العلم الإلكترونية - عادل الدريوش
بموازاة ارتفاع منسوب واد سبو، ارتفع منسوب التهويل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت بعض أصوات الفايسبوك إلى منابر لبث الخوف أكثر من نقل الخبر. منشورات متسرّعة، بث مباشر بلا معطيات دقيقة، وعناوين صادمة تُسهم في صناعة الهلع بدل الوعي.
الخطر اليوم لا يكمن فقط في احتمال فيضان الواد، بل في فيضان الإشاعة، حين يُقدَّم التخويف على أنه سبق إعلامي، ويُستبدل التواصل المسؤول بعدّادات المشاهدات والتفاعل. فالمعلومة غير الدقيقة، حين تُنشر في ظرف حساس، قد تُربك الساكنة وتُعقّد تدخلات الجهات المختصة بدل أن تُساندها.
أول من يتحمّل المسؤولية هم أولئك الذين نصبوا أنفسهم “إعلاميين” بلا تكوين ولا أخلاقيات، يطاردون التفاعل والمشاهدات ولو على حساب طمأنينة الساكنة. عناوين مفزعة، و مقاطع مبتورة من سياقها، وتنبؤات كارثية بلا أي سند علمي أو رسمي. هؤلاء لا ينقلون الخبر، بل يصنعون الذعر، ويُربكون المواطنين، ويُساهمون في فقدان الثقة في المعلومة الصحيحة.
إن مواجهة المخاطر الطبيعية تقتضي إعلامًا يقظًا ومسؤولًا، لا أصواتًا افتراضية تُضخّم الحدث وتغيب عنها المسؤولية. لأن واد سبو، مهما علا منسوبه، يبقى أهون من خطاب يُغرق الناس في الخوف قبل أن يُغرقهم الماء.
إن واد سبو، رغم قوته وتقلباته، يخضع لمنطق الطبيعة والمراقبة التقنية، أما الخوف المصنوع على الفايسبوك فلا ضفاف له ولا سدود. الخوف حين يُضخَّم، قد يدفع الناس إلى تصرفات غير محسوبة، ويخلق فوضى نفسية أخطر من الفيضان نفسه.
ولا يمكن إغفال مسؤولية المواطن، الذي يُعيد النشر دون تحقق، ويُساهم بحسن نية أو بسوء قصد في تعميم المعلومة الخاطئة. فزر “المشاركة” قد يتحول في لحظة إلى أداة لإرباك حيّ بأكمله. الوعي الرقمي لم يعد ترفًا، بل ضرورة مجتمعية.
كما تقع المسؤولية أيضًا على بعض المنابر الإعلامية التي تنساق أحيانًا وراء الإثارة السهلة، بدل التحليل الرصين. الإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الصورة، بل يشرح السياق، يستحضر المعطى التقني، ويضع الحدث في حجمه الطبيعي دون تقليل أو تضخيم. فدور الصحافة هو التنوير، لا تسويق الخوف.
فالفراغ المعلوماتي هو البيئة الخصبة التي تتكاثر فيها الإشاعة. فحين لا يجد المواطن معطيات واضحة ومُحينة حول وضعية الواد، يتجه تلقائيًا إلى الفايسبوك، حيث تختلط الحقيقة بالتهويل، والحرص بالاستغلال.
إن مواجهة المخاطر الطبيعية لا تكون بالتهويل ولا بالصمت، بل بتكامل الأدوار:
سلطات تُبادر بالتواصل، إعلام مهني يلتزم بالمسؤولية، مواطن واعٍ يتحقق قبل النشر، وأصوات رقمية تدرك أن “اللايك” لا يساوي حياة الناس.
فحين يصبح التهويل أخطر من واد سبو، نكون أمام أزمة وعي لا أزمة مياه.