نظرات في مرافعة مجموعة الديمقراطية والحداثة ‹3› بين وقائع المرافعة والدعوة إلى تجفيف المنابع..؟ في المقال الأخير وضعنا سؤالا حول الأسباب والدواعي التي دفعت «المجموعة» إلى طرح هذه القضية التي تم تناولها وبشكل موضوعي مثلا في ندوة «فلورنسا» قبل أن تطرحها الدوائر الأجنبية الغربية في سياق ما تسعى إليه من جعل «الإسلام» إسلاما مطواعا للسياسات الغربية ليس في بلدانها، ولكن على مستوى العالم الإسلامي، ويجب ان نستحضر هنا الحملة القوية التي قامت بها الحكومات الغربية وبعض النخبة من أجل تجديد «الخطاب الديني» وتجفيف ما أسمته (منابع الإرهاب)، وتكليف بعض الأطراف والجهات لإصدار كتب ونشرات في الموضوع وما صاحب ذلك من عقد ندوات وتأسيس جمعيات التي ووكل إليها أمر القيام بدور ما في الموضوع مع إعطاء آيات وأحاديث ونماذج لا ينبغي أن يحذف كما كانت تفعل أيام حكمها الاستعماري المباشر في حذف أبواب من كتب الفقه والقوانين الجهاد الاستحقاق..الخ. إذن لقد كان الطرح في ندوة فلورنسا يستهدف نقاشا فكريا فلسفيا دينيا حضاريا، وإن كان في عمقه له دلالات معينة، وبالأخص أن الذي طرح الموضوع هو لدكتور محمد عزيز الحبابي رحمه الله الذي كانت له نظرة فلسفية خاصة، ولكنه كان يؤمن بالهوية العربية الإسلامية للمغرب وطرحه في الواقع كان على غرار ما يقوله الفقهاء «يطرح المحال لينفي» فالدكتور بحكم اطلاعه يعرف ان الحرية يكفلها الإسلام بكل تفاريعها، ولكن الجهة المعنية بالطرح استنكفت عن الجواب لأنها لا ترتجل وهي الجهة المسيحية، ولأن الظلم والعدوان كانا حينذاك منصبا على الجزائريين وعن غيرهم من المسلمين في القارتين الإفريقية والأسيوية. وعلى أي حال فالظروف مختلفة والغايات مختلفة كذلك تقول المرافعة: (إن انطلاق النقاش حول حرية المعتقد بالمغرب كما في بلدان إسلامية أخرى ليندرج ضمن سياق مطبوع بالوقائع التالية: وتسرد المرافعة أربعة قضايا أو وقائع أساسية في نظرها لطرح المشكل للنقاش، ولا حاجة للعودة إلى الكلام عن اللغة في الفقرة التي أوردناها أعلاه فلام التوكيد لا محل لها هنا »ليندرج« وإذا كان الأمر يتعلق بالقسم فنحن قد صدقنا وبمقتضاه دخلنا في مناقشة المرافعة: وعلى أي حال فهي أوصلت الهدف من النقاش ولاشك أن أهم الدواعي للنقاش من هذه الوقائع الأربع المذكورة فيها ما هو خاص ببلدان غير المغرب، وفيها ما هو خاص بالمغرب مثلا صدور الدستور الجديد في المغرب دستور فاتح يوليوز 2011، وما يجري في بلدان أخرى غير المغرب لا يهمنا النقاش فيه أو التعليق عليه، ومع ذلك فإنه يثير كذلك في حد ذاته بعض التساؤلات إذ هو في عمقه لا يخص الدول الإسلامية أو البلدان الإسلامية فالواقعة الأولى توردها المرافعة كما يلي: »صعود التعصب والدوعماتية، فالوقائع المتزايدة تشهد على العنف اللفظي أو الجسدي الذي تمارسه الدول أو المجموعات الايديلوجية على الأفراد حتى داخل إطار نفس المعتقد«. لاشك أن هذه الواقعة التي توردها المجموعة لو تركتها دون ان تربطها بالواقع الذي تريد المرافعة: ان تفرضه على العالم الإسلامي ومنه المغرب« تجدها مثلا تعبر عما يجري في فرنسا محاربة وضع غطاء الرأس محاربة النقاب تدنيس مقابر المسلمين واليهود الألفاظ البديئة ضد العرب والمسلمين واليهود التميز في الوظائف و في كثير من القضايا و المواقف ..الخ« الدول السكاندينافية كذلك ألمانيا - الولايات المتحدة الأمريكية السؤال هو: هل هذه الدول بالفعل تتوفر لديها قوانين حول حرية المعتقد أم لا تتوفر؟ لاشك أن القوانين تحظر كل ذلك ومع ذلك يحدث. إن طرح هذا التساؤل والإشارة إلى ما يحصل في هذه الدول وفي غيرها لا يعني إطلاقا أنني شخصيا اقر ان يحدث ذلك في بلدي المغرب مثلا. ولكنني أثير هذا، لأنبه السادة أصحاب المرافعة أن هذه الوقائع قائمة وموجودة في كل بلاد العالم بقطع النظر عن المنظومة القانونية والدساتير الموجود فيها لأن القانون لا يردع إلا المؤهلين أصلا ليرتدعو ولينصاعوا للقانون أما من ملكت أفئدتهم العصيبة الدوغمائية فإنهم مهما كانت القوانين فإنهم يتحدونها لأنهم لا يؤمنون بمشروعيتها أصلا، فالأمر في العقائد والمسائل الشعورية يتجاوز المساطير الدستورية والقانونية فالعقائد هي التي تحرك مشاعر الناس وأفكارهم. إن هذه الواقعة الأولى من المرافعة لا تعني الواقع المغربي وهي في جميع الأحوال لا تخص العالم الإسلامي ولا العربي ولكنها قضية محورية في عالم العقائد والفلسفات الاجتماعية والسياسية ومن هنا فهي لا تصح أن تكون مستندا ولا مبررا لما تدعو إليه المرافعة بل ربما كانت مما يؤججه؟ ولعل الواقع الاستعماري في الجزائر وما يجري حاليا في مختلف الدول التي تنص بعض قوانينها على ما تدعو إليه المجموعة يدل على أن الدساتير والقوانين لا تغني شيئا في لجم وكبح المشاعر والتوجهات لدى الناس وحتى على المستوى الرسمي ولم الجزائر؟ في الحقبة الاستعمارية؟ ولم الدول التي تنص دساتيرها وقوانينها على حرية المعتقد؟ سنحاول الإجابة في مقال لاحق. ذ. محمد السوسي
18/4/2012 |