دروس من دكار ماكي سار مرشح المعارضة ينتصر في الدور الثاني للإنتخابات الرئاسية السينغالية، والرئيس الحالي عبد الله واد يقر بهزيمته ويقدم التهاني لخصمه ووزيره الأول في حكومة سايقة، هذا يحدث بالسينغال في ثاني تناوب ديمقراطي على رئاسة الدولة وبنفس السيناريو الذي قاد عبد الله واد كمعارض قديم وصلب للرئيس الأسبق عبد الله ضيوف، حيث فاز الرئيس الحالي في الجولة الثانية بدعم من جميع أطياف المعارضة وقبل ضيوف بالنتيجة وحافظت السينغال على استقرارها ولم تنزلق إلى مجاهل ما تغرق فيه القارة الإفريقية من صراعات دامية على السلطة بشعار كبير هو الإنقلابات العسكرية، كالانقلاب الأخير الذي عرفته مالي جارة السينغال للصدفة. السينغاليون بثقافتهم الصوفية التيجانية يميلون إلى السلم والهدوء، وهذه الخلفية الثقافية والدينية جعلتهم في بداية الإستقلال يقدمون نموذجا فريدا في التسامح عندما نصبوا الشاعر الكبير سينغور ذوالديانة المسيحية رئيسا على بلد أغلبيته الساحقة من المسلمين، فكانت لسينغور مكانة خاصة في وجدان السينغاليين الذين يعرفون جيدا كيف يكافؤون وكيف يعاقبون، حيث كان إنتخاب عبد الله واد إنتصارا تاريخيا لمعارضة طويلة قادها بدون اللجوء إلى العنف، واليوم يقول السينغاليون لواد بأنه أساء إلى تلك اللحظة من خلال إصراره على البقاء في السلطة عبر تقنية تعديل دستور بروح غير ديمقراطية كانت تريد أن تتحايل على عدد ولايات الرئيس، ورغم أن المجلس الدستوري أجاز ترشيح عبد الله واد، فإن الرأي العام السينغالي كان غيرراض عن الأسلوب وقرر أن يحسم الخلاف في صناديق الإقتراع بدل رهن البلاد لمنطق الشارع الذي تمت محاصرته بسرعة وتركز الرهان على الإنتخابات وصندوق الإقتراع. من جهته يمكن إعتبار تدبير عبد الله واد لتجديد ترشيحه، وبغض النظر عن جوانبه الدستورية، فإن الرئيس السينغال تعامل مع الوضع في اللحظة الحاسمة كرجل دولة محب للسينغال قبل طموحه الشخصي والحزبي، فقرر خوض اللعبة الإنتخابسة والقبول بنتائجها كيفما كانت، ولو أن نتيجة انتصاره كانت ستكون مكلفة أمنية، فإن قبوله بالنتيجة يعتبر نضجا كبيرا جنب السينغال السقوط في ما عرفته الكوديفوار. أين نحن ومنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط من هذه النماذج المشرقة في القارة السوداء...كيف يمكن مثلا أن نقارن بين عبد الله واد وبشار الأسد الذي يبدوا أنه مستعد لإبادة الشعب السوري عن بكرة أبيه لكي يظل حاملا لقب فخامة الرئيس!!! أين نحن في المغرب والذين نعتقد بأنه يمكن أن نقدم الدروس في إفريقيا كأساتذة زائرين، من كل المسار الديمقراطي التراكمي الهادئ الذي تعرفه السينغال بدون شعارات ولا عبارات كبيرة قد تسع كل شيء وتضيق بنفسها؟ ألا يسقط النموذج السينغالي كل مبررات التأخر الديمقراطي التي يتم تسويقها هنا، تارة بربطها بالفقر أو البنيات الإجتماعية أو التأخر التاريخي في تمثل السلوك والممارسة الديمقراطية؟ إننا مطالبون اليوم بإقتحام الممارسات الديمقراطية دون تحفظات ودون نعوت تفقدها مضمونها الإنساني الذي توافقت عليه الشعوب منذ قرون...وخصوصا دون توظيف تقنيات تعتقد أنها تتذاكى على الجميع. عادل بن حمزة
29/3/2012 |