوا بعمل اسرائيلي من اجل اخوانهم أصدر الجيش الاسرائيلي بيانا استثنائيا قال فيه إنه لن يسمح باحتلال القرية.

في اثناء الحدث اجتاز مع ذلك بضع عشرات من الدروز الجدار باتجاه سوريا لطلب الدعم من دمشق، فاضطر الجنود الى ملاحقتهم واعادتهم. ينبغي الأمل بأن يستنفذ جهاز القانون محاسبتهم. وهنا المكان للايضاح بأن الجيش الإسرائيلي لم يخطط لارسال لواء غولاني لاحتلال القرية بقوات مشاة. فللجيش الاسرائيلي سيطرة ممتازة من جبل الشيخ، ومن خلال المعلومات الاستخبارية والنار من الجو ومن الارض كان يمكنه أن يحقق السيطرة.

مصداقية

 وتضيف الصحيفة “وعودة الى رئيس الوزراء الحريري، الذي ألقى خطابه من السعودية وبلغ هناك ايضا عن الخطة لاغتياله. اذا كانت المعلومات مصداقة، فمن غير المستبعد أن تكون محافل غربية ساعدت في اطلاع الحريري عليها، ولكن توجد امكانية في أن تكون هذه نوعا من الاحبولة الاعلامية.

في هامش المصالح ليس لأحد من المحافل في الساحة مصلحة في فتح حرب الآن، ولكن هذا لا يعني بأن الحرب لن تندلع. فحزب الله بحاجة الى الهدوء كي يعمل على اعادة بناء قواته التي ستعاد الى لبنان من سوريا، وسينشغل من الآن فصاعدا حتى الرأس في الساحة السياسية اللبنانية الداخلية. ليس للايرانيين مصلحة في استخدام حزب الله في هذا الوقت، بل الابقاء عليه لغرضه الأصلي استخدامه عند الطواريء ضد اسرائيل في حالة هجوم على المنشآت النووية الايرانية. كما ليس لإسرائيل مصلحة في فتح باب الحرب، ولكن التطورات الميدانية تستوجب اعمالا عسكرية مشروعة، أحدها من شأنه أن ينتهي بالتدهور الى الحرب. وعليه، ينغبي ادارة هذه الاعمال بالحذر اللازم وأن نكون جاهزين لامكانية الحرب حتى لو لم تكن مخططة”.

ضربة لمشروع

 في نفس يوم الأحد 5 نوفمبر 2017 قالت صحيفة “هآرتس″ العبرية أن الحريري سعى إلى التقارب مع حزب الله من أجل المساعدة في تسيير أعمال حكومته، إلا أن ذلك أغضب السعوديين، نافية في الوقت نفسه أن يكون هناك أي سيناريو لاغتيال الحريري.

واعتبرت الصحيفة استقالة سعد الحريري، ضربة للمشروع الإيراني في لبنان، مدعية أن الحريري سمع خلال رحلته إلى السعودية نقدا لاذعا، لا سيما من الوزير السعودي ثامر السبهان، فيما يتعلق بفشل حكومة الحريري في كبح جماح حزب الله، على الرغم من الدعم السعودي الكبير للبنان.

التوافق على تشكيل حكومة الحريري قبل عام كان في إطار السعي للحفاظ على استقرار لبنان، وذلك جاء على حساب تنازلات قدمت لحزب الله، حيث طلب من الحريري عدم نزع سلاح حزب الله، كما سمح للجيش اللبناني الذي سلحته السعودية بالتعاون مع حزب الله، في إطار الحرب على تنظيم “داعش”، إضافة إلى القبول بترشّح العماد عون، حليف حزب الله، لرئاسة الجمهورية.

“مرونة الحريري” تجاه حزب الله كما تقول “هآرتس″ أثارت غضب مؤيديه داخل لبنان أيضا، ممن حذروا من وقوع الحريري في فخ العسل الذي نصبه حزب الله، ولكن الحريري كان يعتقد أنه يمكن التعامل مع الحزب مقابل مساعدته على إدارة الحكومة، ومع مرور الأشهر، أصبح واضحا أن السعوديين كانوا أيضا مستائين من تصرفات الحريري واستمالته الكبيرة لحزب الله، وليس اللبنانيين فقط.

وتتابع الصحيفة، أن الغضب السعودي انفجر بشكل كبير عقب زيارة مستشار المرشد الأعلى الإيراني، علي أكبر ولايتي، إلى لبنان، ولقائه سعد الحريري، حيث أعلن ولايتي أن لبنان حقق الانتصار على الإرهاب، وهو انتصار للمقاومة، يعني حزب الله، وأن بلاده ستواصل دعم لبنان، ولن تسمح بعودة الأمور إلى ما كانت عليه سابقا.

ولايتي التقى في زيارته تلك كلا من رئيس الجمهورية، العماد عون، ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، وفي ذات اليوم زار طهران فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، وبحسب مصادر مطلعة، حاولت طهران استمالة روسيا ضد السعودية، مشيرة إلى أن “الحريري استقبل موفدها إلى لبنان، الذي بات حليفا لطهران وليس السعودية”.

استقالة الحريري تؤكد أن السعودية عازمة على وضع حزب الله وإيران في مأزق جديد بلبنان، فالحكومة عقب استقالة الحريري ستصاب بالشلل حتى يتم اختيار رئيس وزراء جديد، كما أن إعلان الحريري استقالته يعني أنه تحرر من الاتفاقيات التي وقعها مع حزب الله، وهو ما شجعه على انتقاد الحزب بشكل علني، كما جرى السبت.

حزب الله وإيران فهما سريعا مخاطر الاستقالة، واعتبراها مؤامرة، وهو ما يكشف أيضا الخشية الإيرانية من فقدانها جزءا من نفوذها وهيمنتها في لبنان، ولا يزال من السابق لأوانه تصور السيناريوهات التي يمكن أن تحدث في لبنان، فهل سيقدم الحزب على شن حرب جديدة على إسرائيل لتأكيد هيمنته على الساحة السياسية في لبنان؟.

ردع يمنع الحرب

 هؤلاء الذين يستبعدون نشوب حرب إسرائيلية جديدة ضد لبنان بهدف تدمير حزب الله، يستشهدون بالتقارير المختلفة التي تؤكد وجود توازن الردع بين الحزب وإسرائيل مما يردع الحرب. إذا كان الجيش الإسرائيلي الأقوى عسكريا في المنطقة فإن حكومة تل أبيب وبسبب الخسائر الداخلية نتيجة أي حرب واسعة مقبلة ستفكر أكثر من مرة في خوض حرب، لكن الموقف يتبدل إذا وجدت حلفاء أقواء إلى جانبها، حاليا واشنطن بعيدة عن هذا التصور.

يوم 2 نوفمبر 2017 جاء في تقرير جاء من الناصرة في فلسطين المحتلة:

حذر ضباط إسرائيليون وغربيون كبار من خطورة اندلاع حرب جديدة ضد حزب الله اللبناني، الذي بات يمتلك قذائف صاروخية قادرة على إصابة أهدافها بدقة متناهية وقدرات جيش منظم، علما أن إسرائيل باتت تعتبر الحزب الجيش الثاني من حيث القوة في الشرق الأوسط.

وأوضح هؤلاء العسكريون، وهم من كبار ضباط الاحتياط في إسرائيل وخبراء من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وأستراليا وإيطاليا، في تقرير عسكري مشتركٍ، أن حزب الله تطور عسكريا إلى حد امتلاكه قدراتٍ عسكرية لدولة.

وزعم التقرير، الذي سلط موقع “ويلا” الإخباري الإسرائيلي الضوء على جانب منه، أن الحزب يعد أقوى قوة مسلحة غير تابعة لدولة في العالم، وأن عدد مقاتليه بلغ 25 ألفا تدرب آلاف منهم خارج لبنان، مما يعد تطورا ملحوظا مقارنة مع حرب لبنان الثانية في صيف العام 2006، حين كان يضم عشرة آلاف مقاتل فقط، على حد قول التقرير العسكري الإسرائيلي الغربي المُشترك.

وأشار التقرير عينه إلى أن قوة حزب الله العسكرية في معظمها تكمن في ترسانة ضخمةٍ من القذائف والصواريخ، وقدرة مدفعية يصل مداها إلى عشرين كيلومترا، وتعتمد على صواريخ الكاتيوشا، بجانب آلاف الصواريخ الروسية والسورية القادرة على ضرب أهدافٍ على بعد عشرات، وأحيانا مئات الكيلومترات.

وعلى الرغم من أن التقرير لم يؤكد بشكلٍ قاطعٍ أن حزب الله يقوم بإنتاج صواريخ طراز شبيه بسكود يغطي مداها مساحة إسرائيل كاملة، لكنّه يمتلك صواريخ موجهة تتيح له ضرب الأهداف بدقة عالية لا تتجاوز نسبة خطئها أمتارا قليلة، الأمر الذي سيسمح له ضرب المنشآت الإستراتيجية الإسرائيلية كمحطات الطاقة والموانئ والمطارات ومرافق البنى التحتية الحرجة، وفي مقدمتها مطار اللد الدولي، بالقرب من مدينة تل أبيب.

علاوة على ذلك، قال التقرير المُشترك إن حزب الله يدير جهازا استخباراتيا يبذل جهودا كبيرة لجمع المعلومات حول أهدافٍ إسرائيلية، ومقاتلوه مزودون ببنادق كلاشينكوف ومناظير للرؤية الليلية وصواريخ كورنيت مضادة للدبابات، ويضم مختصين في المواد والمتفجرة ونصب الفخاخ والتكتيكات العملياتية، التي أثبتت نجاعتها خلال عملياته العسكرية داخل سوريا، كما أكد التقرير.

بالإضافة إلى ذلك، أظهر التقرير تزايد عدد طائرات الحزب المسيرة المستخدمة للمراقبة، التي تحمل متفجرات وزنها خمسون كيلوغراما، مضيفا في الوقت عينه أن عناصره مدربون على التحكم بها.

ورغم أن حزب الله لا يمتلك سفنا بحرية، لكن لديه قدرات عسكرية عالية تشكل تهديدا على البحرية الإسرائيلية، وصواريخ تهدد تجارتها الخارجية المارة عبر البحار، كما يمتلك مئات الصواريخ الباليستية، ولديه القدرة على التشويش على الاتصالات اللاسلكيّة الإسرائيلية وفك تشفير الاتصالات، كما أوضح التقرير الغربي الإسرائيلي.

وقد عمد الحزب، بحسب التقرير العسكري المشترك، إلى تحويل قرى الجنوب اللبناني، إلى منشآت عسكرية، 10 بالمائة من سكانها من مقاتليه، وبعض المنازل تحتوي على أنظمةٍ دفاعية وأسلحة ومعدات عسكرية متطورة وشبكة واسعة من الأنفاق السرية، لمد القرى بالأسلحة الثقيلة ونصب الكمائن العسكرية التي قد تستخدم لخطف جنود إسرائيليين، ولذلك فإن أي حرب جديدة ستندلع مع الحزب ستكون مكلفة جدا، على حد تعبير التقرير.

الاخطاء

 يعتبر وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق موشيه أرنس، من الصقور في الدولة العبرية، ومع أنه اعتزل السياسة منذ سنوات، إلّا أنه ما زال على علاقات وطيدة بصناع القرار في تل أبيب، كما أن مقالاته التي تنشر أسبوعيا في صحيفة “هآرتس” العبرية، تلقى تأييدا واسعا ومؤثرا على صناعة الرأي العام.

في مقال نشره بالصحيفة المذكورة قال أرنس: حزب الله كبر وبات قويا واستمر كذلك وظل يشكّل عدوا لدودا لإسرائيل.

أن التهديد المحدود، المتمثل بإطلاق صواريخ “الكاتيوشا” على المستوطنات على طول الحدود الشمالية تحول في الـ 17 سنة الماضية إلى خطر حقيقي يهدد كل مواطني إسرائيل وسكانها، مع إقامة مخزون يزيد عن 100 ألف صاروخ وقذيفة توجد لدى حزب الله، موجهة نحو الدولة العبرية.

وأشار إلى أنّه في حرب لبنان الثانية 2006 وبعدما قتل 120 جنديا و44 مدنيا لها، وأصيب أكثر من ألفي شخص، حصلت إسرائيل على رسالة التهديد الذي يزداد منذ ذلك الحين، وتزداد أهميته بشكل خاص على ضوء وجود حزب الله وإيران في سوريا.

وتساءل أرنس: كيف سمحت حكومات إسرائيل لتهديد محدود على الحدود الشمالية أن يتحول إلى خطر كبير على إسرائيل كلها.

وشدد على أن الانسحاب من جنوب لبنان لم يمنع حزب الله من العمل ضد إسرائيل، بل خلق صورة بأنّه سجل لنفسه نصرا، حثه على تحقيق انتصارات أخرى، الأمر الذي أدى إلى سيطرة حزب الله على لبنان.

هذا جاء نتيجة قراءة خاطئة للمنطق الذي يحرك حزب الله، والذي كان ومازال منظمة تهدف إلى القضاء على إسرائيل، منظمة يؤمن قادتها بأنهم ينفذون أوامر الله، ليس من السهل إقناعها بالتنازل عن هدفها.

ومضى قائلاً إنه في الوقت الذي اعتقد فيه متخذو القرارات في إسرائيل على مدى سنوات بأنهم يردعون حزب الله عن الهجوم، وأن مخزون الصواريخ والقذائف الموجودة لديه سيصدأ ويصبح خردة، نجحت المنظمة في الوصول إلى وضع تردع فيه إسرائيل عن القيام بعملية هدفها تدمير مخزن السلاح الكبير الموجود لديها، كاشفا أن صواريخ حزب الله اليوم هي التهديد المباشر والأهم لإسرائيل.

وخلُص أرنس إلى القول إنّه لا توجد طرق بسيطة لمواجهة تهديد كهذا، لكن من المهم أن ندرك الأخطاء التي ارتكبتها إسرائيل في تصرفاتها أمام حزب الله في الماضي، لأن هذا الوعي هو جزء من السبيل للتعامل ومواجهة التهديد الحالي، بحسب قوله.

روسيا وحرب 2006

 في تل أبيب كما في واشنطن يطرح سؤال لم يستطع أحد حتى الآن إعطاء جواب جازم بشأنه وهو ماذا سيكون موقف موسكو من حرب إسرائيلية جديدة ضد لبنان؟.

جاء في تقرير نشرته وكالة سبوتنيك في روسيا يوم 5 سبتمبر 2017:

مع وصول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين إلى السلطة عام 2000، ونجاحه في تغيير السياسة الخارجية الروسية وإعادة روسيا إلى الواجهة العالمية، ومع التقارب الإيراني الروسي الهادف لحفظ التوازن في منطقة وسط آسيا ولمنع انهيار منظومة أمن بحر قزوين، بالإضافة إلى التقارب بشأن الوضع في الشرق الأوسط وغيرها من العلاقات الاقتصادية والعسكرية. انعكس كل ذلك بإيجابية على “حزب الله” وعلاقته بروسيا.

لا شك أن التفاهم بين “حزب الله” وروسيا لم يأت من العدم، فالمنظمة العسكرية التي قاتلت إسرائيل كانت بحاجة إلى السلاح الروسي الذي يعتبر الأفضل عالميا، وكذلك روسيا بالرغم من علاقتها الجيدة مع إسرائيل إلى أنها وضعت مصالحها في الواجهة من خلال عملية تسليح التنظيم، بالإضافة إلى تجربة بعض الأسلحة الحديثة خلال حرب يوليو ضد إسرائيل والتي نجحت بإيقاف الدبابات الإسرائيلية من خلال صواريخ “كورنيت” الروسية، كما قام خبراء عسكريون روس بزيارة الجنوب اللبناني والتقو عددا من ضباط الحزب بعد حرب عام 2006 الأمر الذي قرب الطرفين أكثر من أي وقت مضى، هذا عدا عن اللقاءات السياسية والدبلوماسية المستمرة بين الطرفين.

ومع بدء الأزمة السورية وانخراط الحزب في الحرب السورية وانطلاق العمليات العسكرية الروسية لمحاربة تنظيم “داعش” الإرهابي، ازداد التنسيق والتعاون بين “حزب الله” وروسيا في سوريا ما جعل إسرائيل في حيرة من أمرها. لا شك أن هذه العلاقة بين الطرفين نتيجة تقاطعات سياسية واستراتيجية زمنية لكنها وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل في وضع صعب، خصوصا مع اعتبارهم “حزب الله” منظمة إرهابية على عكس روسيا التي ترى أن الحزب منظمة تحارب “داعش” أكثر من أمريكا وتدافع عن أرضها من الحماقات الإسرائيلية.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

 

استقالة رئيس وزراء لبنان ومحاولة تعديل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط


اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا