Quantcast
2026 مايو 31 - تم تعديله في [التاريخ]

أضحية العيد: بين الرقم "الأكيد" والواقع "العنيد"


خبير اقتصادي ومالي
خبير اقتصادي ومالي
العلم الإلكترونية - بقلم كمال الزين
 
عرفت الأسابيع الماضية، أي قبيل احتفال المغاربة بعيد الأضحى المبارك، خروجين إعلاميين على صلة بأضاحي العيد. الأول لوزير الفلاحة الذي أكد من داخل قبة البرلمان أن العرض المخصص لأضاحي العيد وفير ويفوق الطلب. بل أضاف أن أسعار الأضاحي تبقى في المتناول، وتبدأ من ألف درهم، قبل أن يحاول الاستدراك بعدما شاهد ردة الفعل المستغربة والمتعجبة التي خلقها هذا التصريح. أما الخروج الثاني فكان من رئيس الحكومة عن طريق بلاغ صحفي، حدد فيه مجموعة من التدابير التي تم اتخاذها لمواجهة تنظيم الأسواق المخصصة لبيع الأضاحي، ومواجهة الممارسات التي تساهم في ارتفاع أسعارها.
 
اليوم، وبعد مرور العيد، يمكننا أن نتساءل عن مدى فعالية الإجراءات الأخيرة التي جاء بها البلاغ الصحفي لرئيس الحكومة، ومدى مطابقة تصريحات وزير الفلاحة للواقع الذي عاشه المغاربة، خصوصًا خلال الأيام التي سبقت عيد الأضحى. لقد حاول وزير الفلاحة، من داخل البرلمان، وكذا بعد انعقاد المجلس الحكومي ليوم 14 ماي 2026، طمأنة المغاربة بالتأكيد على أن عرض الأضاحي يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، وأنه كافٍ لتلبية الطلب الذي يبلغ 6 إلى 7 ملايين رأس حسب تقديرات الوزير. حسب هذه الأرقام، يؤكد الوزير ضمنيا تواجد مليون رأس للأغنام كهامش احتياط إذا اتبعنا تقديرات محافظة، أي عرضًا في حوالي 8 ملايين رأس مقابل 7 ملايين رأس كطلب.
 
الأسئلة التي تطرح هنا هي كالآتي: هل مليون رأس من الماشية كافٍ كهامش احتياط؟ هل التوزيع الجهوي والمناطقي متوازن حتى يغطي العرض الطلب على كافة التراب الوطني؟ هل الجانب اللوجستي من أسواق ووسائل نقل متوفر ومرن وقادر على التأقلم السريع لضمان السلاسة اللازمة لسلاسل التوزيع في ظل هامش احتياط محدود؟
 
نقل الواقع على الأرض وعلى وسائل التواصل الاجتماعي صورة عنوانها أسعار مرتفعة وازدحام في الأسواق بحثًا عن أضحية بسعر معقول، قبل أن يصير المواطن، قبل يومين من العيد، يبحث عن أضحية مهما كلفه ذلك من مجهود وتضحية. هذه الصورة جاءت على النقيض من وفرة العرض والأسواق التي رسمها وزير الفلاحة طيلة الأسابيع الأخيرة.
 
انطلاقًا من هذا الواقع، تفرض الأسئلة التالية نفسها: إذا كانت أرقام واحصائيات الوزير صحيحة بنسبة كبيرة، هل الطلب على الأضاحي ارتفع بشكل غير متوقع، وفاق ما كان منتظراً من سيناريوهات؟ أم أن الأضاحي لم تصل أصلاً إلى الأسواق كما كان لازماً؟ وما هي الموانع التي حالت دون تزويد الأسواق بالعدد الكافي من الأغنام؟ هل عدد الأسواق يوفر القدرة الاستيعابية الضرورية للأغنام في ظرف زمني محدود؟ هل نحن أمام عمل إرادي من طرف بعض المضاربين لفرملة تزويد الأسواق بالأغنام الموجهة لعيد الأضحى؟ أم هي إشكالية لوجستية لم تسمح بضمان توزيع متوازن للأغنام بين المناطق؟ وإن كانت كذلك، لماذا لم نرى تراجعًا كبيرًا للأسعار في المناطق التي كان يجب أن تعرف وفرةً كبيرةً في العرض؟
 
جزء من الجواب عن هذه الأسئلة يمكن فهمه واستنتاجه من البلاغ الصحفي لرئيس الحكومة يوم 18 ماي2026، والإجراءات المؤقتة التي كان أهمها حصرية بيع الأضاحي داخل الأسواق المخصصة والمرخص لها (مع بعض الاستثناءات)، و إلزام البائعين على التصريح بمعلومات تخص مصدر الأغنام و عددها قبل ولوجها إلى الأسواق، ومنع شراء الأضاحي داخل الأسواق بغرض إعادة بيعها.
 
هذه الإجراءات التي اتخذها رئيس الحكومة قبل وقت وجيز من حلول عيد الأضحى، أي في وقت يرتفع فيه الطلب على الأضحية بشكل متسارع، ساهمت في خفض العرض عن طريق:
 
- حصر أماكن بيع الماشية في توقيت متأخر يصعب فيه التأقلم اللوجستي للبائع ( الكسّاب) والمشتري، وبالتالي تعقيد عملية وصل العرض بالطلب.
 
- تعزيز أجواء الشك واللا يقين وما يترتب عنها من خلط بين عمل الكسّاب الذي يتوفر على رأس مال وقطيع محدودين، وبين ممارسات المضاربين الذين قد يستغلون مناسبة دينية هامة ومتجذرة في تاريخ ووجدان المغاربة من أجل مراكمة أرباح فاحشة لا علاقة لها بحرية المنافسة ورمزية ومقاصد مناسبة دينية كعيد الأضحى. هذا الخلط جعل الكسّاب في موقع مسائلة ذاتية وتوجس مكان المضاربين الفعليين.
 
-ضبابية في الرؤية بالنسبة للكسّاب الصغير بسبب إجراءات اتخدت في آخر لحظة وإصدار تصريحات متضاربة حول كيفية تدبير الكسابة للقطيع والعرض، كان قد أطلقها رئيس الحكومة ووزير الفلاحة طوال الأسابيع الماضية. من ناحية مـيكرواقتصادية صرفة، تشكل ضبابية الرؤية بالنسبة لأي مستثمر (والكساب هو مستثمر) وغياب نجاعة إجراءات الحكومة أو ضعف فعاليتها لضمان سير سليم للأسواق والعمليات التجارية، عاملاً معرقلًا لتحديد سعر توازن شفاف يعكس حقيقة السوق و دينامياته.
 
حسب القواعد المؤسسة للعلوم الميكرو اقتصادية، إذا كان العرض أعلى من الطلب، وإذا كان الدعم المالي و الإعفاء الجبائي قد وجه لتعزيز العرض، فإن النتيجة المنطقية هي التقاء العرض والطلب في أسعار في متناول المواطن، وهذا ما لم يقع. بل العكس هو ما عاشه العديد من المغاربة.
 
إن تكرار ارتفاع أسعار الأضاحي وضعف العرض في الأسواق، خصوصًا في عيد الأضحى خلال السنوات الماضية، يستوجب إعادة النظر في مقاربة تدبير موضوع غاية في الحساسية يخص شعائر المغاربة وهويتهم الراسخة.وهذا يمرعبر توظيف الدولة لإمكانياتها لتعزيز المخزون الاستراتيجي للماشية، والذي من شأنه المساهمة في ضبط العرض وعدم ترك المواطن عرضة للتقلبات الناجمة عن المضاربة أو سوء التدبير.كما أن تطوير الأسواق وعصرنتها وتجهيزها بآليات التتبع والمراقبة، وإنجاز المعاملات التجارية بشكل رقمي وشفاف، من شأنه حصر الممارسات المضرة بالمواطن والكساب على حد سواء.أما بالنسبة للقطيع، فيشكل تطوير السجل الرقمي و تحديثه بحلول تكنولوجية متقدمة، ممرًا ضروريًا لتوفير معطيات وبيانات دقيقة تمكن من استشراف العرض بنماذج إحصائية تأخذ في الحسبان سيناريوهات الطلب أيضًا. ومما لا شك فيه أن استحداث شركات جهوية متخصصة في تدبيرالمواد الفلاحية الأساسية سيساعد لا محالة على التغلب على هذه الاختلالات و صون فرحة العيد للأسر المغربية المتشبثة بهويتها الأصيلة.

              



في نفس الركن
< >

الاحد 31 مايو 2026 - 13:53 قول وفعل...
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار