Quantcast
2026 فبراير 2 - تم تعديله في [التاريخ]

المداومة العمومية بين الشخير والزفير أزمة تنظيم… أم خلل ضمير… أم غياب محاسبة؟‎


العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي 
 
لم يعد الحديث عن اختلالات المداومة العمومية مجرد شكايات معزولة أو انطباعات عابرة، بل تحوّل إلى هاجس يومي يؤرق فئات واسعة من المواطنين، ممن تضطرهم الظروف الصحية أو الأمنية إلى طرق أبواب المرافق العمومية في ساعات الليل أو خلال العطل ونهايات الأسبوع.
 
لم يعد النقاش حديث مجالس مغلقة أو شكايات فردية تُروى على استحياء، بل أصبح موضوعًا عموميًا بامتياز، يتكرر في البيوت، وفي وسائل النقل، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كلما اضطرت أسرة إلى التوجه نحو مستشفى عمومي ليلاً، أو قصدت مصلحة أمنية في ساعة متأخرة، أو وجدت نفسها أمام باب إدارة يفترض أنها في (المداومة) لكنها في الواقع غائبة عن الخدمة.
 
مواطن لا يختار توقيت المرض، ولا يبرمج الحوادث، ولا يقرر متى يقع الاعتداء أو الطارئ الأمني. ومع ذلك، يجد نفسه مطالبًا بالصبر، والانتظار، والتفهم، وربما الاعتذار، فقط لأنه طرق باب المداومة.  
 
في تلك اللحظات الحرجة، حيث يفترض أن تكون المداومة مرادفًا لليقظة، الجاهزية، والاستنفار، يكتشف المرتفق أنه دخل عالمًا مغايرًا. تحكمه ثقافة (الحد الأدنى)، وتُدار فيه الخدمات بمنطق تقليص الجهد لا حماية الأرواح والحقوق.
 
المداومة، في أصلها، ليست امتيازًا إضافيًا يمنح للموظف، ولا عبئًا استثنائيًا يمكن التحايل عليه، بل هي التعبير العملي عن استمرارية الدولة، وعن قدرتها على حماية صحة مواطنيها وأمنهم في كل الأوقات، لا فقط حين تكون الشمس في كبد السماء

المداومة : من خدمة استعجالية إلى زمن مستباح

من الناحية القانونية والتنظيمية، تُعد المداومة امتدادًا طبيعيًا لساعات العمل الرسمية، وركنًا أساسيًا في استمرارية المرفق العمومي. غير أن الواقع يكشف أن هذه الفترات تُعامل، في بعض الإدارات، وكأنها زمن خارج الرقابة، أو مساحة رمادية بين الواجب المهني و (الترخيص الضمني) بالتراخي.
 
هنا يبدأ الانزلاق، حيث الحضور شكلي دون أداء فعلي، النوم داخل المكاتب، تأجيل التدخلات، تعامل فظ أو بارد مع المرتفقين، غياب الإحساس بالاستعجال، واستسهال عبارة ( انتظر إلى الصباح). وكأنه على الطوارئ التي تنتاب المواطنين أن تختار توقيتًا إداريًا مناسبًا
 

المداومة الصحية: حين يُهان الألم

في أقسام المستعجلات، تتجسد هذه الإشكالية بشكل أكثر خطورة. فالمريض الذي يصل منهكًا في ساعة متأخرة، لا يكون في وضع يسمح له بالدخول في مفاوضات نفسية أو بيروقراطية. ومع ذلك، يجد نفسه مطالبًا بالصبر، الصمت، وربما الاعتذار عن إزعاج طبيب نائم أو ممرض في حالة غفوة.
 
الخلل هنا لا يكمن فقط في نقص التجهيزات أو الاكتظاظ، بل في تحوّل بعض المداومين من فاعلين إلى متفرجين، ومن منقذين محتملين إلى عائق إضافي أمام العلاج.
 
وما يزيد من خطورة الوضع، هو تطبيع هذا السلوك، إلى درجة أصبح فيها النوم أثناء المداومة (أمرًا مفهومًا)، لا استثناءً يستوجب المساءلة.
 
فالمريض، الذي يصل محمولًا على أوجاعه في ساعة متأخرة من الليل، يكون في أمسّ الحاجة إلى سرعة التشخيص، ودقة التدخل، وإنسانية التعامل. لكنه يصطدم أحيانًا بواقع قاسٍ.
 
حارس أمن خاص يطرح أسئلة تتجاوز اختصاصه، صمت ثقيل في الممرات، وأبواب موصدة خلفها أطباء أو ممرضون في سبات عميق.
 
وفي حالات كثيرة، يُطلب من المرافقين خفض أصواتهم حتى لا يوقظوا الطبيب النائم. وكأن النوم صار أولوية تتقدم على الألم، وعلى الحالة الصحية التي قد تكون مستعجلة أو حرجة .
 
وعندما يظهر الطبيب أخيرًا، يكون الفحص في كثير من الأحيان سريعًا، سطحيًا، أقرب إلى إجراء شكلي، ينتهي بوصفة طبية جاهزة، أو بإحالة المريض على مستشفى آخر، ليبدأ فصل جديد من المعاناة.
 
هنا لا يتعلق الأمر فقط بنقص الإمكانيات أو الاكتظاظ، بل بثقافة مهنية مقلقة، تُطبّع مع الإهمال، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة، وتفرغ المداومة من معناها الإنساني والمهني.
 
لا أحد يُنكر وجود أطر طبية نبيلة، تشتغل بتفانٍ وتضحية، وتؤدي مهامها في ظروف صعبة، وبإمكانيات محدودة.
 
لكن الإشكال يكمن في أن سلوكيات فئة أخرى، أقل التزامًا، تسيء إلى صورة القطاع ككل، وتضرب الثقة في مرفق حيوي يفترض أن يكون الملاذ الأخير للمواطن. 
 
وما يزيد من خطورة الوضع، هو غياب الإحساس بأن ما يقع خلال المداومة يشكل مساءلة حقيقية، أو قد يترتب عنه جزاء إداري أو مهني، وهو ما يجعل بعض التجاوزات تتكرر دون خوف أو رادع
 

المداومة الأمنية: حين يفقد المواطن الشعور بالحماية

الأمر ذاته ينطلي على بعض أقسام المداومة الأمنية، حيث يفترض أن يشعر المواطن بالأمان لا بالتحرج.
 
لكن واقع بعض الشهادات يكشف عن تعامل جاف، تسويف في التدخل، أو إحساس واضح بأن المرتفق (قطع لحظة راحة) غير معلنة.
 
مواطنون يتوجهون ليلاً إلى مصالح الأمن أو الدرك أو القوات المساعدة، بعد تعرضهم لاعتداء، أو إثر حادثة سير، أو بسبب تهديد أو شجار. يدخلون وهم في حالة نفسية مضطربة، ليجدوا أنفسهم أحيانًا أمام تعامل بارد، أو تسويف، أو إحساس بأن حضورهم غير مرغوب فيه.
 
في مثل هذه الحالات، لا يكون الضرر مادياً فقط، بل نفسيًا ومعنويًا، إذ يُصاب المواطن بفقدان الثقة في المرفق. ويترسخ لديه شعور بأن الأمن يحضر نهارًا ويغيب ليلًا. وهو انطباع، حتى إن لم يكن معممًا، يبقى مقلقًا، لأنه يضرب في العمق الشعور بالأمان، ويزرع الإحباط، ويُضعف الثقة في المؤسسات
 

جذور الأزمة: أين يكمن الخلل؟

الحديث عن المداومة يفرض طرح أسئلة جوهرية. من قبيل (هل الإشكال في التنظيم أم في المراقبة؟)،(هل هو خلل في الموارد البشرية أم في تدبيرها؟)، (هل يعود إلى ضغط العمل أم إلى غياب ثقافة الخدمة العمومية؟)، و(أين تقف المسؤولية الإدارية في ما يقع؟).
 
الأكيد أن الأزمة مركبة، تجمع بين ضعف التأطير، غياب آليات التقييم، تساهل إداري، وقصور في ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما يجعل بعض التجاوزات تتكرر دون خوف من الجزاء
 

المداومة ليست ( وظيفة بنصف المهام)

أحد أخطر التصورات السائدة، هو اعتبار المداومة وقتًا أقل قيمة من ساعات العمل النهارية. وأن المداوم سيؤدي نصف مهامه العادية أو أقل. هذا المنطق يجب أن يُراجع جذريًا، لأن المداومة، في كثير من الأحيان، هي اللحظة الأكثر حساسية في علاقة المواطن بالمرفق العمومي.
 
فإما أن تكون لحظة إنقاذ، أو تتحول إلى لحظة خذلان. وما بين الحالتين، قد تُهدر صحة، أو تُضيع فرصة تدخل، أو تُكسر ثقة. لدى فإصلاح المداومة العمومية ليس خيارًا، بل ضرورة ملحة. 
 
إصلاح يبدأ من اعتبار المداومة وقت عمل رسمي كامل الحقوق والواجبات. وتفعيل المراقبة الليلية بشكل منتظم لا موسمي، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية. وتحفيز الأطر الجادة وحمايتها. و تحسين ظروف العمل دون تحويلها إلى ذريعة للتقصير، مع إشراك المواطن في التبليغ والتقييم.لأن المداومة ليست مجرد جدول زمني، بل اختبار حقيقي لمدى احترام كرامة الإنسان.
 
حين يتحول الشخير داخل المكاتب إلى مشهد عادي، ويصبح الزفير في وجه المواطن سلوكًا مألوفًا، فإننا نكون أمام أزمة ثقة حقيقية، لا أزمة خدمات فقط.
 
المداومة العمومية، في جوهرها، هي وعد والتزام غير مكتوب بين الدولة والمواطن، تلتزم بموجبه، بأن تكون حاضرة حين يحتاجها، ويقِظة حين ينام الجميع، وإنسانية حين يشتد الألم أو الظلم. 
 
وما لم يُعاد الاعتبار لهذا الوعد، سيظل المواطن يتنقل بين المرافق العمومية، حاملاً أوجاعه وتظلماته، متسائلًا بمرارة :  
 
هل المداومة خدمة عمومية… أم مجرد مرقد يدار بسيمفونية الشخير والزفير؟

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار