2026 أغسطس/أوت 18 - تم تعديله في [التاريخ]

أطفال على تخوم الأمل: حين يصبح عبور الحدود الوهمية حلما

قراءة في أحداث سبتة ومليلية الأخيرتين


العلم الإلكترونية - بقلم جمال العلوي أبو البركات
 
لم تكن مشاهد الأطفال والقاصرين وهم يحاولون العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين مجرد صورة أخرى من صور الهجرة غير النظامية، ولا يمكن اختزالها في دوافع اقتصادية أو في نزوع عابر إلى اكتشاف الضفة الأخرى. بقدر ما هي في عمقها، سؤال عن الثقة: الثقة في المستقبل، والثقة في الوطن، والثقة في الدولة ومؤسساتها وقدرتها على صناعة ذلك المستقبل.
 
فحين يبلغ الأمر بالطفل أن يخاطر بحياته بحثاً عن أفق خارج الحدود، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالرغبة في الرحيل، وإنما بصورة الوطن في وعي الناشئة، وبمدى قدرتهم على تخيل مستقبل ممكن وذي معنى داخله. ولعل أخطر ما في الظاهرة ليس عبور الحدود في حد ذاته، وإنما تراجع جاذبية المستقبل في الداخل أمام جاذبية المجهول في الخارج.
 
وفي اعتقادي فقد أعادت الأحداث الأخيرة في سبتة ومليلية هذا الطرح إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، خصوصاً مع الحضور اللافت للأطفال والقاصرين في محاولات العبور، ومع الدور المتنامي للفضاء الرقمي في تشكيل التطلعات وصناعة الصورة المتخيلة عن الحياة خارج الوطن. ومن ثم، فإن المقاربة الجادة للظاهرة تقتضي تجاوز القراءة الأمنية المباشرة إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والتربوية والمؤسساتية التي تصنع علاقة الناشئة بوطنهم.
 
فالثقة في الدولة ومؤسساتها لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على إنتاج الإحساس بالحماية والإنصاف وتكافؤ الفرص وإمكانية رسم ملامح المستقبل. وحين تتآكل هذه الثقة، ولو لدى فئة محدودة من الناشئة، يصبح الخارج أكثر حضوراً في المخيال من الداخل، وتتحول الحدود من خط جغرافي يفصل بين مجالين إلى تمثل رمزي يفصل بين تصورين للمستقبل.
 
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه ظاهرة هجرة الأطفال ليس فقط: لماذا يريدون الرحيل؟ بل: ماذا ينبغي أن نفعل حتى يصبح البقاء اختياراً ذا معنى، ويستعيد الوطن في وعي أبنائه قدرته على أن يكون فضاءً للأمل والكرامة والمستقبل؟



في نفس الركن