صباح الخير ياوطني رجل استثنائي في غمرة العمل المستمر والجاد مع السِّي عبد الجبار ، لم نكن نعدّ الوقت عدّاً ما كنا نقضيه معه من هذا الوقت أكثر مما كنا نقضيه مع أسرنا أو مع أنفسنا لم يكن يفرّق بيننا سوى النوم ،كما يقال، في انتظار اللقاء في اليوم الموالي . لم نكن نتبرّم أو نتذمّر رغم أن العمل الصحفي كان يأخذ منا مأخذاً ، من الوقت والجهد . . حينها لم يكن لا هاتف نقّال ولا أنترنيت؛ أحدث التقنيات كانت تتمثل في هاتف تقليدي جامد حتى لا أقول ثابت، وفي برقيات الأخبار التي كانت تمدنا بها وكالة المغرب العربي للأنباء ، ووكالة الأنباء الفرنسية، ورويتر، وتقارير المراسلين . . . وتَدَبَّر أنتَ جميع أمرك . في هذه الظروف الصعبة ، تعلمنا الصحافة مع رجال من بينهم عبد الجبار السحيمي ، رئيس التحرير الاستثنائي في وقت استثنائي . رئيس تحرير استثنائي ، لم يكن من صنف رؤساء التحرير الذين ليست لهم مَلَكَةُ الكتابة ، بل»الهدرة«؛ لا يكتبون ولا يقرأون ، فبالأحرى يُقَيِّمُوا كتابات وقراءات غيرهم . عبد الجبار كانت له قدرة كبيرة تجعله يقرأ ملامح وسيمات الصحفي فيك . وإنْ كنتَ لا تتوفر عليها أنت الداخل إلى محراب صاحبة الجلالة الصحافة ب»سبّاطك«، فعليك أن تخلعه أوّلاً لكي لا تدنس حرمة المكان، وإذا فضَّلتَ الاحتفاظ به ، فما عليك إلاّ مغادرة المكان . كانت له حاسّةُ عجيبة في »شمِّ« المقال ، ممّا ي سمح له بنشره أو لا . وبالفعل ، لم تكن »العَلَم« تنشر أيّاً كان لأيٍّ كان ، ولو كان صاحبها له اسمٌ يحطّم الحجر . لا مجال هنا للمحاباة والمداراة ، بل للأجود والأَفْيَد . كان الرجل مهووساً بالأناقة والنقاء ، يفتش عنهما بين السطور، ومن فرط عشقه لهما، كان يبحث عَمَّن يقاسمه هذا الحب . عبد الجبار ، رئيس التحرير الاستثنائي لم تكن »تخلعه« مثل هذه الأسماء التي يقال أنها تكسّر الحجر . كان يهاب الكلمة البسيطة ، البليغة ، ويحترم الكتابة الجادّة والهادفة، ويُعَظِّم الحروف القوية، ويُقَدِّر تواضع أصحابها . ابحثوا عن شيء من هذا عند عبد الكريم غلاب ، ومحمد العربي المساري ، وخناثة بنونة، ومليكة العاصمي، وعبد القادر الشاوي، وعبد الكريم الطبال، وحسن الطريبق، ومحمد الحلوي، ومحمد الشركي، وأحمد المديني، وحسن أوريد، ومصطفى المسناوي ، والعربي الصبان، ومحمد أديب السلاوي، ومحمد بنطلحة ، وأحمد بوزفور،ونجيب العوفي، وعبد الرحمان بن زيدان، وعبد الحق الزروالي ، وعبد الكريم برشيد . . . وغيرهم كثير في هذا البلد الأمين باركَ الله في عمرهم ممن اكتوا بعشق الحرف ، وانحنوا إجلالاً أمام كلمة اقرأ . وجدنا عند هذا الرجل الاستثنائي الدعم ، كل الدعمليس الدعم المادي الذي أصبح شعار المرحلة للمهرولين نحو المواقع والمناصب . . أقصد هنا تلك النفخة والنفحة التي تجعلك تشعر بتعاظُم قوّتك إزاء ديناصورات الظلم والاستكبار والطغيان والزُّور . . . وقتها كانوا كُثَّر ، وبوجوه متعددة ، وأقنعة مختلفة . هذه القوة التي تستمدها من إيمانك وأمانتك وصدقك وصدقيتك، وليس من نسبك وحسبك، وهي قِيَمٌ وخصال كان لهذا الرجل الاستثنائي حاسة خاصة تهديه إليها بمجرد أن »يشمها« فيك . كانت رائحتها تجتذبه بقوة . وأظن أن هذا عطره المفضّل الذي كان يستمد منه نشاطه وحيويته . مرة كان يحدثني عن جذور أصله . كنت أستمع إليه وفي نفس الآن أشم رائحة التربة التي أنبتته، وأدركتُ في الحال سرّ هيامه بالأرض التي من أجل قضايا أصحابها وجد نفسه أمام المحكمة . ومن يتشبّت بالأرض يكره الظلم وكل ما يجرّه الظلم من بهتان وطغيان، وتكبّر وتجبُّر، وقهر وقمع، وزور وجُور . . إِيه ياعبد الجبار . . تلك قِيَمٌ شاء القدر أن نلتقي حولها؛ آمنّا بها ، كتبنا عنها،ناضلنا من أجلها بالمداد والدموع في أوقات ضحكنا فيها وبكينا؛ ذقنا فيها حلاوةَ الحياة ومرارتها، وواجهنا خلالها المُرَّ والأَمَرَّ . . ووجدنا أنفسنا أمام الأَشَقّ والأعسر، واجتزنا الصّعبَ والأصعب لم نَخَف يوما على أنفسنا من الذين كانوا يهددونا بقطع الأصابع التي كانت تخط هذا بقدر ما كنا نخشى من أن يتمكن »البَّانْدِيا« من سرقة الأرض التي تأوينا، ويتمكن اللصوص من قطع الهواء الذي يلفّنا، ويضربوا كل شيء في الصِّفْر . . . ويسقط الوطن . لكن الوطن ظل دائما يكبر ويكبر بالرغم من الكَيْدِ والمكر . .وحين نحس بهذا نزداد ثقة في وطننا وفي أنفسنا، وإيماناً بربّنا وديننا . كلامٌ كثيريعرف أصدقاء عبد الجبار وأصدقاء»العَلَم« أنه لن تكفيه الأيام الخوالي حًَكْياً وسَرْداً، ولن تشبعه لقاءات الأحِبَّةُ شغفا . حين تفقد عزيزاً ، يبدو العالم أمامك فارغا، لكن للمؤمنين بقضاء الله وقدره البشرى . ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ . رحمك الله .
elrharihammadi@yahoo.fr 27/4/2012 |