2026 مارس 16 - تم تعديله في [التاريخ]

22‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا

صعود‭ ‬مدريد‭ ‬إلى‭ ‬رابع‭ ‬أكبر‭ ‬مستثمر‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬وتكامل‭ ‬صناعي‭ ‬يقوده‭ ‬قطاعا‭ ‬السيارات‭ ‬والنسيج


الرباط‭ ‬أنس‭ ‬الشعرة

 

دخلت‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬مرحلة‭ ‬الاندماج‭ ‬البنيوي،‭ ‬متجاوزةً‭ ‬الأنماط‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬للتبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬بلدين‭ ‬جارين،‭ ‬لتستقر‭ ‬في‭ ‬مربع‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الشاملة‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬نجحت‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬محور‭ ‬إنتاجي‭ ‬مترابط‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬التقارب‭ ‬الصناعي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الضفتين‭ ‬فضاء‭ ‬واحدا‭ ‬لتقاطع‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬وصناعات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الجذري‭ ‬لم‭ ‬يعزز‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مناعة‭ ‬البلدين‭ ‬أمام‭ ‬التقلبات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الراهنة،‭ ‬بل‭ ‬دفع‭ ‬بالشراكة‭ ‬الثنائية‭ ‬لتصبح‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬المبادلات‭ ‬عبر‭ ‬المتوسط،‭ ‬محولةً‭ ‬الجغرافيا‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬حدود‭ ‬مشتركة‭ ‬إلى‭ ‬جسر‭ ‬للاعتماد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المتبادل‭.‬
 

وتُظهر‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحدثة‭ ‬لعام‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬الثنائي‭ ‬استقر‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬قياسية‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬22‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬نموا‭ ‬في‭ ‬الكم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬السلع‭ ‬المتبادلة‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬والمنتجات‭ ‬التقنية‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬المشهد‭. ‬
 

وبالتوازي‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الزخم،‭ ‬سجلت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬بارتقاء‭ ‬الجار‭ ‬الشمالي‭ ‬إلى‭ ‬المركز‭ ‬الرابع‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭ ‬بالمغرب،‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬تقنية‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬قرب‭ ‬احتلاله‭ ‬المركز‭ ‬الثالث،‭ ‬مما‭ ‬يكرس‭ ‬الثقة‭ ‬السيادية‭ ‬في‭ ‬استدامة‭ ‬النمو‭ ‬بالسوق‭ ‬المغربية‭ ‬وتزايد‭ ‬اندماج‭ ‬الشركات‭ ‬الإسبانية‭ ‬في‭ ‬النسيج‭ ‬الإنتاجي‭ ‬الوطني‭.‬
 

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬على‭ ‬أرقام‭ ‬المقاولات،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬ليعيد‭ ‬توازن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الماكرو‭-‬اقتصادية‭ ‬للمملكة،‭ ‬حيث‭ ‬أسهم‭ ‬التدفق‭ ‬القوي‭ ‬للصادرات‭ ‬المغربية‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬العالية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاعي‭ ‬السيارات‭ ‬والنسيج،‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬معدل‭ ‬التغطية‭ ‬التجاري‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭. ‬
 

وتشير‭ ‬أحدث‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬انتقال‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الموارد‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬تصدير‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية‭ ‬المدمجة‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬وفر‭ ‬تدفقات‭ ‬مستدامة‭ ‬من‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬مما‭ ‬خفف‭ ‬الضغط‭ ‬الهيكلي‭ ‬على‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬ومنح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المغربي‭ ‬هامشاً‭ ‬للمناورة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسعار‭ ‬العالمية،‭ ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الإسبانية‭ ‬باتت‭ ‬تتجه‭ ‬بشكل‭ ‬متسارع‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬كالهيدروجين‭ ‬الأخضر‭ ‬والطاقات‭ ‬المتجددة‭.‬
 

وفي‭ ‬سياق‭ ‬هذا‭ ‬التكامل،‭ ‬يلعب‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬والربط‭ ‬البحري‭ ‬المتطور‭ ‬بين‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬والموانئ‭ ‬الإسبانية‭ ‬دور‭ ‬المحرك‭ ‬غير‭ ‬المرئي‭ ‬للشراكة،‭ ‬إذ‭ ‬أدت‭ ‬كفاءة‭ ‬المنظومة‭ ‬اللوجستية‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬كلفة‭  ‬الشحن‭ ‬وزمن‭ ‬التوريد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬إيجابا‭ ‬على‭ ‬ميزان‭ ‬الخدمات‭ ‬وعزز‭ ‬من‭ ‬تنافسية‭ ‬المنتجات‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬الأوروبي‭. ‬
 

ويتجسد‭ ‬هذا‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تعمل‭ ‬كورشة‭ ‬واحدة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬النسيج‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬فيه‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬إمداد‭ ‬رئيسية‭ ‬لشركات‭ ‬الموضة‭ ‬الإسبانية،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬الذي‭ ‬كرس‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬كضامن‭ ‬للأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬الإسباني‭ ‬بوارادت‭ ‬تجاوزت‭ ‬188‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬من‭ ‬الخضر‭ ‬والفواكه‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭.‬
 

ويرى‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬تمثل‭ ‬تهيئة‭ ‬لمرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬الشامل،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الكبرى‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتنظيم‭ ‬كأس‭ ‬العالم ‭. ‬2030

ومن‭ ‬المرتقب‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬القادمة‭ ‬طفرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المشتركة‭ ‬والربط‭ ‬القاري،‭ ‬مما‭ ‬سيحول‭ ‬فضاء‭ ‬غرب‭ ‬المتوسط‭ ‬إلى‭ ‬قطب‭ ‬اقتصادي‭ ‬عالمي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬إمكانات‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭ ‬واحتياجات‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية،‭ ‬ويجعل‭ ‬من‭ ‬الشراكة‭ ‬بين‭ ‬الرباط‭ ‬ومدريد‭ ‬نموذجاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬ملهماً‭ ‬للتكتلات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الناشئة‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬الجوار‭ ‬نحو‭ ‬المصير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الواحد‭.‬

 




في نفس الركن