Quantcast
2026 مارس 17 - تم تعديله في [التاريخ]

المنتخب النسوي الايراني.. من الرياضة إلى السياسة واللجوء باستراليا


المنتخب النسوي الايراني.. من الرياضة إلى السياسة واللجوء باستراليا
العلم: بوشعيب حمراوي

لم يكن أحد يتوقع أن تتحول مشاركة المنتخب الإيراني النسوي لكرة القدم في بطولة آسيا للسيدات المقامة في أستراليا سنة 2026 إلى قضية سياسية وإنسانية تتجاوز حدود الرياضة. فقد بدأت القصة كحدث رياضي عادي، وانتهت في غضون أيام قليلة إلى ملف لجوء سياسي تدخلت فيه حكومات ومنظمات حقوقية وشخصيات سياسية دولية، وأصبح مادة يومية لوسائل الإعلام العالمية.

انطلقت الأحداث مع وصول المنتخب الإيراني للسيدات إلى أستراليا للمشاركة في البطولة القارية، وسط اهتمام إعلامي كبير بوجود فريق نسوي يمثل إيران في منافسة دولية كبرى. غير أن الأجواء لم تكن عادية داخل بعثة الفريق، حيث تحدثت تقارير إعلامية لاحقاً عن وجود رقابة مشددة على اللاعبات، ومرافقة مسؤولين رسميين للبعثة بهدف مراقبة تحركاتهن والتأكد من التزامهن بالتعليمات الصادرة من طهران.

لكن اللحظة التي فجرت الأزمة وقعت قبل إحدى المباريات عندما لاحظ المتابعون أن بعض اللاعبات لم يرددن النشيد الوطني الإيراني خلال مراسم البداية، وهو موقف اعتُبر في نظر وسائل إعلام إيرانية رسمية نوعاً من الاحتجاج الصامت. وما إن انتهت المباراة حتى بدأت عاصفة من الانتقادات في الداخل الإيراني، حيث وُصفت بعض اللاعبات في منصات إعلامية ومواقع تواصل مقربة من السلطة بـ“الخائنات” أو “المسيئات لسمعة البلاد”.

تلك الأجواء المشحونة دفعت عدداً من اللاعبات إلى التفكير في عدم العودة إلى إيران. وبعد خروج المنتخب من البطولة، وقعت أول خطوة دراماتيكية في هذه القصة عندما اختفت خمس لاعبات من معسكر الفريق في أستراليا وتوجهن إلى السلطات المحلية لطلب الحماية واللجوء. وسرعان ما انضم إليهن عضوان آخران من بعثة المنتخب، ليرتفع العدد إلى سبعة أشخاص بين لاعبات وأعضاء في الطاقم.

السلطات الأسترالية تعاملت مع الملف بسرعة وحذر. فقد أكدت وزارة الداخلية الأسترالية أن عدداً من أعضاء البعثة الإيرانية تقدموا بطلبات للحصول على حماية إنسانية، وأن الحكومة ستدرس طلباتهم وفق القوانين المعمول بها. وفي الوقت نفسه جرى نقل اللاعبات إلى أماكن آمنة وسرية بعد أن تسربت معلومات عن مكان إقامتهن، وذلك تفادياً لأي تهديدات محتملة.

مع انتشار الخبر عالمياً، لم يعد الملف مجرد قضية رياضية. فقد دخلت شخصيات سياسية ومنظمات حقوقية على الخط، معتبرة أن اللاعبات قد يتعرضن لملاحقات أو عقوبات إذا عدن إلى إيران. وفي خضم هذا الجدل، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحكومة الأسترالية إلى منح اللاعبات حق اللجوء وعدم إجبارهن على العودة، مؤكداً أن إعادتهم إلى إيران قد يعرض حياتهن أو حرياتهن للخطر.

كما أبدت شخصيات سياسية إيرانية معارضة، من بينها رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني السابق ونجل شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي المقيم في الولايات المتحدة وأحد أبرز رموز المعارضة للنظام الإيراني، دعمها للاعبات.

 ودعت المجتمع الدولي إلى توفير الحماية لهن، معتبراً أن ما جرى يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها الرياضيات الإيرانيات داخل بلدهن.

في المقابل، التزمت السلطات الإيرانية موقفاً حذراً نسبياً في البداية، مكتفية بالحديث عن ضرورة عودة اللاعبات إلى البلاد دون الإدلاء بتصريحات تصعيدية مباشرة.

وفي الوقت الذي كانت فيه هذه التطورات تتسارع، غادر باقي أعضاء المنتخب الإيراني أستراليا بعد انتهاء مشاركتهم في البطولة. وقد توجهت البعثة، باستثناء الذين طلبوا اللجوء، إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور عبر رحلة جوية من سيدني، حيث توقفت هناك لفترة قصيرة قبل استكمال طريق العودة إلى إيران.

وهكذا وجد المنتخب الإيراني نفسه منقسماً بين لاعبات بقين في أستراليا تحت الحماية القانونية وأخريات عدن إلى بلادهن مع بقية البعثة. وبينما بدأت السلطات الأسترالية دراسة ملفات اللجوء، ظلت اللاعبات في أماكن آمنة بانتظار القرار النهائي بشأن وضعهن القانوني.

القضية كشفت مرة أخرى مدى التداخل المعقد بين الرياضة والسياسة في عالم اليوم. فملاعب كرة القدم التي يفترض أن تكون فضاء للتنافس الرياضي فقط، تحولت في هذه الحالة إلى مسرح لأزمة سياسية وإنسانية عابرة للقارات. كما أعادت هذه الحادثة طرح أسئلة عميقة حول وضع الرياضيات الإيرانيات، وحدود حرية التعبير في المجال الرياضي، ودور الرياضة في التعبير عن المواقف السياسية.

وبينما ما يزال الملف مفتوحاً ولم تصدر بعد القرارات النهائية بشأن طلبات اللجوء، فإن المؤكد أن قصة المنتخب الإيراني للسيدات في أستراليا ستظل واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل في تاريخ الرياضة النسوية في آسيا، لأنها لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل تحولت إلى قضية عالمية تتداخل فيها السياسة والحقوق والرياضة في مشهد واحد.

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار