2026 يوليو/جويلية 31 - تم تعديله في [التاريخ]

أحداث سبتة: حين تُفصِح الحدود عن جراح التنمية



*بقلم: نبيل الطويهري*

عادت مشاهد السباحة الجماعية واقتحام الحواجز السلكية المحيطة بمدينة سبتة المحتلة لتصدر التغطيات الإعلامية وتصدر واجهة النقاش العمومي. غير أن الاختزال السريع لهذه الأحداث في مجرد "أزمة أمنية طارئة" أو "تسلل غير مشروع" هو تعتيم عن الحقائق الهيكلية التي تُغذي هذا النزيف المتواصل على طول الشريط الحدود الشمالي. إن ما شهدته مناطق الشمال في الأيام الأخيرة ليس حدثاً معزولاً، بل هو عرضٌ صريح لأزمة مركبة تتداخل فيها التحولات الاقتصادية المحلية بالديناميات السياسية والإقليمية، وتختبر تمثلات الشباب للمستقبل في ظل انسداد الآفاق.

الشرارة المباشرة:

لا يمكن فهم هذه الموجة المتجددة من "الحريك" دون العودة إلى الشرارة القانونية التي أطلقتها؛ حيث استغلت شبكات الاتجار بالبشر قراءات مضللة لبعض القرارات القضائية الصادرة حول تنظيم مساطر الطرد والاستبعاد البحري؛ وخاصة قرار المحكمة العليا الإسبانية (القرار رقم 814/2026) الذي يقضي بمنع السلطات الإسبانية والحرس المدني من تنفيذ "الإرجاع الفوري أو الطرد المباشر" للأشخاص الذين يتم اعتراضهم في المياه الإقليمية أو قبالة الشواطئ.  بل أكثر من ذلك ألزم القرار السلطات بفتح ملف إداري فردي لكل مهاجر يصل عبر البحر، وتوفير المساعدة القانونية، ومترجم، وإتاحة تقديم طلب الحماية الدولية.  ومن جهة أخرى لعبت المقاطع المصورة المنتشرة عبر الوسائط الرقمية دوراً مزدوجاً، بين الترويج لصور "الوصول والنجاح" وإثارة الانجذاب نحو "المتخيل الأوروبي" كحل سحري لتحسين الأوضاع المادية. ولعل ذلك ما دفع أعداد كبيرة من الشباب والقاصرين إلى خوض مغامرة العبور الجماعي المكثف، سواء عبر تسلق الحواجز الأمنية السلكية، أو المخاطرة سباحة عبر الشريط البحري بمحاذاة المعبر الحدودي. 

كلفة التنمية الاقتصادية الهشة

بعيداً عن السجال الأمني، يكمن السبب الجوهري في التغيرات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد المحلي لهذه المنطقة الحدودية. لقد أدى الإغلاق النهائي لملف "التهريب المعيشي" – وهو خطوة كانت ضرورية لاستعادة كرامة المواطن وبناء اقتصاد هيكلي منظم – إلى تجفيف منابع الدخل المباشر لآلاف العائلات في الفنيدق وتطوان والنواحي. ورغم الجهود المبذولة لإطلاق مناطق صناعية وتجهيزات مينائية، وبنيات تحتية كبرى في الجهة الشمالية، فإن وتيرة خلق فرص الشغل اللائقة لم ترتقِ إلى مستوى استيعاب الفئات المحرومة، أو تلك التي تقاطعت مساراتها مع الهدر المدرسي والجامعي. وأمام هذا الوضع وجدت فئات واسعة نفسها أمام أوضاع صعبة تراوحت بين ارتفاع تكلفة العيش، وضعف امتصاص الهشاشة الاجتماعية الناجمة عن إنهاء أنشطة غير نظامية استمرت لعقود.
 
اختبار التنسيق الثلاثي

على المستوى السياسي والدبلوماسي، تكشف إدارة الأزمة الحالية عن تحول لافت في طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية. بخلاف محطات سابقة سادها التوتر والتوظيف السياسي، أظهر الجانبان مستوى عال من التنسيق والمسؤولية المشتركة في حماية الحدود والسيطرة على الوضع الميداني. غير أن هذا التنسيق الميداني المحمود يجب ألا يُخفي الحقيقة الكبرى: وهي أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها وتكاملها، تظل حلّاً مؤقتا. إن الاتحاد الأوروبي، الذي يكتفي في غالب الأحيان بتقديم الدعم اللوجستي وضبط المراقبة، مدعو إلى إدراك أن الحدود الجنوبية للمتوسط ليست مجرد جدار دفاعي، بل هي منطقة تماس تتطلب استثماراً تنموياً حقيقياً وشراكة اقتصادية مع المغرب تسهم في خلق فرص عيش كريم للشباب، لاسيما في هذه المنطقة الحدودية.

إعادة الاعتبار للإنسان والمجال

إن المشاهد المؤلمة لشباب بعمر الزهور يلقون بأنفسهم في عرض البحر لا يمكن علاجها بعنف السجال، ولا بنظرية المؤامرة. إن استعادة الاستقرار في الثغور الحدودية يقتضي تسريع وتيرة البدائل التنموية المحلية، وتوفير برامج إدماج حقيقية تمنح الأمل للشباب والقاصرين، وتضمن أن يصبح المجال الحدودي نقطة إشعاع وازدهار اقتصادي، لا منطقة هشة تنهكها شائعات الفضاء الأزرق، وأوهام الضفة الأخرى.



في نفس الركن