Quantcast
2026 أغسطس 18 - تم تعديله في [التاريخ]

عيد الشباب.. سبعون سنة من رهان المغرب على شبابه

من شباب حملوا المعاول لبناء طريق الوحدة وتوحيد الوطن إلى أجيال رفعت مطالب الإصلاح ثم جيل رقمي يحتج بهاتفه وشباب يخاطرون بحيواتهم عند أبواب سبتة .. عيد الشباب مناسبة للاحتفال، لكنه أيضًا موعد لقراءة رسائل الأجيال المتعاقبة


عيد الشباب.. سبعون سنة من رهان المغرب على شبابه
العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي 
 
ليس عيد الشباب في المغرب مجرد تاريخ في رزنامة الأعياد الوطنية، ولا ينبغي اختزاله في كونه مناسبة مرتبطة بذكرى ميلاد الملك، لأن الرجوع إلى أصل الفكرة يكشف أن الدولة المغربية، منذ فجر الاستقلال، أرادت أن تجعل من الشباب قضية وطنية قائمة بذاتها، وأن تربط بناء المغرب الجديد بالأجيال الصاعدة التي كان عليها أن تنتقل بالبلاد من زمن مقاومة الاستعمار إلى زمن بناء المؤسسات والاقتصاد والمدرسة والطريق والإدارة والمجتمع الحديث.
 
فحين قرر الملك محمد الخامس سنة 1956 إحداث عيد الشباب وربطه بيوم ميلاد ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن، لم يكن الأمر مجرد اختيار بروتوكولي؛ بل إن الملك محمد السادس عاد لاحقًا إلى فلسفة هذا القرار، موضحًا أن محمد الخامس اعتبر ولي العهد آنذاك نموذجًا للشباب المتحمس لخوض معركة التنمية ومحاربة التخلف، وأن الغاية من المناسبة كانت التواصل مع الأجيال الصاعدة والانشغال بقضاياها ومشاكلها والعمل على إدماجها في المجتمع. ولا يزال 21 غشت مدرجًا رسميًا سنة 2026 ضمن الأعياد الوطنية باعتباره عيد الشباب.
 
وبذلك يكون المغرب، وهو يستعد للاحتفال بعيد الشباب في 21 غشت 2026، قد قطع سبعين سنة كاملة منذ إحداث هذه المناسبة سنة 1956؛ سبعون سنة تغير خلالها المغرب، وتغير الشباب، وتغيرت أدوات التعبير عن الطموح والغضب والاحتجاج والانتماء، لكن السؤال بقي واحدًا: كيف نجعل الشباب قوة بناء لا طاقة مهدرة، وكيف نجعلهم يؤمنون بأن مستقبلهم يوجد داخل وطنهم وليس خارجه؟
 
طريق الوحدة… لم يطلب المغرب من شبابه التصفيق بل طلب منهم أن يحملوا المعاول ويبْنوا الوطن
 
إذا أردنا أن نفهم ما كان يعنيه الاهتمام بالشباب في السنوات الأولى للاستقلال، فإن إحدى أبلغ الصور ليست خطابًا ولا شعارًا ولا مهرجانًا، بل طريق حقيقية حفرتها سواعد آلاف الشباب وسط جبال الشمال: طريق الوحدة.
 
في صباح 5 يوليوز 1957 أعطى الملك محمد الخامس انطلاقة الورش الوطني لطريق الوحدة، بينما لعب ولي العهد الأمير مولاي الحسن حينها دورًا مباشرًا في تعبئة الشباب والإشراف على المشروع والتواصل مع المتطوعين. وكانت الفكرة تتجاوز بكثير إنشاء طريق برية؛ فقد كان المغرب خارجًا للتو من نظام حماية قسم البلاد إلى مناطق نفوذ مختلفة، وكان المطلوب أن تلتقي الجغرافيا التي فرقتها الحدود الاستعمارية، وأن يشعر المغربي القادم من الجنوب أو الوسط أو الشمال بأنه يشارك فعليًا في صناعة وطن واحد.
 
استجاب حوالي 12 ألف شاب مغربي للنداء، قدموا من جهات ومشارب مختلفة، ولم يكن وجودهم في الورش مجرد يد عاملة مجانية، بل تحول الموقع إلى ما يشبه مدرسة وطنية مفتوحة؛ إذ كان المتطوعون يتلقون إلى جانب العمل الميداني دروسًا تربوية ونظرية وتداريب مدنية وعسكرية، ويتعلمون الانضباط والتعاون والعمل الجماعي والتضحية وخدمة الصالح العام، بينما كان ولي العهد مولاي الحسن حاضرًا في التعبئة والإشراف والتحفيز. 
 
لم يكن ورش طريق الوحدة مجرد تعبئة رمزية للشباب، بل كان مشروعًا ميدانيًا منظمًا بدقة وفي زمن قياسي؛ فقد انطلقت الأشغال في 5 يوليوز 1957، وبعد ما يزيد قليلًا على ثلاثة أشهر كان الطريق جاهزًا في مطلع أكتوبر من السنة نفسها، بعدما أنجز الشباب المتطوعون المقطع الرابط بين تاونات وكتامة على مسافة تقارب 60 كيلومترًا وفق وثائق المشروع والمصادر الرسمية، وإن كانت بعض الكتابات التي تتناول كامل المحور بين المنطقتين تشير إلى نحو 80 كيلومترًا. وكانت أهمية الطريق تتجاوز المسافة نفسها، لأنها فتحت اتصالًا بريًا مباشرًا بين مناطق كانت قبل الاستقلال موزعة بين منطقة الحماية الفرنسية في الوسط والجنوب ومنطقة الحماية الإسبانية في الشمال، وساهمت في تسهيل الربط بين فاس وعمق الريف في اتجاه الحسيمة، بعدما كانت الحدود الاستعمارية القديمة تعرقل الحركة بين المجالين. 
 
ولم يُزج بنحو 12 ألف شاب دفعة واحدة في الورش، بل قُسِّموا إلى ثلاث دفعات متعاقبة، بمعدل يقارب أربعة آلاف متطوع في كل شهر، بحيث يقضي كل فوج نحو شهر في موقع العمل، ويوزع أفراده على المخيمات والأوراش الممتدة على طول المسار لإنجاز الحفر وتهيئة المسالك وتسوية الأرض والمساهمة في مختلف الأشغال، بالتوازي مع تلقيهم دروسًا في التربية الوطنية والتكوين المدني والتقني وبعض التداريب العسكرية؛ ولذلك لم تكن طريق الوحدة طريقًا بنتها سواعد الشباب فقط، بل كانت، كما لخّصت فلسفتها آنذاك، ورشًا يبني فيه الشباب الطريق، وفي الوقت نفسه تبني الطريق جيلاً جديدًا من شباب المغرب المستقل.
 
وقد وصفت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير هذه التجربة بأنها نموذج في العمل التطوعي وفضاء لإعداد الإنسان المغربي على قيم المواطنة والمبادرة والعطاء.
 
وتكمن عظمة تلك التجربة في أن الدولة لم تقل للشباب فقط: أنتم مستقبل المغرب، ثم تركتهم ينتظرون المستقبل؛ بل وضعت أمامهم مشروعًا حقيقيًا وقالت لهم، بالمعنى العملي: هذا وطنكم، وهذه أرضه، وهذه أدوات البناء، شاركوا في صنعه.
 
لهذا ظلت طريق الوحدة أكبر من طريق، لأنها جسدت فكرة سياسية وتربوية شديدة العمق: أن أفضل وسيلة لترسيخ الوطنية لدى الشباب ليست الإكثار من تلقينهم معنى الوطن، وإنما إشراكهم في بنائه.
 
ومن هنا يحق لنا، بعد سبعة عقود تقريبًا، أن نطرح سؤالًا لا يخلو من المرارة: أين هي "طرق الوحدة" الجديدة التي نقدمها لشباب 2026؟ ما هي الأوراش الكبرى التي يستطيع شاب اليوم أن يرى نفسه فاعلًا فيها، لا مجرد متفرج عليها؟
 
جيل الاستقلال لم يحمل المعول فقط… بل بنى كذلك صوته الطلابي والسياسي
 
وفي السنة نفسها التي ولد فيها عيد الشباب تقريبًا، بدأت تتشكل واحدة من أهم المؤسسات الشبابية في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب الحديث، مع تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1956، الذي نشأ في سياق الانتقال من مقاومة الاستعمار إلى بناء الدولة، واهتم في مراحله الأولى بالقضايا الجامعية والاجتماعية للطلبة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي وفكري مؤثر، وأن تعرف ساحته صراعات واتجاهات إيديولوجية مختلفة.
 
وهذه محطة مهمة لأنها تؤكد أن شباب المغرب لم يكونوا منذ الاستقلال كتلة صامتة تتلقى القرارات، بل كانوا جزءًا من النقاش حول المدرسة والجامعة والديمقراطية والمجتمع والعدالة والسياسة، وأحيانًا دخلت الحركة الطلابية والدولة في مواجهات وتوترات حادة، لكن ذلك كله أصبح جزءًا من التاريخ المغربي، وأثبت أن الشباب حين لا يجدون مكانهم داخل المؤسسات يبحثون عن فضاءات أخرى للتعبير.
 
وهنا يظهر وجه آخر للاهتمام بالشباب: ليس المطلوب فقط توفير المدرسة والرياضة والترفيه، وإنما الاعتراف بحق الشاب في أن يكون له رأي وصوت وموقف، حتى عندما يكون ذلك الرأي ناقدًا أو مختلفًا.
 
سنة 1975 جيل آخر سار نحو الجنوب في أكبر تعبئة شعبية عرفها المغرب الحديث
 
وجاءت المسيرة الخضراء سنة 1975 لتقدم صورة أخرى لقدرة المغرب على تعبئة مواطنيه، ومن بينهم أعداد كبيرة من الشباب والشابات، وراء قضية وطنية جامعة.
 
فبعد إعلان الملك الراحل الحسن الثاني عن المسيرة في أكتوبر 1975، توجه 350 ألف متطوع ومتطوعة يوم 6 نونبر نحو الأقاليم الجنوبية في واحدة من أكبر التعبئات الشعبية السلمية في تاريخ المغرب الحديث. ترافقهم وترعاهم 70 ألف مدني وعسكري. 
 
وبين طريق الوحدة والمسيرة الخضراء مسافة ثمانية عشر عامًا، لكن الروح تكاد تكون واحدة: في التجربتين لم يكن المواطن، والشاب ضمنه، مجرد متلقٍ للحدث، وإنما كان جزءًا من صناعة الحدث نفسه.
 
في طريق الوحدة كان يحمل المعول، وفي المسيرة الخضراء حمل العلم والمصحف وصورة رمز البلاد حينها الملك الحسن الثاني؛ وفي الحالتين كان يشعر بأن هناك قضية أكبر من الفرد تجمعه بغيره، وأن له دورًا مباشرًا فيها.
 
بطالة الشباب قضية دولة… إحداث المجلس الوطني للشباب والمستقبل
 
لكن الأجيال تغيرت، والمغرب نفسه تغير، ومع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بدأ سؤال مختلف يفرض نفسه: ماذا بعد المدرسة والجامعة؟ وأين سيعمل الشباب الذين يتخرجون كل سنة؟
 
وهكذا برزت بطالة الشباب وحاملي الشهادات باعتبارها مشكلة اجتماعية وسياسية لا يمكن معالجتها بالشعارات وحدها، فتم إحداث المجلس الوطني للشباب والمستقبل سنة 1991، لينكب على قضايا البطالة وإدماج الشباب والتكوين والتشغيل، وهو ما يعكس إدراك الدولة في تلك المرحلة أن ملف الشباب لم يعد مجرد ملف ثقافي ورياضي، وإنما أصبح في قلب الاقتصاد وسوق الشغل والاستقرار الاجتماعي.
 
وهذه أيضًا محطة لا ينبغي المرور عليها بسرعة، لأن التحول كان عميقًا: فالشاب الذي كان المغرب سنة 1957 يطلب منه أن يتطوع لبناء الطريق، أصبح في التسعينيات يطرق باب الدولة مطالبًا بأن يجد طريقًا إلى العمل.
 
محمد السادس… "الشباب الثروة الحقيقية" لكن الثروة تحتاج إلى تعليم وشغل وثقة.
 
ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، استمرت مركزية الشباب في الخطاب الملكي، وانتقل عيد الشباب إلى 21 غشت، تاريخ ميلاد الملك، دون أن تتغير الفلسفة الأصلية للمناسبة.
 
بل إن الملك محمد السادس قدم في أكثر من مناسبة تعريفًا واضحًا لما ينبغي أن يعنيه الاهتمام بالشباب، واعتبرهم "الثروة الحقيقية للبلاد"، مؤكدًا في خطاب 20 غشت 2018 أن مطالبة الشاب بأداء دوره لا معنى لها إذا لم تتوفر له الفرص والمؤهلات، وأن الأمر يتعلق بأشياء ملموسة في التعليم والشغل والصحة، وقبل ذلك بالثقة والأمل في المستقبل. كما دعا آنذاك إلى إصلاح برامج تشغيل الشباب، وإعادة النظر في التكوين المهني، وتشجيع المقاولات والتشغيل الذاتي وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل.
 
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: المغرب لم يكن خلال العقود الماضية خاليًا من البرامج والمؤسسات والخطب والمبادرات الموجهة للشباب، بل على العكس، تراكمت برامج التعليم والتكوين المهني والتشغيل والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ودعم المقاولات والرياضة والثقافة وغيرها، لكن الاهتمام لا يقاس فقط بعدد البرامج التي نطلقها، بل بعدد الشباب الذين تغيرت حياتهم بفضلها.
 
فما قيمة برنامج تشغيل لا يصل إلى العاطل؟ وما قيمة مركز للشباب إن لم يجد فيه الشاب ما يجذبه؟ وما قيمة مدرسة إذا خرج منها المتعلم دون كفايات تسمح له ببناء مستقبله؟ وما قيمة خطاب عن الأمل إذا ظل الشاب يرى الهجرة أقرب إليه من فرصة عمل في مدينته؟
 
20 فبراير 2011…انتقل جزء من الشباب من انتظار الحلول إلى المطالبة بها في الشارع
 
ثم جاءت سنة 2011، ودخل الشباب المغربي مرحلة جديدة من التعبير السياسي والاجتماعي.
 
فمع موجة الاحتجاجات التي عرفها العالم العربي، ظهرت حركة 20 فبراير التي اعتمدت بدرجة كبيرة على الشباب وعلى شبكات التواصل الاجتماعي في التعبئة، وخرجت مظاهرات في مدن مغربية مطالبة بإصلاحات سياسية ودستورية واجتماعية، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وتحسين ظروف العيش وتشغيل العاطلين وتوسيع الخدمات الاجتماعية.
 
ولم يكن شباب 20 فبراير يحمل المعاول كما حملها شباب طريق الوحدة، بل حمل الهواتف واللافتات؛ ولم يكن المطلوب هذه المرة فتح طريق بين تاونات وكتامة، وإنما فتح طرق جديدة أمام المشاركة السياسية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
 
وجاء خطاب 9 مارس 2011 ليطلق مسار المراجعة الدستورية الذي انتهى إلى دستور جديد في السنة نفسها. ومن غير الدقيق اختزال الإصلاح الدستوري كله في احتجاجات 20 فبراير وحدها، كما سيكون من غير الدقيق تجاهل أن الحركة والسياق الإقليمي والاحتجاجي شكلا جزءًا أساسيًا من المناخ الذي جعل الإصلاح أكثر استعجالًا.
 
وهنا تتكرر الرسالة التاريخية نفسها بأداة أخرى: عندما يجد الشباب قناة للمشاركة يعبرون من خلالها، وعندما تضيق القنوات يبحثون عن غيرها.
 
من حراك الريف وجرادة إلى جيل جديد لا ينتظر الأحزاب
 
ولم تنته دينامية التعبير الشبابي بانحسار حركة 20 فبراير، فقد عادت المطالب الاجتماعية والمجالية بقوة في حراك الريف خلال 2016 و2017، ثم في احتجاجات جرادة سنة 2018، وكانت قضايا الشغل والخدمات والتنمية والعدالة المجالية في صلب جانب مهم من تلك التحركات. وقد اعتبرت تقارير دولية تلك الاحتجاجات من أبرز موجات التعبئة الاجتماعية التي عرفها المغرب بعد أحداث 2011.
 
لكن التحول الأكبر لم يكن فقط في المطالب، بل في الوسيط؛ فجيلاً جديدًا كان يتكون في صمت، لا يقرأ الصحيفة بالطريقة التي قرأها أبوه، ولا ينتظر بلاغ حزب أو نقابة كي يحدد موقفه، ولا يحتاج بالضرورة إلى مقر واجتماع وهيكل تنظيمي حتى يتحرك.كان الهاتف يتحول إلى مقر، والمنصة الرقمية إلى ساحة عمومية.
 
وفي أواخر شتنبر 2025 ظهر اسم جيل زيد في المغرب. حركة شبابية لامركزية نشأت وتعبأت بدرجة كبيرة عبر منصات التواصل، وخصوصًا "ديسكورد" و"تيك توك" و"إنستغرام"، ورفعت مطالب تركز على الصحة والتعليم والشغل والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. وشهدت عدة مدن احتجاجات، كان بعضها سلميًا، بينما عرفت مناطق أخرى أعمال عنف وصدامات وخسائر بشرية ومادية واعتقالات. لكن الرسالة السياسية والاجتماعية الأعمق كانت واضحة: جيل جديد يريد أن يُسمع، لكنه لم يعد يثق بالضرورة في الوسائط التقليدية التي كانت تنقل صوت الأجيال السابقة. واللافت أن الحكومة أعلنت آنذاك تفهمها للمطالب الاجتماعية ، فيما أكد الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان يوم 10 أكتوبر 2025 أولوية توفير فرص الشغل للشباب والنهوض بالتعليم والصحة، وهي الملفات نفسها التي كانت في قلب التعبيرات الشبابية.
 
وهنا يمكن أن نسأل: هل تغيرت مطالب الشباب كثيرًا؟. في 1991 كانت القضية تشغيل الشباب وفي 2011 كان الشعار الكرامة والعدالة والشغل 
وفي 2018 كان الخطاب الرسمي يتحدث عن التعليم والتكوين والتشغيل والثقة. وفي 2025 خرج جيل زيد مطالبًا بالصحة والتعليم والشغل. وهذا التكرار ينبغي ألا يمر علينا مرور الكرام.
 
ثم جاءت سبتة… أخطر الرسائل لأنها لم تُكتب على لافتة. لكن ما وقع في شمال المغرب خلال صيف 2026 يفرض علينا أن نتوقف طويلًا.
 
ففي موجة العبور الجماعي نحو سبتة في أواخر يوليوز، توجه عشرات الآلاف إلى المنطقة الحدودية، وكان بين العابرين والمشاركين في المحاولات عدد كبير من الشباب والقاصرين، وانتهت الأحداث بمآسٍ إنسانية وعودة الغالبية إلى المغرب وبقاء آلاف داخل المدينة، وبينهم أكثر من ألف قاصر غير مصحوب وفق المعطيات التي تداولتها السلطات والتقارير الإسبانية. 
 
وموجة سبتة ليست "حركة شبابية" بالمعنى السياسي، لأن دوافع الهجرة معقدة ومتعددة؛ لكن وجود هذا العدد من الشباب والقاصرين المستعدين للمخاطرة بالبحر والحدود يجعل منها، شئنا أم أبينا، رسالة اجتماعية يجب قراءتها.
 
فالاحتجاج يكتب مطالبه على لافتة. أما الهجرة اليائسة فلا تكتب شيئًا. والشاب الذي يهتف في ساحة يمكن محاورته، أما الشاب الذي يلقي بنفسه في البحر فقد يكون قد وصل إلى مرحلة لم يعد ينتظر فيها الحوار أصلًا.
 
من معول طريق الوحدة إلى شاشة الهاتف ثم إلى أسوار سبتة… ماذا تغير؟
 
ربما تختصر هذه الصور السبعين سنة الماضية أكثر مما تفعل مئات التقارير.
شاب سنة 1957 يحمل معولًا و يبني طريق الوحدة.
شاب سنة 1975 يسير في المسيرة الخضراء 
طالب الستينيات والسبعينيات يناقش ويجادل ويحتج داخل الجامعة. 
شاب التسعينيات يحمل شهادته ويبحث عن العمل.
شاب سنة 2011 يحمل لافتة 20 فبراير.
 
شاب سنة 2025 يحمل هاتفًا ويدخل إلى "ديسكورد" لينظم احتجاجه.
ثم نرى في سنة 2026 شابًا أو قاصرًا يقف عند شاطئ الفنيدق وينظر إلى سبتة.
 
هذه ليست صورة لتراجع قيمة الشباب المغربي، ولا دليلًا آليًا على ضعف الوطنية أو الانتماء؛ بل هي دليل على أن قنوات التعبير عن الطاقة الشبابية تغيرت، وأن السؤال الحقيقي هو أين نوجه هذه الطاقة.
 
فالشباب الذين بنوا طريق الوحدة لم يكونوا بالضرورة أفضل فطرة من شباب اليوم، وإنما وجدوا مشروعًا واضحًا ومكانًا داخله ودورًا يعترَف بهم من خلاله.
 
وشباب اليوم ليسوا أقل استعدادًا للبناء؛ فهم ينجحون في الجامعات والمقاولات والتكنولوجيا والرياضة والفنون والبحث العلمي داخل المغرب وخارجه، لكنهم يريدون أن يشعروا بأن الكفاءة تفتح الأبواب، وأن الاجتهاد يؤدي إلى الارتقاء، وأن المدرسة تقود إلى فرصة، وأن القانون يحمي الجميع، وأن منطقتهم ليست محكومة بالتهميش لمجرد بعدها عن المركز، وأن صوتهم يسمع قبل أن يتحول إلى صراخ.
 
عيد الشباب يجب أن يكون يوم محاسبة وطنية
 
ولهذا فإن أفضل احتفال بعيد الشباب ليس أن نقول للشباب مرة كل سنة إنهم مستقبل البلاد، ثم نعود في اليوم التالي إلى الملفات نفسها.
 
عيد الشباب، في فلسفته الأصلية، كان أكبر من ذلك بكثير. محمد الخامس أراده رهانًا على الجيل الذي سيبني المغرب المستقل.
 
الحسن الثاني جعل الشباب شريكًا في أوراش وطنية كبرى، ثم واجه في نهاية عهده سؤال البطالة بإحداث مؤسسة خاصة بالشباب والمستقبل.
ومحمد السادس جعل في خطبه المتعاقبة التعليم والتكوين والعمل والصحة والثقة والأمل شروطًا لقيام الشباب بدورهم الوطني. بل أوصى بدعم انخراط الشباب في العمل السياسي. وأمر بتقديم الدعم المالي واللوجستيكي لترشيح الشباب في كل الاستحقاقات الوطنية. بدءا بالانتخابات التشريعية ومرورا بالانتخابات الجماعية وغيرها. ووصولا إلى تقلد مناصب القيادة والريادة. 
 
21 غشت هو موعد موعد وطني سنوي لتقييم أوضاع الشباب المغربي؟
 
موعد نعرف فيه ماذا فعلنا خلال سنة لتقليص البطالة، وكم شابًا خرج من وضعية لا دراسة ولا تكوين ولا عمل، وكم مشروعًا شبابيًا نجح، وكم شابًا وجد مسكنًا وعملًا، وكيف تطورت المدرسة والجامعة والتكوين المهني، وماذا فعلنا للشباب في القرى والجبال والمناطق الحدودية، وما الذي يجعل شابًا يرفض الهجرة وآخر يحلم بها وثالثًا يخاطر بحياته من أجلها.
 
أنه المعنى العميق لعيد الشباب. نحتاج طريق وحدة جديدة.
لكن طريق 2026 ليست بالضرورة طريقًا من الإسفلت والحجارة 
إنها طريق بين المدرسة وسوق العمل حتى لا يضيع الطالب بين شهادة وبطالة.
وطريق بين القرية والمدينة حتى لا يكون مكان الميلاد حكمًا مسبقًا على المستقبل.
وطريق بين الشباب والمؤسسات حتى لا تصبح شبكات التواصل هي الوسيط الوحيد بينهما.
وطريق بين الكفاءة والفرصة حتى يعرف الشاب أن ما يحدد مستقبله هو جهده واستحقاقه.
وطريق بين المغرب وأبنائه حتى لا يصبح البحر أقصر طريق يراه بعضهم نحو الحلم.
 
إن أعظم درس تركته طريق الوحدة ليس أن 12 ألف شاب استطاعوا شق طريق وسط الجبال، بل أن الدولة حين أعطتهم قضية ودورًا وثقة، تحولت طاقتهم إلى إنجاز بقي اسمه سبعين سنة بعدهم.
وهذه هي الرسالة التي يجب أن يحملها عيد الشباب اليوم. لسنا في حاجة إلى شباب نصفق لهم، بل إلى شباب نثق بهم.
لسنا في حاجة إلى شباب نطلب منهم أن ينتظروا المستقبل، بل إلى شباب نسمح لهم بالمشاركة في صنعه.
ولسنا في حاجة إلى أن نسأل بعد كل احتجاج أو كل موجة هجرة: ما الذي أصاب شبابنا؟
بل ربما علينا أن نسأل أولًا: ماذا قدمنا لشبابنا حتى لا يتحول حلم بناء الوطن إلى حلم مغادرته؟
 
فبين شاب حمل معوله في طريق الوحدة، وشاب حمل خطابات ولافتات احتجاجية ومطالب اجتماعية واقتصادية وتربوية بالشارع العام ، وشاب حول كل إلى العالم الرقمي، وشاب حمل جسده فوق مياه البحر الأبيض المتوسط... تغيرت الوسائل والظروف والأجيال، لكن الحقيقة لم تتغير 
 
الشباب طاقة هائلة؛ إما أن نوفر لها طريقًا نحو البناء، أو ستبحث بنفسها عن طريق آخر.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار