☰
2026 أكتوبر 26 - تم تعديله في [التاريخ]

أرصفة طنجة بين الاستغلال التجاري وحق الراجلين في فضاء عمومي آمن

حين يصبح السير على الرصيف تحدياً يومياً، يطرح محمد اليطفتي سؤالاً يتجاوز حدود الشارع: كيف تتعايش مصالح المدينة وحقوق سكانها؟


حق الراجلين في أرصفة آمنة بطنجة
★ العلم الإلكترونية - بقلم: محمد اليطفتي ★

لم يعد احتلال الملك العمومي بمدينة طنجة مجرد سلوك معزول أو ممارسة عابرة يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية، بل أضحى إشكالاً حضرياً تتداخل فيه اعتبارات اقتصادية واجتماعية وقانونية، وتنعكس آثاره بصورة مباشرة على حق المواطنين في التنقل الآمن، وفي استعمال الفضاءات المشتركة التي يفترض أن تكون متاحة للجميع، دون تمييز أو تضييق. وبين حق التجار وأصحاب المقاهي والمطاعم في ممارسة أنشطتهم الاقتصادية، وحق الراجلين في أرصفة تحفظ سلامتهم وكرامتهم، تبرز الحاجة إلى تدبير متوازن للملك العمومي، قوامه احترام القانون، وتحقيق الإنصاف، وصون المصلحة العامة.

وفي هذا السياق، تكتسي التدخلات الميدانية التي باشرتها السلطات المحلية بعدد من مناطق وأحياء طنجة لتحرير الأرصفة من التجهيزات المستغلة للفضاء العمومي أهمية خاصة، باعتبارها خطوة تروم إعادة الاعتبار لوظيفة الرصيف، ووضع حد لممارسات تؤدي، في حالات متعددة، إلى تضييق المجال المتاح للراجلين، وإجبارهم على النزول إلى الطريق ومزاحمة السيارات والدراجات، بما يهدد سلامتهم ويضاعف مخاطر حوادث السير، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.

إن الرصيف ليس مساحة متروكة للاستغلال بحسب رغبة هذا التاجر أو ذاك، ولا مجالاً يمكن تحويله إلى امتداد تلقائي للمحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، بل هو جزء من الملك العمومي المخصص، أساساً، لتيسير حركة الراجلين وضمان انسيابية تنقلهم في ظروف آمنة. ومن ثم، فإن أي استغلال لهذا الفضاء ينبغي أن يظل خاضعاً للقوانين والضوابط الجاري بها العمل، وللشروط التي تحددها الجهات المختصة، بما يمنع تحول المنفعة الخاصة إلى مصدر للإضرار بحقوق الآخرين.

ولعل ما يثير الانتباه في هذه الظاهرة هو أن بعض مظاهر احتلال الأرصفة لم تعد تقتصر على وضع بضعة كراسٍ أو طاولات أمام المحلات، بل تمتد، في بعض المواقع، إلى استغلال مساحات واسعة من الممرات المخصصة للراجلين، أو تطويقها بتجهيزات وعوائق تجعل المرور متعذراً أو محفوفاً بالمخاطر. وفي مثل هذه الحالات، يجد المواطن نفسه أمام مفارقة غير مقبولة: رصيف موجود من الناحية العمرانية، لكنه يفقد وظيفته الفعلية، فيتحول الطريق المخصص للسيارات إلى ممر اضطراري للراجلين.

ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى التضييق على الأنشطة التجارية أو تجاهل الأدوار الاقتصادية والاجتماعية التي تضطلع بها المقاهي والمطاعم والمحلات، باعتبارها جزءاً من حيوية المدينة ومصدر رزق لعدد من الأسر. فالمطلوب ليس وضع النشاط الاقتصادي في مواجهة النظام العام، وإنما إرساء قواعد واضحة تضمن ممارسة الأنشطة التجارية في إطار القانون، وتصون في الوقت نفسه حق المواطنين في استعمال الفضاء العمومي. ذلك أن حرية المبادرة الاقتصادية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للاستحواذ على فضاء مشترك، كما أن حماية الملك العمومي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها استهدافاً للتجار والمهنيين، بل باعتبارها ضمانة لتعايش المصالح المشروعة داخل المدينة.

ومن هذا المنطلق، فإن نجاح عمليات تحرير الأرصفة لا يُقاس فقط بحجم التجهيزات التي تتم إزالتها خلال الحملات الميدانية، وإنما بمدى قدرة هذه التدخلات على إحداث تغيير مستدام في طريقة تدبير الملك العمومي. فالمعالجة الظرفية، مهما كانت أهميتها، لن تحقق النتائج المرجوة إذا لم تواكبها مراقبة منتظمة، وتحديد واضح للمسؤوليات، وتطبيق منصف للقانون، يمنع عودة المخالفات بمجرد انتهاء التدخلات الميدانية.

كما أن الحفاظ على نتائج هذه العمليات يقتضي اعتماد مقاربة تجمع بين الحزم القانوني والتحسيس والتواصل مع المهنيين، من خلال توضيح شروط الاستغلال المسموح به، والمساحات التي يمكن الترخيص باستعمالها عند الاقتضاء، والالتزامات المترتبة على المستفيدين من التراخيص. فكلما كانت القواعد واضحة ومعلنة، تراجعت مساحة التأويلات والاجتهادات الفردية، وأصبح احترام القانون مسؤولية مشتركة بين السلطات والمستغلين والمرتفقين.

غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطاً بضمان المساواة أمام القانون، حتى لا تتحول حملات تحرير الملك العمومي إلى إجراءات متفاوتة الأثر، تُطبق على بعض المخالفين وتتجاوز آخرين في ظروف مماثلة. فالمواطن لا ينتظر فقط رؤية السلطات وهي تتدخل في شارع أو حي معين، بل ينتظر أن يلمس وجود قاعدة واحدة تسري على الجميع، دون محاباة أو انتقائية، وأن تكون القرارات المتخذة مستندة إلى معايير واضحة، وقابلة للتفسير والمراقبة.

وفي مدينة بحجم طنجة، بما تعرفه من توسع عمراني وحركية تجارية وسياحية متزايدة، يصبح تنظيم الملك العمومي جزءاً لا يتجزأ من جودة الحياة الحضرية، ومن صورة المدينة التي تسعى إلى تعزيز جاذبيتها الاقتصادية والسياحية. فلا يمكن الحديث عن مدينة عصرية تستجيب لمتطلبات التنمية، بينما يظل الراجلون مضطرين إلى مغادرة الأرصفة والنزول إلى الطرقات بسبب عوائق كان يُفترض أن تخضع للتنظيم والمراقبة. كما لا يمكن بناء فضاء حضري منصف إذا كانت سلامة المواطن وحقه في التنقل يتوقفان على طبيعة الحي الذي يوجد فيه أو مدى احترام مستغلي المحلات للقواعد القانونية.

وتستدعي هذه الإشكالية أيضاً استحضار حاجيات الفئات التي تواجه صعوبات أكبر في التنقل، وفي مقدمتها الأشخاص في وضعية إعاقة، والأشخاص المسنون، والأطفال، والنساء المصحوبات بأطفال صغار. فالرصيف القابل للاستعمال ليس مجرد عنصر من عناصر تهيئة الشوارع، بل شرط من شروط الولوج المنصف إلى الفضاء الحضري، وضمانة لحق الجميع في الحركة والاستقلالية والسلامة.

إن معركة استعادة الأرصفة بطنجة لا ينبغي أن تكون حملة موسمية تنتهي بانتهاء التدخلات الميدانية، بل مدخلاً إلى تصور متكامل لتدبير الملك العمومي، يربط بين احترام القانون، وتنظيم الأنشطة التجارية، وحماية حقوق الراجلين، وتحسين جمالية المدينة وسلامة شوارعها. وهي مسؤولية تتطلب انخراط السلطات المحلية والجماعة والجهات المعنية، إلى جانب المهنيين ومكونات المجتمع المدني، في إطار من التعاون والوضوح والالتزام بالقواعد المنظمة لاستعمال الفضاءات المشتركة.

فالمصلحة العامة لا تتحقق بإقصاء التاجر، كما لا تتحقق بالتساهل مع احتلال الرصيف، وإنما تتحقق بإقامة توازن عادل بين حق ممارسة النشاط الاقتصادي وحق المواطن في فضاء عمومي آمن ومنظم. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه تدبير الملك العمومي بطنجة: أن يكون القانون مرجعاً للجميع، وأن يستعيد الرصيف وظيفته الطبيعية، وأن يشعر المواطن بأن المدينة فضاء مشترك له فيه حق أصيل، لا مجالاً يضطر فيه إلى التنازل عن سلامته كلما أراد أن يسير على قدميه.



في نفس الركن