الرئيسية / سياسة / البعد الدستوري للحصانة البرلمانية.. بقلم // لحسن بنساسي

البعد الدستوري للحصانة البرلمانية.. بقلم // لحسن بنساسي

آخر تحديث :2016-11-29 10:30:25

Last updated on ديسمبر 1st, 2016 at 10:42 ص

البعد الدستوري للحصانة البرلمانية..

بقلم // لحسن بنساسي

يتتبع الرأي العام الوطني والدولي باهتمام بالغ محاكمة السلطة الرابعة في شخص مدير جريدة العلم الأخ عبد الله البقالي بتهمة  جنحة القذف بواسطة وسيلة نشر مكتوبة ووسيلة إعلام الكترونية في حق رجال السلطةّ.

جريدة العلم الغراء التي شكلت على الدوام مدرسة للصحافة المغربية والعربية، منبرا للحركة الوطنية ورمزا للكفاح الوطني ضد الاستعمار والاستبداد والظلم والطغيان، فضاء للتعبير عن هموم وانشغالات المغاربة وانتظاراتهم وتطلعاتهم.

جريدة العلم المجاهدة التي عانت من الرقابة التي فرضتها عليها الحماية الفرنسية وخدامها وأذنابها عندما كانت تصدر صفحاتها مطبوعة بعبارة «حذفته الرقابة».

جريدة العلم المكافحة التي عانت من المحاكمات في عهد الحجر والحماية وفي عهد الاستقلال والحرية.

فهل كان من الضروري محاكمة جريدة العلم في ظل العهد الجديد الذي دشنه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، في ظل الانتقال الديمقراطي الذي رأى فيه المغاربة آمالا كبيرة للقطيعة مع زمن المحاكمات السياسية باعتباره قد ولى بدون رجعة، في ظل الاصلاح الدستوري الذي رأى فيه المغاربة مدخلا لضمان الحقوق والحريات، بما فيها حرية التعبير باعتبارها الدعامة الأساسية لبناء دولة الحق والقانون.

فهل كان من اللازم اللجوء إلى محاكمة جريدة العلم للتصدي لمعضلة الاستعمال المفرط للمال من أجل التلاعب بإرادة الناخبين الكبار وإفساد العملية الانتخابية والمس بالمؤسسات المنتخبة؟

فهل كان من الضروري محاكمة جريدة العلم بخصوص موضوع يحتاج الى بحث دقيق وتقصي الحقائق بشكل عميق للوصول  الى الحقيقة في إطار تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

إن محاكمة جريدة العلم في ظل المرحلة الراهنة تطرح عدة إشكاليات مرتبطة بالأبعاد الحقوقية والسياسية والقانونية والدستورية، بما فيها بالأساس مسألة الحصانة البرلمانية: التي كان يتمتع بها الأخ عبد الله البقالي عندما توبع أمام المحكمة ، وهو نائب برلماني ينتمي للفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية الذي كان آنذاك يتموقع في صف المعارضة، ذلك أنه بمقتضى الفصل 64 من الدستور، فإنه « لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته  لمهامه، ماعدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك».

البعد الدستوري للحصانة البرلمانية
                                             *البعد الدستوري للحصانة البرلمانية

 وهذا يعني أن المشرع الدستوري قد خول لعضو البرلمان التمتع بالحصانة البرلمانية حتى يكون حرا ومستقلا في التعبير عن رأيه ومواقفه دون قيد في الزمان والمكان والمجال، باستثناء ما تم التنصيص عليه صراحة عندما يتعلق الأمر بإبداء رأي يجادل في النظام الملكي والدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك.

وهذا يعني أيضا أن إبداء الرأي أو القيام بتصويت للتعبير عن موقف من نص قانوني معين أو قضية ما، لا يكون مشمولا بالحصانة البرلمانية إلا خلال الدورة التشريعية وأثناء ممارسة البرلماني لمهامه الدستورية داخل البرلمان، بل يتمتع بهذه الحصانة حتى خارج الدورات مادام يحمل صفة عضو بالبرلمان باعتباره ممثلا للأمة، خاصة وأن المهام الدستورية الموكولة للبرلماني لا تقتصر فقط على ممارسته للتشريع والمراقبة ومناقشة السياسات العمومية وتقييمها، بل تشمل أيضا الدبلوماسية البرلمانية من خلال الشعب الوطنية  الدائمة التي تمثل مجلس النواب لدى المنظمات البرلمانية  الدولية والجهوية والإقليمية التي هو عضو فيها، أو من خلال مجموعات الأخوة والصداقة البرلمانية، أو من خلال الوفود المشاركة في الملتقيات الدولية والجهوية والاقليمية. كما تشمل كذلك المشاركة في لجان تقص الحقائق والمهام الاستطلاعية خارج مقر البرلمان، بالإضافة إلى وجوب تحلي عضو البرلمان بالاستقلالية في ممارسة عمله النيابي وألا يكون في حالة تبعية لشخص ذاتي أو اعتباري تحول بينه وبين أداء واجبه وأن يكون مسؤولا عن قراراته أمام  المواطنات والمواطنين وأن يمثل الأمة بأمانة وإخلاص وأن يصون ثقة المواطنين فيه ويعمل على تقويتها، هذه التقوية التي لا يمكن أن تكون إلا من خلال التواصل المباشر مع الناخبين وفتح مكتب للبرلماني بالدائرة الانتخابية التي تم انتخابه فيها.

فهل يعتبر الحديث عن استعمال المال في الانتخابات من المواضيع التي تجرد عضو البرلمان من الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها؟

ألم يمارس النائب البرلماني حقه الدستوري عندما دافع عن الاختيار الديمقراطي، باعتباره أحد ثوابت الأمة عندما رأى في الاستعمال المفرط للمال في الانتخابات  الخاصة بأعضاء مجلس المستشارين التي جرت يوم 02 أكتوبر 2016 مسا خطيرا بهذا المبدإ الدستوري؟ ما دامت الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة تشكل إحدى دعائمه الأساسية؟

ألم يمارس النائب البرلماني مهامه الدستورية عندما دافع بقوة عن التمثيل الديمقراطي الذي تعتبر فيه الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة الأساس الذي يقوم عليها؟

ألم يمارس النائب البرلماني، وهو يتموقع في صف المعارضة، حقه الدستوري في التعبير عن رأيه بحرية بخصوص موضوع يستأثر باهتمام الرأي العام الوطني ويتطلب من الحكومة تنويره بمختلف الوسائل المتاحة كما ينص على ذلك الفصل 10 من الدستور الذي يضمن للمعارضة البرلمانية مكانة تخولها حقوق تمكنها من النهوض بمهامها على الوجه الأكمل في العمل البرلماني والحياة السياسية بما فيها حرية الرأي والتعبير والاجتماع.

ألم يمارس النائب البرلماني مهامه الدستورية في مراقبة العمل الحكومي بخصوص تدبير الشأن الانتخابي باعتباره شأنا عاما ويتعلق بالسياسات العمومية الوطنية الخاضعة للمراقبة بمختلف وسائلها البرلمانية والصحفية وغيرها.

ألم يمارس النائب البرلماني مهامه الدستورية في مراقبة العمل الحكومي من حيث ضمان إقرار الحكامة الجيدة في تدبير الشأن الانتخابي باعتبارها العمود الفقري لتخليق الحياة السياسية، بما يضمن إعطاء الحكامة السياسية مدلولها الحقيقي؟

ألم يمارس النائب البرلماني حقه الدستوري عندما حرص على تمثيل الأمة بأمانة وإخلاص وصون ثقة المواطنين فيه والعمل على تقوية هذه الثقة من خلال التعبير عن انشغالاتهم بصدق وأمانة، وذلك انسجاما مع مدونة السلوك والأخلاقيات البرلمانية المنصوص عليه في النظام الداخلي لمجلس النواب؟

ألم يمارس النائب البرلماني مهامه الدستورية عندما دافع عن ترسيخ دولة الحق والقانون والمؤسسات من خلال إفراز هيئات منتخبة ذات مصداقية وتحظى بثقة المغاربة، بما يضمن المسار الديمقراطي قوته ومناعته؟

ألم يمارس النائب البرلماني حقه الدستوري عندما حرص على تخليق الحياة السياسية بشكل يستجيب لمتطلبات الإصلاح الدستوري الذي علق عليه المغاربة آمالا كبيرة في التغيير نحو الأفضل بعيدا عن سياسة التمييع والتيئيس؟

لماذا تحرص بعض الأصوات على تقييد الحصانة البرلمانية أكثر مما قيدها المشرع الدستوري بمقتضى الإصلاح الدستوري الجديد، ما دام هذا التأويل الدستوري الضيق يعتبر «خنقا» لمؤسسة البرلماني في ممارسة مهامه الدستورية في الوقت الذي اتجهت فيه الوثيقة الدستورية الجديدة إلى توسيع صلاحيات البرلمان ،حتى يشكل بالفعل القلب النابض للديمقراطية ومنبرا للتعبير عن قضايا الوطن وانشغالات المواطنين وتطلعاتهم وانتظاراتهم؟

البعد الدستوري للحصانة البرلمانية

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

منظمة «هيومن رايتس ووتش» تكشف عن وحشية الاستنطاق والتعذيب في مخيمات العار بتندوف

منظمة «هيومن رايتس ووتش» تكشف عن وحشية الاستنطاق والتعذيب في مخيمات العار بتندوف

منظمة «هيومن رايتس ووتش» تكشف عن وحشية الاستنطاق والتعذيب في مخيمات العار بتندوف المنظمة تنشر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *