في خطوة نوعية تترجم أبعاد الدولة الاجتماعية، كشف التقرير السنوي الأول للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لعام 2025 عن حصيلة أرقام غير مسبوقة، تكرس نجاعة السياسات العمومية الموجهة للفئات الهشة بالمملكة، حيث ضخ البرنامج ميزانية ضخمة بلغت 51 مليار درهم منذ انطلاقه، وهو ما يمثل 2% من الناتج الداخلي الخام.
ولم تقتصر ثمار هذا الورش الملكي الطموح على الأثر المالي المستدام الذي تم تدبيره بكلفة رائدة دوليا لا تتعدى 0.84%، بل امتدت لتحدث تحولا ديمغرافيا واجتماعيا عميقا، بغلاف تغطية شمل 3.9 مليون أسرة، أي ما يعادل 42% من الأسر المغربية، مستهدفا أكثر من 12.5 مليون مواطن.
ومن لغة الأرقام هذه، يتضح كيف أعاد البرنامج هيكلة خريطة التضامن الوطني، بتركيزه الدقيق على إنصاف العالم القروي الذي استأثر بنسبة 60% من المستفيدين، وبتوجيه 84% من الدعم لفائدة الـ30% من الساكنة الأكثر هشاشة، لتشكل هذه الحصيلة لبنة أساسية في تعزيز التماسك الاجتماعي وحماية الأجيال الصاعدة وكبار السن على حد سواء.
في هذا السياق، أكد الخبير أمين سامي، في تصريح خاص لجريدة "العلم"، أن تقرير سنة 2025 للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي ليس مجرد حصيلة تقنية، بل إنه إعلان عن انتقال المغرب من منطق الدعم المالي إلى هندسة دولة اجتماعية رقمية، ترابية، وقابلة للقياس.
وأوضح أنه بناء على المعطيات الرقمية، فقد استفاد من الدعم الاجتماعي المباشر حوالي 3.9 مليون أسرة، أي أكثر من 12.5 مليون مواطن، منهم 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون مسن، في حين بلغ مجموع المبالغ المصروفة منذ دجنبر 2023 إلى نهاية 2025 حوالي 51 مليار درهم، بميزانية سنوية تعادل 2% من الناتج الداخلي الخام.
مبينا أن 60% من المستفيدين ينتمون للعالم القروي، وأن 30% من الساكنة الأكثر هشاشة استهدفت بـ84% من هذا الدعم.
وأضاف سامي أن التقرير يقول عمليا إن المغرب قد انتقل من سؤال: "من يستحق الدعم؟"، إلى سؤال أعمق وهو: "كيف نحول المستفيد من وضع هش إلى فاعل اجتماعي واقتصادي؟".
وهذا التوجه يظهر بوضوح في تركيز الوكالة نحو الإدماج المنتج، والمواكبة الفردية، واعتماد نظام المعلومات الجغرافية، والمنصة الرقمية السيادية، وتتبع الأثر الاجتماعي، مشددا على أن الفقر المغربي لم يعد يُدار فقط بالمساعدات، بل بالبيانات والاستهداف والخوارزميات والتراب.
وفي تحليله لأبعاد هذا البرنامج، أشار الخبير إلى أن الدعم لم يعد سياسة اجتماعية معزولة، بل أصبح نقطة تقاطع رئيسية بين عدة مستويات.
أولها الميزانية العامة، حيث إن تخصيص 2% من الناتج الداخلي الخام يعد رقما ثقيلا يعني أن الدولة اختارت شراء الاستقرار الاجتماعي مسبقا بدل دفع كلفة الاحتقان لاحقا.
وثانيها قطاع التعليم، إذ إن وجود 5.5 ملايين طفل داخل البرنامج يجعل من الدعم أداة حقيقية لمنع الهدر المدرسي وبناء الرأسمال البشري، وليس مجرد تحويل نقدي.
أما المستوى الثالث فيتعلق بالعالم القروي الذي يمثل مستفيدوه 60%، ما يجعل الدعم سياسة عدالة مجالية غير مباشرة، مستدركا بأن هذا الدعم لن يكفي إذا لم يربط بالنقل، الصحة، المدرسة، الماء، والتشغيل المحلي.
ويأتي مستوى الرقمنة كرابع هذه النقاط، حيث يحول السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد والمنصة المعلوماتية الحماية الاجتماعية إلى بنية بيانات وطنية يحقق المغرب من خلالها ربحا كبيرا.
كما توقف أمين سامي عند تركيز التقرير على آليات المواكبة، مستشهدا بمبادرات مثل جواز الإدماج والجميع في المدرسة، وهي تجربة تمتد لـ24 شهرا بإقليم الجديدة، وتهدف إلى عدم تحول الدعم الاجتماعي إلى شبكة أمان دائمة، بل إلى مصعد اجتماعي وترقي.
واعتبر في السياق ذاته أن افتتاح أول تمثيلية ترابية نموذجية بالجديدة ليس تفصيلا إداريا عابرا، بل هو بداية انتقال الوكالة من مركزية رقمية إلى دولة اجتماعية قريبة؛ وأنه في حال نجاح هذا النموذج، سنكون أمام شبكة وطنية للمواكبة الاجتماعية شبيهة بمراكز قيادة اجتماعية محلية.
واختتم الخبير تصريحه لجريدة "العلم" بالتأكيد على أن هذا التقرير يستمد قوته من كونه يؤسس لمرحلة جديدة تجمع بين الدعم، البيانات، التراب، المواكبة، وتقييم الأثر.
وخلص إلى أن نجاح هذا الورش لن يقاس بعدد الأسر المستفيدة فقط، بل بعدد الأسر التي ستنجح في الخروج من دائرة الحاجة إلى الدعم، مؤكدا أن هذه هي المعركة الحقيقية.
2026 يونيو/جوان 12 - تم تعديله في
[التاريخ]
51 مليار درهم تعيد هندسة الأمان المعيشي لـ 42% من الأسر المغربية
أمين سامي: البرنامج تجاوز منطق المساعدات الظرفية إلى التأسيس المستدام لركائز الدولة الاجتماعية.
*العلم: شيماء اغنيوة*
في نفس الركن
{{#item}}
{{/item}}
{{/items}}