Quantcast
2026 سبتمبر 5 - تم تعديله في [التاريخ]

41 توصية معلّقة أمام المجلس الجماعي بطنجة.. حين تتحول رقابة الحسابات إلى سؤال عن الحكامة

41 توصية لم تكن قد نُفذت من أصل 70 في ملف نظافة طنجة خلال مرحلة التتبع، بينما لا يحتاج المواطن إلى تقرير ليرى مستوى الخدمة في شارعه. الكاتب محمد اليطفتي يفتح ملفًا لا يتعلق بالنفايات وحدها، بل بحكامة تجعل الرقابة تكتب والاختلال يستمر، ويسأل المجلس الجماعي والجهات المعنية: ماذا نُفذ بعد ذلك، ومن يحاسب من؟


الكاتب محمد اليطفتي
الكاتب محمد اليطفتي

*بقلم: محمد اليطفتي*

ليس أخطر على تدبير الشأن العام من أن تُكتب الملاحظات، وتصدر التوصيات، ثم لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فوظيفة أجهزة الرقابة لا تنتهي عند تشخيص الاختلالات، كما أن قيمة التقارير الرقابية لا تُقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما تُحدثه من أثر في تصحيح المسار وتحسين أداء المرافق العمومية.

وفي هذا السياق، يكتسي ما سجله المجلس الجهوي للحسابات بشأن تدبير قطاع النظافة بمدينة طنجة دلالة بالغة، بعدما كشف عن عدم تنفيذ 41 توصية من أصل 70 توصية سبق أن صدرت في إطار تتبع تدبير خدمات جمع النفايات المنزلية والنفايات المماثلة لها، والتنظيف، وتدبير المطرح العمومي للمدينة، خلال مرحلة التتبع المعنية.

إن الرقم ليس مجرد معطى إحصائي عابر، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره تفصيلًا تقنيًا يُضاف إلى تقارير المراقبة. فحين تبقى نسبة مهمة من التوصيات دون تنفيذ، فإن الأمر يصبح سؤالًا حقيقيًا حول قدرة منظومة التدبير والتتبع والمراقبة على الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإصلاح.

ولأن الأمر يتعلق بالنظافة، فإن حساسية الموضوع تزداد أكثر. فهذا مرفق لا يُختبر في مكاتب الجماعات ولا في الوثائق الإدارية، وإنما يُختبر في الشارع، وفي الأحياء، وفي الأزقة، وفي محيط الأسواق والمرافق العمومية، وفي الطريقة التي تستقبل بها المدينة سكانها وزوارها. فالنظافة، في نهاية المطاف، ليست خدمة هامشية، بل عنوان من عناوين جودة الحياة ومرآة من مرايا المدينة.

ولذلك، فإن استمرار اختلالات سبق أن رصدتها مؤسسة رقابية يفرض أكثر من مجرد تسجيل الملاحظة. إنه يستدعي مساءلة هادئة ومسؤولة عن أسباب تعثر التنفيذ، وعن طبيعة العراقيل التي حالت دون ترجمة تلك التوصيات إلى إجراءات ملموسة، وعن مدى نجاعة آليات التتبع التي يُفترض أن تضمن احترام الالتزامات وتحسين مستوى الخدمة.

كما أن التدبير المفوض، مهما كانت مزاياه، لا يمكن أن يعني تفويض المسؤولية. فالجماعة، باعتبارها صاحبة المرفق، تظل مطالبة بمراقبة جودة الخدمة، وتتبع تنفيذ الالتزامات التعاقدية، والتأكد من أن المواطن يحصل فعلًا على الخدمة العمومية بالمستوى الذي يستحقه.

ومن هنا، فإن القضية لا ينبغي أن تُختزل في الشركات المفوض إليها تدبير القطاع، ولا في الجماعة وحدها، وإنما في منظومة متكاملة من المسؤوليات، تبدأ بالتعاقد ولا تنتهي إلا عند قياس النتائج، ومحاسبة الأداء، وتصحيح الاختلالات.

طنجة اليوم ليست مدينة عادية. إنها واجهة وطنية ودولية، ومدينة تعرف توسعًا عمرانيًا وسكانيًا متسارعًا، وتستقبل أعدادًا متزايدة من المواطنين والزوار. ومن ثم، فإن تدبير النظافة فيها يحتاج إلى رؤية تتجاوز الحلول الظرفية وردود الفعل الموسمية، نحو حكامة مستدامة تجعل جودة الخدمة هدفًا يوميًا، لا مناسبة مرتبطة بزيارة مسؤول أو حدث معين.

ولعل أهم ما ينبغي استخلاصه من معطيات المجلس الجهوي للحسابات هو أن التوصية الرقابية لا ينبغي أن تتحول إلى وثيقة تنتظر تقريرًا جديدًا لتُذكر من جديد. فالتوصية هي، في جوهرها، دعوة إلى الإصلاح، وقيمتها الحقيقية تبدأ لحظة ترجمتها إلى قرار وإجراء وممارسة.

إن طنجة تحتاج إلى أن تنتقل في تدبير النظافة من منطق تدبير النفايات إلى منطق تدبير المدينة؛ أي من معالجة ما يظهر في الشارع إلى بناء منظومة متكاملة للوقاية والتجميع والنقل والتنظيف والتثمين والمراقبة، ومنطق واضح لتقييم أداء المتدخلين وربط المسؤولية بالنتائج.

وإذا كان المجلس الجهوي للحسابات قد أدى وظيفته الرقابية بتشخيص مكامن الخلل وتتبع مدى تنفيذ التوصيات، فإن الكرة اليوم توجد في ملعب الجهات المعنية. والمطلوب ليس الدفاع عن الماضي، ولا البحث عن مبررات، وإنما العمل من أجل المستقبل: ماذا سيفعل المتدخلون بشأن التوصيات الـ41 التي لم تُنفذ؟ وما الآجال المحددة لذلك؟ وكيف سيُقاس أثر التنفيذ على أرض الواقع؟

فالمواطن لا يحتاج إلى تقارير جديدة بقدر ما يحتاج إلى مدينة أنظف، وخدمة أكثر انتظامًا، ومراقبة أكثر صرامة، ومسؤولية واضحة. وهذه هي الخلاصة التي تجعل من رقم 41 من أصل 70 أكثر من مجرد رقم: إنه جرس إنذار حكاماتي، ورسالة واضحة بأن الرقابة لا تكتمل إلا بالإصلاح، وأن التوصيات لا تكتسب معناها الحقيقي إلا عندما تتحول إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

ملف تدقيق ومخلفات طنجة المهملة
ملف تدقيق ومخلفات طنجة المهملة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار