Quantcast

2022 سبتمبر 30 - تم تعديله في [التاريخ]

الغذاء..‭ ‬أكثر‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل


العلم الإلكترونية - بقلم عبد الله البقالي

كشفت‭ ‬مجمل‭ ‬لحظات‭ ‬الصدام‭ ‬المحتدم‭ ‬حاليا‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬الكبرى‭ ‬عن‭ ‬معطيات،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬واضحة‭ ‬منذ‭ ‬أزمنة‭ ‬غابرة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أكدت‭ ‬حدتها‭ ‬وخطورتها‭ ‬وقوة‭ ‬تأثيراتها‭ ‬وتداعياتها‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬برمتها‭. ‬وتتعلق‭ ‬تحديدا‭ ‬باستخدام‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬رهينة‭ ‬في‭ ‬ترجيح‭ ‬كفة‭ ‬المصالح،‭ ‬ووسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬حاسمة‭ ‬لحسم‭ ‬الخلافات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لفائدة‭ ‬طرف‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الطرف‭ ‬الخصم‭ ‬والمنافس‭ ‬وأداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬إدارة‭ ‬أزمنة‭ ‬الخلافات‭ ‬والنزاعات‭. ‬حيث‭ ‬وجد‭ ‬الغذاء‭ ‬العالمي‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬الصدام،‭ ‬بل‭ ‬جوهره‭ ‬و‭ ‬موضوعه‭. ‬وتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬فتكا‭ ‬عن‭ ‬مختلف‭ ‬أنواع‭ ‬الأسلحة‭ ‬المدمرة،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أضحى‭ ‬فعلا‭ ‬أكثر‭ ‬و‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ .‬

الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬بعلاقة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬السائد‭ ‬بالمصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للقوى‭ ‬العظمى،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬اختلفت‭ ‬هذه‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الأوضاع‭ ‬و‭ ‬قادتها‭ ‬إرادتها‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬إلى‭ ‬الصدام،‭ ‬وجدت‭ ‬البشرية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تداعيات‭ ‬سلبية‭ ‬وخطيرة‭ ‬على‭ ‬عيشها‭ ‬اليومي،‭ ‬وعلى‭ ‬حقوقها‭ ‬المشروعة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الآمنة‭ ‬والمستقرة‭ .‬

لعل‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬النفط‭ ‬مقابل‭ ‬الغذاء‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جسدت‭ ‬أبشع‭ ‬مظاهر‭ ‬الابتزاز‭ ‬والمقايضة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬البشرية‭ ‬الراهنة،‭ ‬حينما‭ ‬استخدم‭ ‬شعب‭ ‬كامل‭ ‬رهينة‭ ‬طيعة‭ ‬لفرض‭ ‬إسقاط‭ ‬نطام‭ ‬سياسي‭ ‬معين‭ ‬مثلت،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة،‭ ‬عنوانا‭ ‬بارزا‭ ‬لعلاقة‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بالسياسي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬والنزاعات‭ ‬الدولية،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لحظة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬الزمن،‭ ‬بل‭ ‬أكدت‭ ‬التطورات‭ ‬المتلاحقة،‭ ‬والتي‭ ‬تجلت‭ ‬بصفة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬خلال‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أنها‭ ‬تجسد‭ ‬منهجية‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬قوى‭ ‬عالمية‭ ‬معينة‭ .‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬فعلا‭ ‬وبوضوح‭ ‬خلال‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬التي‭ ‬استجدت‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬تفجير‭ ‬هذه‭ ‬الاشكالية‭ ‬بأعلى‭ ‬منسوب‭ ‬من‭ ‬الحدة‭ ‬و‭ ‬القوة،‭ ‬وبرزت‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬مستويات‭ ‬تجلياتها‭ .‬

فالحرب‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الجغرافية‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬بين‭ ‬جارين،‭ ‬باعدت‭ ‬بينهما‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية،‭ ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬المساحة‭ ‬الجغرافية‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬أطوارها‭ ‬عليها،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬تداعياتها‭ ‬لتطال‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬لتكشف‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬حربا‭ ‬بين‭ ‬جارين‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬وعرفها‭ ‬التاريخ‭ ‬الانساني‭ ‬الحديث‭ ‬والقديم،‭ ‬وطبعت‭ ‬علاقات‭ ‬الجوار‭ ‬بين‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأقطار‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬بقاع‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬حرب‭ ‬بين‭ ‬قوى‭ ‬عالمية‭ ‬تباينت‭ ‬تقديراتها،‭ ‬وتضاربت‭ ‬حساباتها‭ ‬فيما‭ ‬يعيشه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬تطورات‭. ‬ولذلك‭ ‬تطايرت‭ ‬شرارتها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬خريطة‭ ‬الكون‭ .‬

علاقة‭ ‬السياسي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بالاقتصادي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬أفضت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬إلى‭ ‬هزات‭ ‬عنيفة‭ ‬في‭ ‬الأوضاع‭ ‬العالمية،‭ ‬يدفع‭ ‬تكلفتها‭ ‬الباهظة‭ ‬حاليا‭ ‬مئات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ذنب‭ ‬لهم‭ ‬فيما‭ ‬يقع‭ ‬ويجري،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬لهم‭ ‬بالأسباب‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬اشتعالها،‭ ‬إلى‭ ‬هزة‭ ‬عنيفة‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمارسه‭ ‬الناس‭ ‬بشكل‭ ‬شبه‭ ‬هادئ‭ ‬وقريب‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬العام،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استفاق‭ ‬البسطاء‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬يجهل‭ ‬معظمهم‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أصلا‭ ‬على‭ ‬صدمة‭ ‬عنيفة،‭ ‬تجسدت‭ ‬فيما‭ ‬استعملته‭ ‬أطراف‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬فتاكة‭ ‬لا‭ ‬تتمثل‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬في‭ ‬الرشاش‭ ‬والمدفعية‭ ‬والطائرة‭ ‬الحربية‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الصواريخ‭ ‬وغيرها‭ ‬كثير،‭ ‬بل‭ ‬تجسدت‭ ‬في‭ ‬سلاح‭ ‬الغذاء‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تجلى‭ ‬في‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المهولة‭ ‬وغير‭ ‬المسبوقة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬المواد‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الأساسية،‭ ‬وفي‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والمحروقات،‭ ‬وانتهت‭ ‬حاليا‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بحالة‭ ‬اللايقين‭ ‬فيما‭ ‬سيعيشه‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬الزمن‭ ‬المنظور،‭ ‬من‭ ‬أوضاع‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭. ‬والسبب‭ ‬أن‭ ‬الأطراف‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬والمتمثلة‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬استخدمت‭ ‬الأسلحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفتاكة‭ ‬بهدف‭ ‬الإنهاك‭ ‬قبل‭ ‬الاستسلام،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بقرارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تهم‭ ‬المخزون‭ ‬الطاقي‭ ‬والتجاري،‭ ‬أو‭ ‬بعقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬فرض‭ ‬العزلة‭ ‬ومن‭ ‬ثمة‭ ‬الإنهاك‭ ‬والإضعاف،‭ ‬وانتهاء‭ ‬برفع‭ ‬الراية‭ ‬البيضاء‭ ‬إعلانا‭ ‬عن‭ ‬الاستسلام‭. ‬حرب‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬أجواء‭ ‬مخيفة‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬والحرمان‭ ‬والفقر،‭ ‬قابضة‭ ‬برقاب‭ ‬الشعوب،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬والنامية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬وتحديات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭. ‬حرب‭ ‬حولت‭ ‬كسرة‭ ‬الخبز‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬مدمر‭. ‬وقايضت‭ ‬الاستقرار‭ ‬والطمأنينة‭ ‬والثقة‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬بتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬سياسية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لا‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬وكنهها‭ ‬عن‭ ‬الحقائق‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬العالم‭ ‬طيلة‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬مارست‭ ‬فيها‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬أبشع‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستغلال‭ ‬والاستنزاف،‭ ‬وهي‭ ‬المسؤولة‭ ‬تاريخيا‭ ‬عما‭ ‬تعانيه‭ ‬شعوب‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬تخلف‭ ‬وتدهور،‭ ‬وعما‭ ‬يعرفه‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬مآسي‭ ‬و‭ ‬كوارث،‭ ‬وهي‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬تقدم‭ ‬شعوب‭ ‬معينة‭ ‬محظوظة‭ .‬

هذه‭ ‬التطورات‭ ‬تعيد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وبحدة‭ ‬كبيرة‭ ‬مصداقية‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬السائد‭ ‬ومشروعية‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سائدا،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬الدواعي‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬سيادته‭. ‬نظام‭ ‬رهين‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العالمية‭ ‬العظمى،‭ ‬فهو‭ ‬مستقر‭ ‬يراكم‭ ‬المصالح‭ ‬و‭ ‬المكاسب‭ ‬للأقوياء‭ ‬حينما‭ ‬يتفق‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكبار،‭ ‬لكنه‭ ‬مضطرب‭ ‬ومحتدم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬المواجهة‭ ‬والحرب‭ ‬حينما‭ ‬يتخلف‭ ‬هؤلاء‭ ‬الكبار،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬يسارعون‭ ‬إلى‭ ‬استعمال‭ ‬البشر‭ ‬حطبا‭ ‬للنيران‭ ‬التي‭ ‬يشعلونها‭.‬














MyMeteo



Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار