Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam






صاروخٌ آخر لِيكْتمل هلال العيد !



افتتاحية ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 20 ماي 2021.





العلم الإلكترونية  - محمد بشكار 

كُلَّما خالجتْني الكتابة عن فلسطين شعرتُ بالذَّنب، وما ذلك إلا لكوني هنا مكتوف اليدين وكونَها هناك على شفا برزخ لا أملك لأضمِّد جراحاتها إلا مواساةً لا تُجْدي دمعا، ولكنْ مهلا.. ثمة أملٌ لاح هذه المرة في الأفق محمولا على صهوات صواريخ انطلقت من غزة مباشرة لكبد العدو ليس فقط لتحرقه كمدا، ولكن لتصنع أيضاً لليلة عيد الفطر أجمل هلال ثبت بالرؤية وبالآذان وهو يملأ السماء هديرا، وهل ثمة أبلغ من هذا الهلال صاروخا بالصوت والصورة يسجل فخرا جديدا للذاكرة العربية المثخنة بالخذلان !
 
من كان يُصدِّق أن الانتفاضة في فلسطين المُحتلة لم تخمد أول مرة بالحجارة والثانية بالبنادق إلا لتتطوَّر لصواريخ شحذتْ هِمَّة الأنفس المُتراخية بسياسة التَّضبيع التي تنهجُها الحكومات إرْضاءً لأطماع دولة الإرهاب الصهيونية، هل يكفي الاعتراف أنِّي لأول مرة مع هذه الرَّدة فعل القوية التي نكَّلت بالعدو المُغتصِب أحببْتُ اللحظة التي أوجد في زمنها ولو اتسعت الشُّقة بين الأمكنة، أحببتُ هذه اللحظة وكرهتُ التاريخ ليس لأنه مليء بأرقام السنوات التي تجعلنا نرسُب في الامتحانات، وليس لأن أمجاد هذا التاريخ خدَّرت العقول وأغْشَتْ العيون عن رؤية الواقع، ولكن لأن هذه الأرقام ومنها (48) و(67) و(73) و(91)... لم نكن نضعها في سِباق التَّحرُّر إلا على فرس خاسرٍ ومعه كل ما نملك من آمال وأموال عسانا نكسب رهان مستقبل بدون تبعيَّة أو قيود !
 
كوني هنا مكتوف اليدين وكونَها هناك على شفا برزخ يستقبل في كل دقيقة عشرات الشهداء، لم يمنع قلبي عن العودة لنبضه القديم، ومن ينْكُر رغم كراهيتنا للحرب المتبوعة بالفاجعة، أنَّ صواريخ غزة وما أكثر أسماءها.. كما كانت الحلَّ الأنْجع لإسرائيل كي تستيقظ من خَدَر زهْوها الكاذب، نَزَل كالصَّعْقة التي يلْجأ الطَّبيب لكهربائها في الرَّمق الأخير ليُنْقذ قلب إنسان من سكتة فجائية، ومن يدري قد يعود الوعي مع أول خفقة استرجعتها صعقة صاروخ المقاومة لكل الشعوب العربية، وقد رأينا جميعا شبابا يخترقون الحدود من لبنان والأردن إلى الأراضي الفلسطينية يريدون الانضمام متدفقين لانتفاضة الشعب الفلسطيني، لولا أن ثمة ما يكفي من الحرس يقف حائلا دون أن تصبح إسرائيل فريسة سهلة بين أنياب كل ثائر عربي غيور على الأقصى !
 
إسرائيل أخطأتْ الخُطوة حين دسَّت كل أرجُلها المشلولة في حذاء الجنرال ودنَّست حَرَم الأقصى المُبارك، فهو يعني أكثر من ملياري مسلم أي ربع سكان العالم، وأمْعنتْ في إثمها العُنْصري المرتكز على أفضلية الدين اليهودي وأسطورة شعب الله المختار، وهي تقود حمْلة تطهير عرقي في بلد ليس لها وعلى إنسان يتصل عِرقه بقوة الدم بعروق أزيد من أربعمائة وثلاثين مليون نسمة الذين يُشكِّلون مجموع سكان الوطن العربي، تحتاج إسرائيل مع هذا العدد الهائل أن تستدعي هتلر من قبره عساه يساعدها بعد سيطرته على العالم لإتمام محرقة هذا المشروع النازي الموعود، تحتاج كي تمحو الفلسطيني من حيِّزه الجغرافي أنْ تتخلَّص أولا من كابوس تاريخ الإنسان العربي، ليس فقط لأنه يقضُّ مَضْجعها حين يكْشِف بِعُمْق امتداده في الحضارة الإنسانية عنْ ما تُعانيه من غياب، بل أيضا لأنَّه بدأ يصنع مُستقبله التكنولوجي مع أول صاروخ تلقَّفته في تل الربيع وليس تل أبيب المزعومة، يا لَخِطاب النَّار وكيف في رمشة رماد اندلع في طاولات مفاوضات السلام الناكثة بالعهود والمواثيق الدولية، وقد تعلَّمنا من خطاب النار مع مطر الصواريخ الذي مزَّق ليل تل الذيب، أن الكلمة دون قوة تبقى خالية من أسباب الإقناع ولا تستحقُّ أبسط توقيع تحتها في الحرب أو السلم، يا لَخِطاب النَّار كما يتأجَّج على فحم فقد أفحم بصواريخ غزة العدو ! 
 
كَوْني هنا مكتوف اليدين وكونَها هناك على شفا برزخ يستقبل عشرات الأطفال الذين هرعوا مقتولين إلى حضن الله خوفا من الإسرائيلي، لا يجعلني مُغفَّلا أو غافلا أنَّ اليد التي تقطُر دما وخرجتْ للتو من غرفة عمليَّة جِراحية دقيقة، قد استهدفت أولا قبل أن تنتقل لتقْطيع جسد الفلسطيني، أدمغة الحكومات العربية وزرعته بأورام التطبيع الذي سيجعلها تنظر خرساء مشلولة الحركة لجريمة ضد الإنسانية، وكأن الأمر لا يعنيها ما دامت ستجني من ورائه أبخس المكتسبات من أمريكا، كان لابد لإسرائيل أن تأمن على نفسها من (صَدَّام) آخر قد ينهض من الأنقاض من أيَّتها بلد عربي أو إسلامي لتستكمل مشروعها الاستيطاني ومعه وهْمها الأسطوري الموعود، وما حركتها الفاشلة بالعتاد البري الذي زحف بالمجنزرات لقطاع غزة، إلا إشارة أولية لاقتراف أكبر مجزرة إبادة ستشهدها الإنسانية سيرا على خطى مُرضِعتها أمريكا التي اغتصبت أرض الهنود !
 
الكلمة أيضا سلاح، لذلك لم أشعر هذه المرة بالذنب وأنا أكتب من مسافة الأمان عن فلسطين، شعرتُ وكأنِّي في الميدان مع فصائل المقاومة أنشئ بكل جملة أركِّبها صاروخا جديدا أصْهَره بنار غضبي، وإذا كانت إسرائيل وهي تُمارس بعنجهيتها المعهودة الإرهاب على مستوى دولة تُسخِّر كل ترسانتها الحربية ضد الأبرياء العُزَّل، فيُشرِّفني أن أحْمل وسام الإرهابي مع كل فرد في فصائل المقاومة الذين عبثاً يحاول الإعلام الصهيوني أن يُشوه سمعتهم ليكسب تعاطف المنتظم الدولي، وهذا صاروخٌ آخر رأسه هناك وفتيله في يدي أطلقه من باب المغاربة لِيْكتمل هلال العيد ! 
 

ملحق"العلم الثقافي" ليوم الخميس 20 ماي 2021.

Hicham Draidi