Quantcast
2023 ماي 26 - تم تعديله في [التاريخ]

وصفة تطيل عمر الأزمة وتزيدها استفحالا


العلم الإلكترونية - بقلم عبد الله البقالي

لا يجد الأوروبيون من حل للورطة التي وجدوا أنفسهم فيها غير بذل محاولات متكررة لتمديد عمرها، ولا يملكون غير تناول مزيد من أقراص مهدئة للأوجاع الاقتصادية والتخفيف من آلامها، غير الالتجاء في كل مرة إلى الرفع من معدلات الفائدة. ولم يعد الخلاف في شأن هذه الآلية إلا على نسبتها. إذ هناك من يقترح جرعات كثيرة للتخفيف من الآلام بأكبر نسبة ولمدة طويلة، في حين يرى آخرون أن المبالغة في الجرعات من هذا الدواء المسكن قد تكون له آثار سلبية، وقد يؤدي الإفراط في الجرعات إلى ما لا يحمد عقباه .

في هذا السياق، أكدت مصادر وثيقة الاطلاع أن المصرف المركزي الأوروبي يتجه بخطى ثابتة نحو الإعلان قريبا عن قرار رفع جديد لمعدلات الفائدة، لمواجهة خطر تواصل ارتفاع حجم التضخم والتقلبات في الأسواق. وهكذا سيضطر المصرف الأوروبي إلى الالتجاء إلى وسيلة الرفع من معدلات الفائدة للمرة السابعة خلال فترة وجيزة، و هو يحتمي في هذا القرار بعدما فشلت توقعاته المتعلقة بمؤشر أسعار الاستهلاك، الذي لا يزال أعلى من مستوى 2 بالمائة الذي حدده المصرف هدفا له. وليس هناك أي تأكيد من أن اضطرار المصرف الأوروبي إلى استعمال الكي بهدف القضاء على فيروس التضخم الذي ينخر جسد الاقتصاد الأوروبي لن يكون الأخير، لأن لا أحد قادر على توجيه التطورات المتسارعة المتعلقة بالأسواق العالمية وبأسعار المواد الاستهلاكية والطاقية بالخصوص .

قرار زيادة جديدة فــي سعر الفائدة التي يجري الاختلاف حــول نسبتها ما بين 25 و 50 بالمائة، يعني رفع كلفة الاقتراض مما سيترتب عنه انخفاض في قيمة القروض، مما سيكون عاملا حاسما في نقص السيولة المالية. وأمام تواتر قرارات الرفع من معدلات الفائدة، فإن السيولة في الأسواق المالية تزداد شحا وانخفاضا بما يراهن عليه من أجل كبح جماح غول التضخم ، الذي يلاحق الاقتصاد العالمي ، خصوصا الاقتصاد الأوروبي بالتحديد .

قرار المصرف المركزي الأوروبي يعني تقليصا جديدا في القروض الممنوحة مما سينعكس مرة أخرى على حجم الاستثمارات الخاصة والعمومية في القارة العجوز، حيث ستكون له تداعيات على المشاريع الخاصة والعمومية، وهذا يعني بدوره زيادة مرتقبة في تقليص مناصب الشغل، وتراجعا كبيرا في القدرة الشرائية للأفراد في ظروف مادية صعبة، اكتوى بنيرانها ذوو الدخل المحدود والمتوسط من أفراد الطبقة المتوسطة والمعوزة .

لكن ما تخفيه القرارات المتتالية للأوساط المصرفية في القارة العجوز، وفي كثير من دول العالم، يكمن في عجز حكومات الدول الأوروبية بالخصوص على إيجاد الحلول الحقيقية لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي تدور رحاها فوق تراب القارة العجوز، والتي تسببت في اختلالات عميقة في سلاسل الإنتاج والتسويق في العالم، حيث يتضح أن الدول الأوروبية تكتفي لحد الآن بدفع فاتورة حرب تمثل لحظة صدام حقيقية بين القوى العسكرية والاقتصادية العالمية، والتي وجدت نفسها فيها مجرد قوى تابعة تفتقد إلى القوة و القدرة على تصدي حقيقي لما يحدث ويجري بين القوى العظمى المتحكمة الفعلية في النظام العالمي السائد . بما يعني أن الصورة التي اجتهدت حكومات الدول الأوروبية من أجل تسويقها على نفسها ليست صحيحة ولا صادقة، بل بالعكس، اتضح أنها ليست قادرة على تدبير مصالحها الاقتصادية في لحظات الأزمات، وأن قوتها المالية والاقتصادية التي اكتسبتها من تكتلاتها جد محدودة، وأنها تبقى في نهاية المطاف رهينة الاقتصادات العالمية الكبرى، خصوصا الاقتصاد الأمريكي الذي يبدو أقل تضررا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الرغم من أنها الطرف الرئيسي المعني بهذه الحرب .

التجاء المصرف المركزي الأوروبي إلى الرفع من معدلات الفائدة للمرة السابعة في مدة لا تتجاوز سنة واحدة، يؤكد أن اضطراره للرفع من معدلات الفائدة لست مراتٍ سابقة بذريعة الحد من غول التضخم لم يكن الوصفة العلاجية للوعكة الصحية الخطيرة التي أصابت الاقتصاد الأوروبي، و أن الأمر لا يعدو مرة أخرى مجرد مسكن ظرفي لأوجاع الاقتصاد الأوروبي. و رغم ذلك فإنه يصر على إضافة جرعة من هذا المسكن، في انتظار قرارات أخرى مشابهة يبدو أنها لا تخيف غول التضخم و لا تمثل حلا حقيقيا لطبيعة التداعيات المترتبة عن حرب أضحت التطورات المتعلقة بها أخبارا عادية توارت أهميتها في اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، لتصبح أخبارا لا تختلف عن أخبار أحداث و تطورات كثيرة مستجدة في الأوضاع الدولية .

إن الاسترسال في قرارات رفع معدلات الفائدة من طرف الأوساط المصرفية الأوروبية يؤشر على أن الدول الأوروبية تقبل بمواصلة دفع فاتورة حرب لا تملك القوة على حسمها و تراهن على قوى أجنبية لإنهائها.

              



في نفس الركن
< >

الاحد 9 يونيو 2024 - 12:49 اتسع الخرق على الراقع..
















MyMeteo



Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار