الرباط أنس الشعرة
دخلت العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا خلال الربع الأول من عام 2026 مرحلة الاندماج البنيوي، متجاوزةً الأنماط الكلاسيكية للتبادل التجاري بين بلدين جارين، لتستقر في مربع الشراكة الاستراتيجية الشاملة. ففي ظل التحولات التي طرأت على سلاسل الإمداد العالمية، نجحت الرباط ومدريد في بناء محور إنتاجي مترابط يرتكز على منطق التقارب الصناعي، وهو ما جعل من الضفتين فضاء واحدا لتقاطع تدفقات الاستثمار وصناعات القيمة المضافة. هذا التحول الجذري لم يعزز فقط من مناعة البلدين أمام التقلبات الجيوسياسية الراهنة، بل دفع بالشراكة الثنائية لتصبح حجر الزاوية في استقرار المبادلات عبر المتوسط، محولةً الجغرافيا من مجرد حدود مشتركة إلى جسر للاعتماد الاقتصادي المتبادل.
وتُظهر المؤشرات الاقتصادية المحدثة لعام 2026 أن حجم التبادل التجاري الثنائي استقر عند مستويات قياسية تقترب من 22 مليار دولار، وهو رقم لا يعكس نموا في الكم فقط، بل يشير إلى تحول عميق في نوعية السلع المتبادلة حيث باتت الصناعات التحويلية والمنتجات التقنية تهيمن على المشهد.
وبالتوازي مع هذا الزخم، سجلت الاستثمارات الإسبانية في المملكة قفزة نوعية بارتقاء الجار الشمالي إلى المركز الرابع في قائمة المستثمرين الأجانب بالمغرب، مع توقعات تقنية تشير إلى قرب احتلاله المركز الثالث، مما يكرس الثقة السيادية في استدامة النمو بالسوق المغربية وتزايد اندماج الشركات الإسبانية في النسيج الإنتاجي الوطني.
ولم يقتصر نجاح هذا التقارب على أرقام المقاولات، بل امتد ليعيد توازن المؤشرات الماكرو-اقتصادية للمملكة، حيث أسهم التدفق القوي للصادرات المغربية ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في قطاعي السيارات والنسيج، في تحسين معدل التغطية التجاري بشكل ملموس.
وتشير أحدث البيانات إلى أن انتقال المغرب من تصدير الموارد الخام إلى تصدير المنتجات الصناعية المدمجة في سلاسل القيمة الأوروبية وفر تدفقات مستدامة من العملة الصعبة، مما خفف الضغط الهيكلي على الحساب الجاري ومنح الاقتصاد المغربي هامشاً للمناورة في مواجهة تقلبات الأسعار العالمية، مع الإشارة إلى أن الاستثمارات الإسبانية باتت تتجه بشكل متسارع نحو قطاعات استراتيجية جديدة كالهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة.
وفي سياق هذا التكامل، يلعب القرب الجغرافي والربط البحري المتطور بين ميناء طنجة المتوسط والموانئ الإسبانية دور المحرك غير المرئي للشراكة، إذ أدت كفاءة المنظومة اللوجستية إلى تقليص كلفة الشحن وزمن التوريد، وهو ما انعكس إيجابا على ميزان الخدمات وعزز من تنافسية المنتجات المغربية في العمق الأوروبي.
ويتجسد هذا بوضوح في منظومة صناعة السيارات التي باتت تعمل كورشة واحدة عابرة للحدود، وفي قطاع النسيج الذي تحول فيه المغرب إلى قاعدة إمداد رئيسية لشركات الموضة الإسبانية، وصولاً إلى القطاع الزراعي الذي كرس مكانة المغرب كضامن للأمن الغذائي الإسباني بوارادت تجاوزت 188 ألف طن من الخضر والفواكه في النصف الأول من العام الجاري.
ويرى محللون أن هذه الدينامية الاقتصادية في عام 2026 تمثل تهيئة لمرحلة تاريخية من التكامل الشامل، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الكبرى المرتبطة بتنظيم كأس العالم . 2030
ومن المرتقب أن تشهد السنوات القليلة القادمة طفرة غير مسبوقة في مشاريع البنية التحتية المشتركة والربط القاري، مما سيحول فضاء غرب المتوسط إلى قطب اقتصادي عالمي يربط بين إمكانات القارة الإفريقية واحتياجات السوق الأوروبية، ويجعل من الشراكة بين الرباط ومدريد نموذجاً إقليمياً ملهماً للتكتلات الاقتصادية الناشئة التي تتجاوز مجرد الجوار نحو المصير الاقتصادي الواحد.