2026 أغسطس/أوت 19 - تم تعديله في [التاريخ]

أحداث سبتة.. الاستعداد لدفن غالبية 82 جثماناً وسط غموض يلف هويات 76 ضحية

صبري: دفن الجثامين يقتضي معالجة الأسباب التي قادت إلى المأساة..


صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الإصطناعي

*العلم: ليلى فاكر*

دخل ملف جثامين ضحايا أحداث العبور الجماعي إلى مدينة سبتة مرحلة إنسانية وقضائية شديدة الحساسية، مع استعداد السلطات الإسبانية لدفن غالبية الجثامين الـ82 التي انتهت مصالح الطب الشرعي من تشريحها، في وقت لم يُحسم فيه سوى هويات ستة ضحايا مغاربة، بينما لا تزال هوية 76 آخرين مجهولة.

وترتبط الجثامين بموجة العبور الجماعي التي بدأت يوم 30 يوليوز الماضي، واستمرت تداعياتها خلال الأيام اللاحقة، إذ تواصلت عمليات البحث وانتشال الجثامين من المياه بعد انتهاء ذروة الأحداث.

وبحسب المعطيات الصادرة عن مصالح الطب الشرعي في سبتة، فإن الجثامين التي خضعت للتشريح تعود إلى 81 رجلاً وامرأة واحدة، فيما أظهرت الفحوص أن السبب الرئيسي للوفاة كان الاختناق الميكانيكي الناتج عن الغرق.

وتمكنت الجهات المختصة من تحديد هويات ستة رجال مغاربة راشدين؛ ثلاثة منهم عن طريق مطابقة البصمات، والثلاثة الآخرون بواسطة الفحوص البيولوجية، بينما كانت ثلاث حالات إضافية تنتظر مطابقة مباشرة للحمض النووي بعينات قدمها أفراد من أسر المفقودين.

وتواصل الشرطة الإسبانية وخبراء الطب الشرعي عمليات البحث عن هويات بقية الضحايا، بالاعتماد على البصمات وتحاليل الحمض النووي والمعلومات التي تقدمها الأسر. وكانت المصالح المعنية قد تلقت، إلى حدود آخر حصيلة معلنة، 19 بلاغاً عن أشخاص مفقودين، إلى جانب أبحاث وتحريات أخرى ما تزال جارية.

واستدعت ضخامة المأساة تعزيز طاقم معهد الطب الشرعي في سبتة بأطباء وخبراء وتقنيين قدموا من عدد من المدن الإسبانية، من بينها قصرش وسلامنكا وبلد الوليد وألباسيتي وطليطلة، للمشاركة في إنجاز عمليات التشريح وجمع البيانات الضرورية للتعرف إلى الضحايا.

وفي إطار التحضير لدفن الجثامين، جرى تجهيز أكثر من 60 قبراً بالمقبرة الإسلامية «سيدي مبارك»، فيما يرتقب أن تستقبل المقبرة المسيحية عدداً يقل عن 20 جثماناً، وفق الترتيبات التي أعدتها السلطات المحلية.

ومن المنتظر أن تتم عمليات الدفن بصورة تدريجية، بمعدل يتراوح بين ثمانية وتسعة جثامين يومياً، بعد استكمال التراخيص القضائية الخاصة بكل حالة، إذ فُتح ملف مستقل لكل جثمان جرى انتشاله.

ولا تعني عملية الدفن إغلاق باب التعرف إلى أصحاب الجثامين؛ فقد أخذ خبراء الطب الشرعي البصمات والعينات البيولوجية من جميع الضحايا، وربطوا كل جثمان برمز خاص وبيانات وأختام تضمن تتبع مكان دفنه، بما يسمح باستخراجه لاحقاً إذا ظهرت معلومات جديدة أو نجحت مطابقة الحمض النووي مع أحد أفراد أسرته.

وجاء قرار الانتقال إلى الدفن بعدما تجاوز الاحتفاظ بالجثامين المدد المعتادة للحفظ بالتبريد والتجميد، إذ مُددت هذه الفترة لأسباب إنسانية، أملاً في تمكين أكبر عدد ممكن من الأسر من التعرف إلى ذويها قبل مواراتهم الثرى.

وعلى الجانب المغربي، ما تزال أسر الضحايا الستة الذين جرى تحديد هوياتهم تنتظر استكمال إجراءات نقل جثامين أبنائها إلى المملكة لدفنهم في مناطقهم الأصلية.

وفي هذا الصدد، أفاد مصدر من أسر الضحايا، في تصريح نقلته وسائل إعلام مغربية، بأن العائلات أُبلغت بتأجيل تسليم الجثامين إلى ما بعد 21 غشت الجاري، مؤكداً أن العملية لم تُلغَ وإنما أُرجئت إلى موعد لاحق.

وتقدم هذه الرواية تفسيراً مختلفاً عما نشرته وسائل إعلام إسبانية بشأن عدم صدور الترخيص المغربي اللازم لنقل الجثامين الستة، فيما لم يصدر إلى حدود الآن توضيح رسمي يحسم أسباب التأخير أو يحدد موعداً نهائياً لتسليمها إلى أسرها.

ويثير دفن عشرات الجثامين قبل تحديد هويات أصحابها أسئلة إنسانية وقانونية ترتبط بحق العائلات في معرفة مصير أبنائها، وضمان حفظ جميع البيانات والأدلة التي تسمح باستمرار عمليات المطابقة والتعرف حتى بعد الدفن، فضلاً عن صون حرمة الموتى ومراعاة شعائرهم الدينية.

وفي هذا السياق، أكد عبد النبي صبري، الباحث في مجال العلاقات الدولية والجيوسياسية، أن الشروع في دفن جثامين ضحايا أحداث سبتة يفرض التعامل مع الملف بقدر كبير من المسؤولية، إلى جانب استخلاص الرسالة الأساسية التي تتجاوز دفن الضحايا إلى ضرورة «دفن الأسباب والمسببات» التي قادت إلى هذه المأساة.

وأوضح صبري أن معالجة تداعيات الأحداث لا ينبغي أن تقتصر على الجانب المرتبط بالجثامين والضحايا، بل يتعين أن تشمل العوامل والظروف التي أفضت إليها، خصوصاً أن المغرب مقبل على دورة جديدة من التنمية.

وأضاف أن الحكومة المقبلة مطالبة بضمان انعكاس هذه الدورة التنموية بصورة ملموسة على الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل وصون كرامة المواطنين، معتبراً أن معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية تشكل جزءاً أساسياً من منع تكرار مثل هذه الأحداث.

وعبر الباحث عن أمله في أن يتغمد الله الضحايا بالرحمة والمغفرة، مؤكداً أن السلطات المعنية مطالبة باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لضمان التعامل المسؤول مع الجثامين واحترام مشاعر الأسر المنتظرة.

وأشار إلى أن التطور العلمي يوفر وسائل متقدمة لتحديد هويات الضحايا، إلى جانب وجود أجهزة ومؤسسات مختصة قادرة على توظيف تقنيات البصمات والحمض النووي وغيرها من الوسائل، وفق المقتضيات القانونية والإجراءات التي تفرضها طبيعة هذه الظروف.

وشدد صبري على أن تحديد هوية كل جثمان يكتسي أهمية بالغة بالنسبة إلى الأسر، لأنه يمثل الخطوة الأساسية لإنهاء رحلة الانتظار وتمكين العائلات من معرفة مصير أبنائها واستكمال إجراءات دفنهم، بما يصون حرمة الموتى وحق ذويهم في الوداع.



في نفس الركن