Quantcast
2026 أكتوبر 12 - تم تعديله في [التاريخ]

أغلبية حكومية منسجمة… رهان على نجاعة الأداء واستعادة الثقة وترسيخ الدولة الاجتماعية

بعد حسم مكونات الأغلبية، يبدأ اختبار الإنجاز، حيث تصبح القدرة على تحويل التوافق السياسي إلى أثر في حياة المغاربة معيارًا لقوة الحكومة المقبلة ومصداقية التزاماتها.


قراءة محمد اليطفتي في رهانات الأغلبية الحكومية الجديدة
قراءة محمد اليطفتي في رهانات الأغلبية الحكومية الجديدة
*العلم الإلكترونية – بقلم: محمد اليطفتي*

ليس تشكيل الأغلبية الحكومية مجرد عملية حسابية لتجميع المقاعد البرلمانية، ولا هو توافق عابر تفرضه مقتضيات تدبير المرحلة السياسية، بقدر ما يشكل لحظة مفصلية في مسار الاختيار الديمقراطي، ومحطة لاختبار قدرة الأحزاب السياسية على تحويل نتائج صناديق الاقتراع إلى مشروع حكومي واضح المعالم، متماسك الرؤية، وقادر على الاستجابة للانتظارات المتزايدة للمواطنات والمواطنين. ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن تشكيل أغلبية حكومية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية يفتح النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق مكوناتها، ومدى قدرتها على جعل الانسجام السياسي مدخلًا لنجاعة الأداء العمومي، لا مجرد عنوان للاستهلاك السياسي.

إن البيان الصادر بالرباط يوم 12 أكتوبر 2026، عقب جولتين من المشاورات السياسية، يقدم تصورًا لأغلبية تستند إلى التقارب الفكري والسياسي، ووحدة الرؤية الإصلاحية، والوعي بحجم التحديات الوطنية والدولية. وهي عناصر تكتسي أهمية خاصة في سياق تتشابك فيه الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتتزايد فيه الحاجة إلى مؤسسات قوية، وسياسات عمومية منسجمة، وقدرة فعلية على اتخاذ القرار وتنزيله في آجال معقولة.

غير أن قيمة هذا التوافق لن تُقاس بمدى الانسجام الذي تعلنه مكوناته، ولا بما تحمله صياغة البيان من وعود وطموحات، وإنما بما ستنجح الحكومة المقبلة في تحقيقه على أرض الواقع. فالمغاربة لا ينتظرون فقط حكومة متجانسة في تركيبتها، بل حكومة متماسكة في قراراتها، واضحة في أولوياتها، جريئة في إصلاحاتها، وقادرة على إحداث أثر ملموس في الحياة اليومية للأسر، وعلى رأس ذلك تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحقيق الإنصاف بين المجالات الترابية.

ولعل من أبرز ما يستوقف في البيان تأكيده على بناء أغلبية سياسية قوية، تتوحد في الرؤية الإصلاحية وتلتزم بها. فهذا الالتزام يضع الأحزاب الأربعة أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية تدبير الاختلاف داخل الأغلبية بما يحفظ التعددية ويصون استقلالية القرار الحزبي، ومسؤولية ضمان الحد الأدنى الضروري من الانسجام في السياسات والقرارات الحكومية. ذلك أن الأغلبية الديمقراطية لا تعني إلغاء التباين في المرجعيات والاجتهادات، بل تعني القدرة على تحويل هذا التباين إلى مصدر غنى في صياغة الحلول، ضمن برنامج حكومي واضح، وأولويات محددة، وآليات ناجعة للتنفيذ والتقييم والمحاسبة.

وفي هذا السياق، يكتسي حضور حزب الاستقلال ضمن الأغلبية الحكومية الجديدة دلالة سياسية وتنظيمية خاصة، بالنظر إلى مرجعيته الوطنية والاجتماعية، وإلى ما راكمه من تجربة في تدبير الشأن العام، وإلى ارتباط مشروعه الإصلاحي بقضايا المواطن وكرامته وعدالة توزيع ثمار التنمية. فالمطلوب من المشاركة الاستقلالية ليس مجرد الحضور في التركيبة الحكومية، بل الإسهام الفعلي في توجيه السياسات العمومية نحو تعزيز الدولة الاجتماعية، وتوسيع قاعدة العدالة الاجتماعية، وتكريس الإنصاف المجالي، وتقوية الاقتصاد المنتج، وحماية الفئات الهشة والمتوسطة من آثار التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.

إن قوة المشاركة الحزبية داخل الحكومة لا تُقاس بعدد الحقائب الوزارية التي تحصل عليها، بل بقدرتها على الدفاع عن البرامج والالتزامات، وتحويل المبادئ إلى قرارات، والترافع من أجل الفئات التي تنتظر من العمل السياسي أن يغير واقعها نحو الأفضل. ومن هنا، فإن مسؤولية حزب الاستقلال، إلى جانب باقي مكونات الأغلبية، تتمثل في جعل المرجعية الاجتماعية والوطنية رافعة لتجويد السياسات العمومية، وفي الإسهام في بناء تعاقد سياسي جديد مع المواطنين، قوامه الوضوح والإنجاز وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن تأكيد البيان على اختيار وزيرات ووزراء يتوفرون على الكفاءة والحس السياسي والنزاهة والاستقامة يضع معيار الاستحقاق في صلب النقاش بشأن تشكيل الحكومة. فالمغرب في حاجة إلى حكومة تجمع بين الكفاءة التقنية والقدرة السياسية على التواصل والإقناع، وبين النزاهة في تدبير الشأن العام والجرأة في مواجهة الاختلالات. حكومة لا تكتفي بتدبير الملفات اليومية، بل تمتلك رؤية استباقية للتحديات، وتعمل بمنطق النتائج، وتخضع برامجها للتقييم المستمر، وتعتبر التواصل مع الرأي العام واجبًا مؤسساتيًا يرسخ الثقة ويواجه تضارب المعلومات والانتظارات غير الواقعية.

ولا يقل أهمية عن ذلك ما أورده البيان بشأن العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وتقوية القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني. فهذه العناوين تمثل، في جوهرها، حلقات مترابطة في مشروع تنموي واحد؛ إذ لا يمكن بناء اقتصاد قوي ومستدام دون رأسمال بشري مؤهل، ولا يمكن تحقيق الاستقرار الاجتماعي دون توزيع أكثر عدلًا لفرص التنمية، كما لا يمكن تعزيز الثقة في المؤسسات دون أن يشعر المواطن بأن السياسات العمومية تستجيب لحاجاته الفعلية، وأن موقعه الجغرافي أو وضعه الاجتماعي لا يحددان سقف حقوقه وفرصه.

ومن ثَمَّ، فإن الرهان الحقيقي أمام الأغلبية الجديدة هو الانتقال من منطق الإعلان عن الأهداف إلى منطق تحديد الأولويات والالتزامات القابلة للقياس. ويقتضي ذلك أن يتضمن البرنامج الحكومي المرتقب إجراءات دقيقة، وآجالًا واضحة، ومؤشرات لتقييم الإنجاز، مع الحرص على الانسجام بين الوعود والإمكانات المالية والاقتصادية المتاحة. فالمصداقية السياسية لا تُبنى بكثرة الالتزامات، وإنما بواقعيتها وقابليتها للتنفيذ، وبالقدرة على تصحيح المسار كلما أظهرت النتائج وجود اختلالات أو تأخر في الوفاء بالتعهدات.

إن المرحلة المقبلة تفرض كذلك إعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره أداة للإصلاح وخدمة الصالح العام، لا مجرد تدافع انتخابي ينتهي بانتهاء الاستحقاقات. فالمشاورات التي أفضت إلى هذه الأغلبية ينبغي أن تشكل بداية لمسار من التنسيق المستمر بين مكوناتها، بما يضمن وحدة القرار الحكومي، ويعزز فعالية العمل البرلماني، ويتيح انخراطًا مسؤولًا للمعارضة في مراقبة الأداء وتجويده، في إطار احترام الاختلاف وتكامل الأدوار داخل المؤسسات الديمقراطية.

إن المغرب، وهو يواصل مساره التنموي في ظل التحديات الداخلية والتحولات الدولية، يحتاج إلى أغلبية تستمد قوتها من وضوح مشروعها، ومن ثقة المواطنين في أدائها، ومن قدرتها على التوفيق بين متطلبات الاستقرار وضرورات الإصلاح. ولذلك، فإن الإعلان عن هذه الأغلبية لا يمثل نهاية المشاورات السياسية بقدر ما يشكل بداية الامتحان الحقيقي: امتحان القدرة على الإنجاز، والوفاء بالالتزامات، وتكريس العدالة الاجتماعية والمجالية، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي المنتج.

فالأغلبية القوية ليست تلك التي تتوفر على العدد الكافي من المقاعد فحسب، بل تلك التي تنجح في تحويل قوتها البرلمانية إلى قوة اقتراحية وإصلاحية، وتجعل من الانسجام وسيلة للإنجاز، ومن المسؤولية مدخلًا للمحاسبة، ومن خدمة المواطن الغاية النهائية لكل قرار حكومي. عندئذ فقط يصبح تشكيل الأغلبية خطوة فعلية نحو مغرب أكثر إنصافًا وازدهارًا، وتغدو الثقة التي تمنحها المؤسسات السياسية لنفسها جديرة بأن تتحول إلى ثقة متجددة بين المواطن ومؤسساته.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار