العلم - محمد بشكار
صحيح أن عين الحبيب تنطق بما يختلج في جوانحه من غرام، ولكن جرِّب أن تمعن التأمل هذه الأيام في أعين الناس، ستجد أن الناطق غير الرسمي من أعماقها الخرساء، هو الجيب بفراغه المهول، خصوصا أيها الظمآن في هذه العشر الأواخر من رمضان !
صحيح أن عين الحبيب تنطق بما يختلج في جوانحه من غرام، ولكن جرِّب أن تمعن التأمل هذه الأيام في أعين الناس، ستجد أن الناطق غير الرسمي من أعماقها الخرساء، هو الجيب بفراغه المهول، خصوصا أيها الظمآن في هذه العشر الأواخر من رمضان !
من ينْكُر أنَّ لا أحد يسمع في البلاد، والسبب الذي لا يحتاج لتعليل نحن.. أجل نحن الذين لا نَكُفُّ عن رفع الأصوات أعلى من حناجرنا بالشكوى، حتى ثقبنا الآذان وأصيب الجميع بالصمم، كان حَريّا بدل أن نرفع عقيرتنا في كل مرة بالعويل، أن نشكو بصوت منخفض للمسؤولين عن أي شأن يعنينا أو لا يعنينا في البرلمان، حفاظاً على سلامة هذه الآذان التي ما عادت تسمع شيئاً، أو نبحث لشكوانا عن تلحين مناسب، لعمري كانت ستبُزُّ أكثر الأغاني مبيعاً، وتدر مع الأموال البكاء دون بصل!
لا أحد يسمع في البلاد، والسبب أن ثقافة الشكوى من فرط سيادتها في كل ما نكتب أو نندب، أضجرت الناس برتابتها الملبدة، ألا يوجد في هذا المعجم المدلهم، مرادف أجمل لا يحجب الشمس، لقد أصبحت ثقافة الشكوى مرتسمة ببلاهتها السوريالية في كل الأعين، مبثوثة بين سطر وآخر إلى آخر صفحة في الجرائد والأخبار التلفزيونية، وفي أحاديث الكؤوس التي تنطق حدَّ الانكسار بمرارتها في المقاهي، انظر إلى محتسيها كيف لم يجدوا شيئا دفعاً لقلة الشيء، لقد تحولوا بسبب تداولية أوجههم في نسخة يومية غير مزيدة ومنقحة، إلى كراسي بأربع أرجل، هكذا أصبح الجميع يجد في ثقافة الشكوى، متنفسا أنجع من دفن الرأس في كتاب صار أبْخس من تراب، سادت اللاجدوى الأنفس وصار أكبر همها هو آخر الشهر، وما أشبه هذا القبض بخروج الروح من الحلقوم، فالأجر في أغلى الاشتراءات وأرخصها بهذه البلاد السعيدة، لا يستمر بالجيوب في أفضل الأحوال خمسة أيام، ليتضح بما لا يدع للعقل مزيدا من فلسفة أو تفكير، أن الوظيفة في البلدان الفقيرة تحديدا، جهاز استرقاق وتعذيب، أوجدته البشرية في الزمن الرأسمالي الفاحش!
لذلك لا تكاد تفتح الفم بما لا أحد يدريه من كلام قد يكون تثاؤباً، حتى يبادر الجميع إلى الحديث دفعة واحدة ليُثمِّنوا أو يصادقوا أو حتى يدمغوا بطابع بريدي، على ما لم تقله بعد بالشكوى، إنهم يتحدثون جميعا في وقت واحد، بنفس الشكوى التي خربت ثقافتها العقول لذلك لا أحد يسمع في البلاد!
الأفظع أن المواطن أصبح معزولا في مواجهة السوق، وكل السياسات التي تُدبّر باسمه لا تعرفه، إلا حين تُمطر السماء بأوراق من كل الألوان، لقد ضاقت سُبل العيش، وأصبح الحلم لا يتجاوز تأمين قفة الغذاء، أما مَن ينادي بالصحة والتشغيل والتعليم، فقد تجاوز القفة ودائرة العلف إلى عالم المترفين، ويعتبر كائنا من كائنات الذكاء الاصطناعي، الأجدر التخلص منه قبل أن يحشد الجماهير، ويسبقهم للشارع وهو يصيح: أخي جاوز الظالمون المدى !
رئيسية 








الرئيسية 








