العلم الإلكترونية - هشام الدرايدي
التئم صباح أمس السبت 26 شتنبر الجاري، العشرات من الصيادلة والخبراء والفعاليات المهنية من داخل المغرب وخارجه للمشاركة في فعاليات الدورة التاسعة للمؤتمر الدولي لجمعية عالم الصيادلة المغاربة "إم فارما"، والتي نظمت في ظرفية دقيقة وبالغة الأهمية بالنسبة للمنظومة الصحية الوطنية. ورفع هذا المحفل المهني والعلمي شعار "الصيدلية المستقلة حلقة أساسية في الصحة العمومية"، في تأكيد قاطع على الدور المحوري الذي تلعبه صيدليات القرب في تأمين الأمن الدوائي وتقديم الرعاية الصحية المباشرة للمواطنين، باعتبارها المرفق الصحي الأكثر إتاحة وقرباً من المريض.
وشكلت أشغال المؤتمر مناسبة سانحة أمام المهنيين لمكاشفة صريحة ومسؤولة حول جملة من الإشكالات البنيوية والاقتصادية التي تخيم على قطاع الصيدلة بالمغرب، وفي مقدمتها تداعيات مرسوم تحديد أسعار بيع الأدوية. فقد سجل المشاركون ببالغ الأسف صدور هذا المرسوم دون إشراك فعلي لممثلي المهنة ودون إقرار أي تدابير مواكبة أو بدائل اقتصادية تمكن الصيادلة من امتصاص آثار تراجع الهوامش الربحية، مما يهدد آلاف الصيدليات بالهشاشة الهيكلية ويقودها تدريجياً نحو شبح الإفلاس. كما تطرق النقاش باستفاضة إلى خطورة الهجمة المتمثلة في مقترحات تحرير رأسمال الصيدليات وفتح الباب أمام سلاسل الصيدليات والمستثمرين الخارجيين، حيث أشاد المؤتمرون بالدور التاريخي للوقفات الاحتجاجية والوحدة النضالية للصيادلة في كبح هذا التغوّل المالي الذي يهدف إلى تحويل الدواء إلى سلعة تجارية محضة.
وعلى الصعيد القانوني والتنظيمي، وقف المؤتمرون عند حالة الجمود التي تعاني منها الترسانة القانونية المؤطرة للمهنة، مطالبين بضرورة تحيين وتعديل النصوص التقادمة، وعلى رأسها قانون مدونة الأدوية والصيدلة وظهير المواد السامة الذي يعود لعقود خلت، فضلاً عن الإسراع بإجراء انتخابات المجالس الجهوية لهيئة الصيادلة لإنهاء الفراغ المؤسساتي. كما حذر المشاركون بشدة من تنامي ظاهرة بيع وتداول الأدوية خارج المسلك القانوني وعبر منصات غير مرخصة، معتبرين ذلك خطراً جسيماً يهدد صحة المواطنين وسلامتهم، ومطالبين السلطات الوصية بتشديد الرقابة وتفعيل إجراءات الصد بحق المتورطين.
وفي أفق تجاوز هذه الأزمات المتراكمة، دعا المؤتمر الدولي التاسع لـ "إم فارما" إلى ضرورة إحداث نموذج اقتصادي جديد للصيدليات لا يقتصر حصراً على الهامش الربحي الضيق للأدوية، بل يمتد ليشمل الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة عبر توسيع المهام الصيدلانية. وشملت المقترحات تفعيل حق استبدال الدواء، ومرافقة أصحاب الأمراض المزمنة، والانخراط الفعّال في الأوراش الكبرى المتعلقة بتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة حسناء المومني، رئيسة المكتب التنفيذي لجمعية عالم صيادلة مغاربة، في تصريح بالمناسبة، أن الدور الجوهري للصيدلاني لا يقتصر البتة على الجانب التجاري البحت أو صرف الأدوية، بل يتعداه إلى تتبع مسار المرضى، السهر على حسن استعمال الدواء، وتقديم التوعية والمواكبة المستمرة طيلة أطوار العلاج. وشددت المومني على أن الصيدلية تظل مرفقاً حيوياً يقدم خدماته للمواطنين بطريقة مجانية وعلى مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع، معتبرة أن هذا الدور الإنساني والمجتمعي يواجه اليوم ضغوطاً مالية وقانونية قاسية تستوجب تدخلاً عاجلاً لإنقاذ الصيدلية المستقلة من أزمتها المتفاقمة.
ومن جانبه، وجه الدكتور محمد الصافي، عضو المكتب الوطني للجمعية، انتقادات لاذعة لتدبير القطاع خلال العقدين الأخيرين، معتبراً في تصريحه أن المهنيين يعيشون "فصاماً نكداً" بين تطلعاتهم الرامية إلى تطوير المهنة ورؤية الإدارة التي وصفها بالأحادية والمخالفة لصريح الدستور. وأوضح الصافي أن الصيادلة ما زالوا يحاكمون بقوانين متجاوزة عمرت لأكثر من قرن، مندداً باستمرار تجميد انتخابات مجالس الصيادلة منذ سنة 2019 في غياب تام لأي سند قانوني. كما حذر من التداعيات الكارثية لمقترح مجلس المنافسة القاضي بفتح رأس مال الصيدليات أمام مستثمرين من خارج القطاع، مؤكدة أن هذا التوجه يهدد بضرب صحة المواطنين في مقتل عبر تغليب منطق الربح المادي المجرّد على البعد الصحي والإنساني للمهنة.
واختتم المؤتمر أشغاله بالتأكيد على أهمية اعتماد مقاربة تشاركية فعلية وجادة بين الوزارة الوصية والتمثيليات المهنية والنقابية، بما يضمن صيانة استقلالية الصيدلاني ويعيد الاعتبار لدوره الأساسي كركيزة لا غنى عنها في الأمن الصحي والاستراتيجي للبلاد.